وجهةٌ مجهولة: كيف تاهت السوسيولوجيا؟

مادة لـ: وليام ديفيز

تر: علاء بريك هنيدي


نُشِرَت هذه المادة في العدد الحادي عشر/المجلد الأربعين من دورية «لندن ريفيو أوف بوكس»، وفيها يقدِّم وليام ديفيز مراجعةً لثلاثة كتبٍ (عودة اللامساواة لمايك سافاج – الاستعمار والنظرية الاجتماعية الحديثة لجُرمندِر بامبرا وجون هُلمود – موجز تاريخ المساواة لتوماس بيكتي)، وتنشرُ صحيفة المُتَلَمِّس ترجمتها لهذه المادة بالتعاون مع موقع كتب مملة.

 

إنَّ تلك الفترة من التاريخ البشري التي كان يمكن خلالها لشعوب أوروبا أن تصف نفسها بـ«الشعوب الحديثة» لم تتجاوز المئة عام، بداية من انتفاضات سبعينيات القرن التاسع عشر إلى نظيرتها في سبعينيات القرن العشرين. في هذه الفترة، بدا أنَّ الدولة القومية البيروقراطية قد توطدت بوصفها نواة القوة الجيوسياسية، وباتت دولة الرفاه من أوليات العدالة الاجتماعية. وساد الاعتقاد بأنَّ الديمقراطية الليبرالية ستتحقق بانتشار حق الاقتراع وحقوق الإنسان المحمية بالقانون. وستنصبُّ أبحاث الخبراء في العلوم الطبيعية والاجتماعية (المقسَّمة حديثًا إلى تخصصات مستقلة) على بناء مجتمعات أثرى وأصح وأسعد. أما الصناعة فكانت ستأتي بزيادة مطردة في الإمكانيات الإنتاجية. أما الفنان فأضحى حرًا في ابتداع أشكال بديلة من التعبير، بعدما فقدَ وظيفتَي تصوير العالم والاحتفاء بالسلطة السياسية أو الدينية.


تجلى مصطلح «الحديث»، مثلما شدَّد مايك سافاج في كتابه «عودة اللامساواة»، في صورة علاقة مميزة مع الزمان والمكان، تُلمَس بوضوح عند التجول في شوارع المدن الأوروبية والأمريكية الكبرى. فقد عاش المجتمع الحديث في حالةٍ من التدفق المستمر بين ماضٍ مضى لتوّه ومستقبلٍ يحمل من الممكنات قدر ما يحمل من الشكوك. أما «الما قبل حديث» أو «التقليدي» فقد ولّى، فما عاد يحمل أيَّ قيمة، وعلى هذا الغرار نُظِر إلى العديد من الشعوب غير الأوروبية، حسبما بيَّنَت جُرمِندر بامبرا وجون هُلمود، إذْ عُدَّت بقايا أثرية يجب ترميمها أو استبدالها.


في الوقت نفسه، شهدت فترة المئة سنة التي بدأت حوالي عام 1870 ولادة السوسيولوجيا ونموها، وهي التخصص المنشغل بأسئلة «الحداثة». فقد سطَّرَ كارل ماركس كتاباته العلمية الناضجة في الفترة الواقعة بين أواخر ستينيات القرن التاسع عشر ووفاته في 1883، في حين كتب قطبا المعتمد السوسيولوجي الآخران، ماكس فيبر وإميل دوركهايم، أهم أعمالهما بين 1890 و1920. لكنَّ إرساء هذا المعتمد، كما بيَّنَت بامبرا وهُلمود، لم يأتِ إلا بعد 1945 على يد السوسيولوجي الأمريكي تالكوت بارسونز قائد جهود إرساء السوسيولوجيا كتخصِّصٍ علمي رصين. خلال فترة ما بعد الحرب هذه، عادت وعود الحداثة بكل طاقتها في صورة دولة الرفاه وتخطيط الحياة الاقتصادية والحضرية والتحديث المدروس للاقتصادات النامية على يد الحكومات المستقلة حديثًا. كان في جعبة السوسيولوجيا الكثير لتقدمه إلى الحكومات التي تلتزم بالتخفيف من حدة الفقر والحفاظ على التماسك الاجتماعي، والتي لا تريد في الآن ذاته حصرَ خياراتها في الحلول التقليدية للمشاكل الاجتماعية، سواء الحلول الموروثة أو الدينية أو غير العقلانية.


ماذا حدث لهذا المشروع؟ إنًّ ما وقع في أعقاب 1968 من أزمات متعددة، اقتصادية وسياسية وثقافية، قد قُتِل بحثًا. شملت تلك الأزمات، من جملة ما شملته، عجز الحكومات عن تحقيق الرخاء للجميع في ظل تباطؤ نمو الإنتاجية؛ والخوف من أنَّ دولة الرفاه كانت تخلق من المشاكل قدر ما تحله؛ وظهور جيلٍ سياسي يُعلي من الاختلافات الثقافية على حساب الاحتياجات الجماعية؛ والانحدار الملحوظ للمجتمع الحضري الراجع إلى غطرسة المخططين والعمارة الحديثة؛ ونقل مصانع بأكملها إلى الخارج بإيقاعٍ مطرد؛ والشعور بأنَّ الخبراء باتوا أصحاب سلطة متضخمة، لا سيما في حقول مثل الطب النفسي. ربما لم تحمل نيوليبرالية تاتشر وريجان أيَّ حلولٍ تُذكَر لهذه المشاكل، لكنَّها كانت –أقله– على استعدادٍ للحديث عنها بطريقةٍ سهَّلَت عليها بسط هيمنتها السياسية.


تباينت استجابات علماء السوسيولوجيا، فبالنسبة لمن كرَّسوا أنفسهم للتخصص كما هو عليه، أنطوني جِدنز مثلًا، تمثَّلت المهمة في الجَدِّ أكثر لجعل السوسيولوجيا أداة التفسير الرئيسة للمجتمعات الحديثة وبوصلتها. في مكانٍ آخر، ظهر ضربٌ من السوسيولوجيا الما بعد حداثية مستلهِمًا النظرية الفرنسية التي ترتاب من غياب الخبراء السحري عن اكتشافاتهم. أيَّ دورٍ قام به علماء الإحصاء في خلق هذا الشيء المسمى «مجتمعًا» وزعموا في أنفسهم معرفة الكثير عنه؟ أيَّ قوةٍ حازها الأطباء عندما وعدوا بجعل الناس «أصحاء»؟ ماذا كان يفعل العلماء لجعل «الطبيعة» تتحدث بهذا الوضوح في مختبراتهم وأوراقهم البحثية؟


إذا أخذنا بهذا التمرحل، فقد مرَّ الآن أزيد من نصف قرنٍ على ذروة الحداثة السياسية والمشروع السوسيولوجي المصاحب لها. أما زلنا اليوم ما بعد حداثيين؟ أما زلنا نصارع تداعيات 1968؟ قد يبدو الأمر على هذا النحو عندما نواجه أحدث الحروب الثقافية، بيد أنَّنا نعيش أيضًا في ظلال أزمة 2008 المالية وتسارع التدهور المناخي والجائحة. لقد بيَّنَت هذه الأحداث فساد أي تكافؤ اصطلاحي بين «المجتمع» و«الدولة القومية»، فضلًا عن أنَّها غذَّت ضربًا جديدًا من التفكير السوسيولوجي لا يعتمد على مفاهيم الما قبل حديث والحديث والما بعد حديث. بدلًا من ذلك، فإنَّه يستقي التبصرات والكشوف من تخصصٍ لا يُغرِق في التصوير المفهومي للمجتمع الحديث، وأعني هنا تخصص التاريخ.


يؤدي التاريخ والمؤرخون اليوم الدورَ الذي طمحت إليه السوسيولوجيا وعلماؤها، أعني دور سرد صراعات الحاضر ووضعها في سياقها. ركَّزَت حركات مناهضة العنصرية في العقد الأخير، آخرها حركة “Black Live Matter”، على إذكاء الوعي بالتاريخ الاستعماري، بما فيه أهمية العبودية والإمبراطورية والاستعمار الاستيطاني في تطور الرأسمالية الأوروبية. بفضل هذا، لم يَعُد من المستغرب عند مشاهدتك نشرات الأخبار أن تسمع مناقشاتٍ عن أصول ممتلكات مؤسسة التراث القومي أو جرائم سيسِل رودس. إليكَ مثالًا آخر، أسفر الاجتياح الروسي لأوكرانيا عن فتح النقاش مجددًا عن انهيار الاتحاد السوفييتي والخيارات السياسية الكارثية في عقد التسعينيات، أي «العلاج بالصدمة» الرامي إلى خصخصة الاقتصاد الروسي وتحريره على وجه السرعة طبقًا لمبادئ التفكير الاقتصادي الأمريكي، ما أسفر عن انهيارٍ اقتصادي وتراجعٍ في متوسط العمر المتوقع إلى مستويات لم تشهدها أي دولةٍ قومية صناعية. في نهاية المطاف، انحصرت الجهات المستفيدة في فلاديمير بوتين الذي صعد إلى السلطة على أكتاف قوميةٍ حانقة، والأولِجارشيا التي حازت الأصول المخصخصة.


عندما تريد وسائل الإعلام مناقشة ما إذا كان دونالد ترَمب فاشيًا، أو إذا كان البريكزت مشروعًا إمبرياليًا أو كيف تنتهي الأوبئة، سيكون المؤرخون من بين ضيوف برامجها. في العالم الناطق بالإنجليزية، لم يأتِ التحليل السوسيولوجي الأشمل للأزمة المالية والوباء وعلاقتهما مع سياسات المناخ من مفكرٍ سوسيولوجي، بل من مؤرخ يدعى آدم توز. يتفق سافاج وبامبرا وهُلمود على أنَّ السوسيولوجيا قد أغرقَت نفسها في رؤيةٍ حالمة عن الحداثة وبنظرةٍ إلى الوراء تبدو رؤيتها جد ضيقة، فأيَّ شيءٍ ستقدر السوسيولوجيا على فعله حال وقفت وقفةً صادقة مع ماضيها؟

***


على صعيدٍ آخر، إنَّ الأزمة المالية العالمية التي أثارت حماس اليسار في البداية، لاحتمالية تسببها بصدعٍ في النظام الرأسمالي، سرعان ما تحولت إلى انقلابٍ بقيادة رأس المال المالي عزّز من سلطته الاجتماعية والسياسية. في السنوات التالية، سعت المؤسسات المالية إلى تعزيز سلطتها على الضعفاء وصار من الصعب تجاهل عدم المساواة الثقافية والوطنية والعرقية. إذْ يَصعُبُ الحفاظ على رؤيةٍ عن عدم اليقين الحداثي، أو الدينامية الرأسمالية، في اقتصادٍ يبدو «منحازًا» على حد تعبير جيرمي كوربن، وغيره من شعبويي اليسار. كان أنجح من عالج هذا السخط الباحث الاقتصادي توماس بيكتي الذي استخدم في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» بياناتٍ ضريبية ومصادرَ أرشيفية أخرى ليثبت أنّ تزايد عدم المساواة كان اتجاهًا رئيسًا في المجتمع الرأسمالي لما لا يقل عن 200 سنة. ومرد هذا الاتجاه، ببساطة، أنَّ الثروة تنمو بمعدلٍ أسرع من نمو الدخل: تزداد ثروات أصحاب الأصول بأسرع من زيادة ثروة بائعي قوة العمل، ما يتسبب بحلقةٍ مفرغة تفضي حتمًا إلى اقتصادٍ ريعي.


يُرجِعُ سافاج تاريخ ظهور «برادايم عدمِ مساواةٍ» جديد إلى عام 2011 عندما حدَّد جوزيف شتيجلتز، ومن بعده بيكتي وزميله إيمانويل سايز، مصدر مشاكل أمريكا الاقتصادية والاجتماعية في الـ«1%». بعد هذا التاريخ، انطلقت دراسات النخب المالية وسطوة الريع وعدم المساواة العالمية وإدارة الثروة. وفي حين قضى علماء السوسيولوجيا معظم القرن العشرين في محاولة فهم الفقر وانتقال المرء من موقع طبقي إلى آخر، ذهب بيكتي إلى التركيز على مجموعة صغيرة من فاحشي الثراء، وطرح سؤالًا إمبريقيًا سهلًا ممتنعًا: من أين حصل هؤلاء على أموالهم؟ وإذ اتضح أنَّ معظمها «غير مُكتسَب بالعمل» (بل موروث أو مصدره الريوع العقارية)، تقوَّض التصور الحداثي عن الرأسمالية بأنَّها حرَّرتنا من الماضي. يوجد سببان لهذا الأمر على الأقل. أولهما، ترغمنا حقيقة أنَّ «الثروة تأتي بمزيدٍ من الثروة» على النظر إلى الماضي بحثًا عن مصدرها، في سلسلةٍ طويلة من التعاقب بين الماضي والحاضر. من هذا المنظور، لم تَعُد الثروة الحديثة مفصولةً عن القديمة، بكل ما قد يحمله مصدرها من عنف واستعمارٍ ونهب. برأي سافاج، توجد صلة وصلٍ بين ظهور «برادايم عدم المساواة» (بتركيزه المنصب على الثروة بدلًا من الدخل) وحركاتٍ من قبيل «Black Lives Matter» و«Rhodes Must Fall» الساعية إلى معالجة الإرث الاقتصادي للمظالم التاريخية. يمثِّل التركيز على الأولجارشيا الروسية منذ اجتياح أوكرانيا تجليًا آخرًا لبرادايم عدم المساواة، من حيث تشديده على العلاقة بين المظالم الحالية (دع عنك الكوارث الإنسانية) والألاعيب الاقتصادية والسياسية لعقد التسعينيات. في الوقت نفسه، تمثِّل عودة المواريث العائلية وإعادة اكتشافها كناقلٍ لعدم المساواة تحديًا أمام الليبرالية المزعومة ودينامية الرأسمالية –لعل الأمر لم يرتقِ إلى قطيعةٍ مع المجتمعات التقليدية حسبما افترض علماء السوسيولوجيا. إذ يتكفل التوريث بحماية تفاوتات الماضي من التدخلات السياسية. وعلى حد تعبير سافاج، يمثِّل التوريث عمليةً ينزع فيها «مَن أصابَ نجاحًا في ميدانٍ معين إلى تحويل مكسبه إلى شكلٍ ‹ملموس› يمكن تخزينه وتوريثه وبيعه ونقله». لا يُعرِب تأثير الثروة الموروثة عن تهافتَ مبدأ الجدارة وحده، بل تهافت نموذج الحياة الحديثة برمته.


أما ثانيهما، فيتجسَّد في أنَّ تتبع بيكتي لما حصل عليه الـ«1%» من حصة اقتصادية يكشف عن اتجاهٍ تاريخي مُقلق: في بلدانٍ مثل بريطانيا والولايات المتحدة، تعود عدم المساواة بسرعة إلى مستوياتها إبان الحرب العالمية الأولى. يأخذ سافاج الشكل البياني الوارد عند بيكتي لأعلى حصص الدخل في الولايات على مدار القرن العشرين، ويعيد إنتاجه على صورة منحنى «على شكل حرف U». لقد انخفضت مستويات عدم المساواة (في الدخل والثروة على السواء) في أغلب الاقتصادات الغربية بين عامَي 1914 و1945، وبعدها استقرت نسبيًا طوال 30 عامًا، ثم بدأت تزداد مجددًا في أواخر سبعينيات القرن المنصرم. توجد عدة أسباب لهذا الأمر تتمثّل بالتحديد في الحروب والتقلب في المعدلات الضريبية الحدية العليا، غير أن ما أراد سافاج الإشارة إليه في المقام الأول هو مدى ما يغيّره هذا المنحنى من إحساسنا بالتقدم والحداثة. أيَّ شيءٍ نفهمه من حقيقة أنَّنا نشهد، في بعض النواحي، بعث اقتصادٍ إدواردي؟


أُسِّسَت سوسيولوجيا ما بعد الحرب في زمنٍ كانت خلاله المجتمعات لا تزال قادرة على طمأنة نفسها بأنَّها في رحلة من القديم إلى الجديد. يقول سافاج: «يتمثل التحدي الكبير لعمل بيكتي في أنَّه يدفعنا إلى النظر فيما إذا كان القرن الحادي والعشرون يرتد اليوم عن هذه الرؤية للحداثة، وأنّنا مع تزايد ثقل الماضي نشهد بدلًا منها سيرورة تقهقرٍ». لئن تبيَّن أنَّ القرن العشرين –لا سيما فترة الـ30 عامًا من المساواة النسبية عقب الحرب الثانية– لم يكن سوى ظاهرة شاذة، فإنَّ هذا من شأنه زعزعة كثيرٍ مما تراه السوسيولوجيا مسلَّمًا به في الحداثة. يحاول بيكتي اليوم إحياء مشروعٍ سياسي مساواتي، يُرجِعُه إلى حقبة التنوير لكنَّه توقف منذ الثمانينيات. وفي كتابه «موجز تاريخ المساواة»، يطرحُ برنامجَ إصلاحاتٍ ديمقراطية اشتراكية –تطال الضرائب والتملّك وحوكمة الشركات واللوائح التنظيمية الدولية وغيرها الكثير–، من شأنه قلب الاتجاهات الأخيرة، غير أنَّ بيكتي حتى في أكثر حالاته تفاؤلًا مجبرٌ على الاعتراف بأنَّ تركّزات الثروة (إنْ لم يكن الدخل) يُشَقُّ تحديها لما تمتاز به من مرونة في وجه الجهود السياسية الرامية إلى مواجهتها.


في ضوء برادايم عدم المساواة الجديد، يرى سافاج أنَّ على علماء السوسيولوجيا إعادة التفكير في معظم افتراضاتهم عن طبيعة الزمان والمكان. إذْ إنَّ فهمًا أدق لعدم المساواة في الثروة يدفعنا إلى التفكير في الوقت من منظور «الديمومة»، بدلًا من منظور التسلسل الزمني الحداثي، حيث يُقتلع الأفراد والمجتمعات من تقاليدهم باستمرار ويُلقى بهم في المجهول. لا يقتصر التوريث على توريث الثروة من جيلٍ لآخر، بل تورَّث التكاليف والمخاطر أيضًا. يُلقي الظلم التاريخي لعدم المساواة المستمرة بظلاله المادية على الحاضر، لهذا يمكننا رؤية الأزمات المعاصرة –أزمة المناخ والوباء– على أنَّها تركة أسلافنا، لا انفجاراتٍ مفاجِئة أو غير متوقعة. فالتاريخ ليس «عاصفةً»، على حد تعبير فالتر بنيامين، إنما سيرورةٌ متواصلة من الزرع والحصاد. تحاول الديمقراطية الليبرالية الحفاظ على التفويض العام في ظل هذه الظروف، لأنَّ الانتخابات تُخاض بوصفها مجرد محطات على طريق مدة تاريخية طويلة، لا نقاطَ تحولٍ محتملة.


طوال العقد المنصرم، أعملَ معولُ برادايم عدم المساواة هدمًا في مكانة الدولة القومية بصفتها النواة التقليدية للاقتصاد والمجتمع. وكلما ظهرت معلومات جديدة عن سطوة الأولِجارشيات وأصحاب المداخيل الريعية، زادت وضوحًا أهميةُ الثروة خارج الحدود والدولة-المدينة المركنتالية وشبكات النخبة الدولية. فالدولة القومية لم تتبخر على يد العولمة، كما أخبرونا مرارًا وتكرارًا في التسعينيات، بل بالأحرى صارت مُعشَّقة في تدفقات رأس المال العابرة للحدود وشبكات سلطة النخبة. بات من الأجدى اليوم أن نفكر في جيوبوليتيك الثروة من منظور هيمنة المتروبول على الأطراف –أو بصريح العبارة، من منظور الإمبريالية–، بدلًا من منظور الدول القومية أو العولمة. في دراسته لعدم المساواة على الصعيد الدولي، ألقى برانكو ميلانوفيتش ضوءًا جديدًا على الأعداد الغفيرة لشعوب دولٍ تبلغ من الضخامة والتنوع ما يؤهلها لتكون إمبراطوريات: الصين وروسيا والهند والولايات المتحدة. في الوقت نفسه، فقدَ المتروبول بريقه الحداثي عندما صار ساحةً لاعتصار الريع وتقوقع فاحشي الثراء. يصف سافاج هذه المدن بأنَّها «مدن مبرمجة ومنظمة ومجزية، لكنَّها أيضًا خاضعة لمراقبة أمنية مشدّدة وضوابط صارمة».


أحد الاختلافات التقليدية بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية أنَّ الأخيرة تنظُر فيما صنعه الناس (روايات ووثائق ورسائل وكراريس سياسية)، في حين تُنتِجُ الأولى حقائقَ إمبريقية جديدة عن الناس باستخدامها المناهج البحثية الكمية والنوعية. لكنَّ عمل بيكتي، حسبما يلاحظ سافاج، يجسُر هذا الانقسام، لا لمجرد أنَّه يدمجُ في تحليله الاقتصادي كتابات جاين أوستن وأونورويه دو بلزاك. فمن خلال لجوئه إلى الأرشيفات بحثًا عن المواد، عوضًا عن اللجوء إلى الاستبيانات أو المقاييس التقليدية لعدم المساواة من قبيل معامل جيني، يعرض بيكتي مشكلة عدم المساواة بطريقة جديدة، مستخدمًا أشكالًا جديدة من السرد والتفسير التاريخي تتجاوز حدود التخصص العلمي أو الإطار النظري الواحد.


الجدير بالذكر أنَّ جميع تقنيات إنتاج المعرفة التي غيَّرت العالم في القرن الحادي والعشرين تتشارك سمة طمس الحدود بين العلوم الاجتماعية والإنسانية. يتشابه علم «البيانات الضخمة»، المولود بفضل قدرة المنصات الرقمية على المراقبة، مع برادايم عدم المساواة، ويتضمن، شأنه شأن استخدام بيكتي للسجلات الضريبية، تحليلَ بياناتٍ تُضاف باستمرار مع مرور الزمن، بدلًا من إنتاجها بواسطة علماء العلوم الاجتماعية. لكنَ أحد أشد المظالم في مجتمعٍ يستند إلى البيانات أنَّ تفاوتات الماضي تُسقط على المستقبل: يوجد على سبيل المثال دليل واضح على أنَّ الخوارزميات تُعيد إنتاج التحيزات العرقية. من جهة أخرى، فإنَّ ما تراكم لدينا منذ مطلع القرن الحالي من أرشيف رقمي هائل، يمكِّننا من استخدام الماضي أداةً للتحشيد السياسي والنقد. تمارس الصور المرقمنة والميمز والرسوم البيانية الآسرة دورًا سياسيًا وثقافيًا في تنسيق الحركات الاجتماعية وتسهيل التعبير الجماعي. صار الأرشيف التاريخي في كل مكان. على أي حال، لقد شدَّت الثورة الرقمية أغلال الماضي ولم تحررنا منه، في تباينٍ صارخ مع رؤية الحداثة إلى الابتكار التكنولوجي.

***


يساعدنا برادايم عدم المساواة، بتوسيعه المفاجئ لنطاق البحث جغرافيًا وتاريخيًا، في إدراك مدى قُصر المشروع الأوروبي والأمريكي لما بعد الحرب ومحليته. كان المقصد أن تخفف الدولة القومية من المشكلات الاجتماعية وتفرض النظام على الاقتصاد الدولي، وبدت هذه الدولة أكثر الأشكال الجيوسياسية تقدمًا. لكن من الأجدى اليوم، حسبما يكتب سافاج، «النظر إلى الدولة القومية على أنَّها رد فعل عَرَضي على انهيار الإمبراطوريات في الحروب الشاملة أوائل القرن العشرين. وعوضًا عن إقامتها نمط حكمٍ مكين، الأرجح أنَّها مجرد مرحلة قصيرة الأمد قبل عودة المشروع الإمبراطوري إلى سابق عهده». مع ذلك، لا يمكن طرح تفسيرٍ جامعٍ مانع للتثبيت "fixation" السوسيولوجي على الدولة القومية، وإهمال الإمبراطورية، عن طريق الإحالة على الظروف التاريخية في منتصف القرن العشرين. فقد تزامنت ولادة السوسيولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر، حسبما تشدِّد بامبرا وهُلمود، مع بلوغ الإمبريالية الأوروبية ذروتها، وحسبنا أدلة الثلاثمئة سنة الماضية لإثبات اقتران الحداثة الأوروبية بالاقتصاد الاستعماري النهبوي الوحشي، بيد أنَّ أمثال ماركس ودوركهايم وفيبر لم يُعطوا أي أهمية مركزية لدور الاستعمار في نشأة العالم الحديث.


تتبعت بامبرا وهُلمود آثار ضيق الأفق هذا إلى نشأة الفكر السياسي الليبرالي في القرن التاسع عشر وولادة الدولة القومية الحديثة عقب معاهدة وستفاليا في 1648. وتبيَّن أنَّ المقدمات الضرورية لليبرالية –وجود دولة ذات سيادة بحدودٍ جغرافية واضحة واقتصاد تجاري مستقل– تمثِّل أوهامًا مريحة تحجب الواقع الاستعماري. هكذا، سلَّم التصور الوستفالي عن الدولة بأنَّ السلطة السيادية كانت محصورة وفق ترتيبٍ معين داخل الأراضي الوطنية –لاحقًا سيُعرِّف فيبر الدولة بأنَّها «احتكار الاستخدام المشروع للعنف» داخل حدودها. من ناحية أخرى، حمل هذا التصور رؤيةً تفاؤلية إزاء التجارة جعلته يبدو بوابةً إلى مجتمعٍ سلمي وعقلاني مزدهر، وخروجًا عن حقبات الماضي العنيفة والفوضوية. لكن حقيقة ما حدث أنَّ تحالفًا قد عُقِد بين سلطة الدولة وسلطة الرأسمالية في صورة شركات مرخصة (شركة الهند الشرقية، وشركة فيرجينيا، وشركة رويال أفريكان، وسواها) تهدف إلى نهب الشعوب المستعمَرة. لم تنسخ التجارة، كما خال الليبراليون من أمثال هوبز، الممارسات الاقتصادية الهمجية والمميتة، بل نمت معها. إن التذكير بأنَّ الاستعمار كان في كثير من الأحيان شأناً تجاريًا بحتًا، توجِّهه المؤسسات «الاقتصادية»، يقوي حجة سافاج القائلة إنَّ الشكل الجغرافي النموذجي للرأسمالية ليس الدولة القومية، بل الإمبراطورية.


تبنى ليبراليو القرن القرنين السابع عشر والثامن عشر منظورًا إلى التاريخ أفسدَ الفهم العام للحداثة مذّاك. فقد افترضوا أنَّ المجتمعات تتقدم عبر «مراحل» خاتمتها مرحلة الرأسمالية الليبرالية –أو على أقل تقدير مرحلتها الأكثر تقدمًا. يعني هذا أنَّ أوروبا والمستوطنات الاستعمارية في أمريكا الشمالية قد قطعت في مسيرة التاريخ شوطًا أبعد. لا تلوموا أوروبا على الدمار، بل لوموا التاريخ. بيَّنَت بامبرا وهُلمود أن ماركس نفسه لم يسلم من هذه الرؤية «المراحلية». فمع أنَّه كان ناقدًا شرسًا للاستعمار والعبودية، لم ترتقِ أهمية الاستعمار التاريخية عنده إلى أهمية الاستغلال الرأسمالي للعمل «الحر» في مانشستر. مع العلم أنَّ ماركس الشاب، الأكثر رومانسية، كان قد أبدى فضولًا أكبر لمعرفة طرائق تجريد العمال من الملكية (تشمل السرقة والعنف والعبودية)، لكنه في سعيه لتقديم نقدٍ علمي للرأسمالية حصر تركيزه في ميدان الإنتاج الصناعي. وفي المدينة الصناعية كان التاريخ يُصنَع، وما على البقاع الأخرى إلا اللحاق بالركب. لا جدال في أنَّ الرأسمالية برمتها قد قامت على عدم المساواة والاستغلال، لكنَّ ضربًا وحيدًا من ضروب الصراع يحمل معه إمكانية تاريخية وسياسية حقيقية: الصراع المولود في سوق العمل بين البرجوازية والبروليتاريا. صارت منظومات القهر العرقي والجندري والاستعماري آثارًا من الماضي، وسيتكفل تقدم الرأسمالية بمحوها. بيد أنَّ بيكتي يجعل من هذه المنظومات –وهذا يُحسَب له– محور كتابه «موجز تاريخ المساواة»، مشدِّدًا على أنَّ الاستعمار ظل حاضرًا في تاريخ الرأسمالية الطويل إلى وقتٍ قريب. الحال أنَّ بيكتي يجد في الجلاء البطيء لهذا الاستعمار بعض السلوان، بيد أنَّ ميراثه لا يزال قائمًا؟


من بين الآباء الثلاثة للسوسيولوجيا الحديثة، كان فيبر الأسوأ في رواية بامبرا وهُلمود، ويتساءلان عما إذا كانت وفاته المبكرة في 1920 قد أسدت لسمعته معروفًا (لو عاش إلى 1933 لكان عمره 69)، على ضوءِ ما استخلصاه من دراستهما لأدلةٍ على ميوله القومية، بما فيها ملاحظاته بصدد حق الأمة الألمانية الجديدة بحصة استعمارية تماثل حصة فرنسا وبريطانيا، وحقها بمزيدٍ من الأراضي في أوروبا الشرقية. تمثَّل قصر نظر فيبر، ولاحقًا قصر نظر السيولوجيا السياسية، في أنَّ منطقه انحصر في الدولة القومية الوستفالية في زمنٍ كانت فيه الدول الأوروبية تمارس السلطة العسكرية والاقتصادية خارج حدودها في طول الكوكب وعرضه. ليست المصيبة أنَّ فيبر غفل كليًا عن الإمبريالية (بما فيها إمبريالية الإمبراطورية الألمانية الوجيزة)، بل معاملته إياها على أنَّها أثر جانبي مقبول لسعي الدول الأوروبية وراء مصالحها السياسية والاقتصادية. وبالمثل، أتى بحثه في منشأ الرأسمالية وأصلها محصورًا داخل جدران الثقافة الأوروبية والدين، ليطمس مرة أخرى دور الاستعمار والعبودية. من ناحية أخرى، أشادت بامبرا وهُلمود بتجنب دوركهايم النظرة «المراحلية»، لكنَّه لم يُعلِّق على الإمبريالية الفرنسية التي كانت في أوجها إبان كتابته أشهر أعماله. بالمحصلة، طُبِعَت السوسيولوجيا بهذا الصمت.


مَن عايش المجتمع الأمريكي أدرك صعوبة القفز عن مسائل العرق والعنف. تنتقل بامبرا وهُلمود إلى أعمال توكفيل المكتوبة في أوائل القرن التاسع عشر، ليبحثا عن نظريةٍ عن الرأسمالية العنصرية والاستعمار، وعن شيء من الوعي بخطر التمييز العرقي على الديمقراطية في أمريكا مستقبلًا. كان توكفيل ناقدًا للعبودية، لكنَّه كان في الآن ذاته نصيرًا مخلصًا لما عدَّه نموذجًا سياسيًا مساواتيًا توطد في العالم الجديد. لم يولِ توكفيل اهتمامًا يُذكَر بالاستعمار الفرنسي للجزائر، وهو الذي عاصره، وكان ينتقد ضمنيًا الثورة الهاييتية، على عكس موقفه من إلغاء العبودية سلميًا في بريطانيا. تلخص قلقه الأكبر طوال الوقت في أنَّ الإلغاء وتبعاته سيضرّان بمالكي العبيد وما أسسوه من ديمقراطيات يافعة. في الواقع، كان وليام إدجار دو بويز أول مَن قدَّم تنظيرًا رصينًا لدور العرق والعبودية والاستعمار في تشكيل العالم الحديث، لكن نظرياته لم تكن مما يستهوي أسماع أقرانه في الوسط الأكاديمي في القرن التاسع عشر. تعتقد بامبرا وهُلمود أنَّه لولا العنصرية في الوسط الأكاديمي وما أثاره تحليل دو بويز من انزعاج، لكان القطب الرابع في المعتمد السوسيولوجي، شأنه شأن الأقطاب الثلاثة الأوروبيين البيض. وعلى سبيل المثال، توقِن بامبرا وهُلمود بأنَّ عمله الموسوم «فيلادلفيا نيجرو» أحق بالإشادات التي أُغدِقت على مدرسة شيكاجو لريادتها في تطبيق الإثنوجرافيا الحضرية في عشرينيات القرن العشرين.

***


قد يروع علماء السوسيولوجيا والماركسيون التاريخيون لدى سماع أنَّهم لم يتعلموا ما يكفي من التاريخ: سيحيل أنصار فيبر –لا ريب– على مساهماته القيّمة في دراسة التاريخ الاقتصادي. لكن هذا بالضبط ما توصل إليه سافاج وبامبرا وهُلمود: أنَّ مَن انكبوا على محاولة فهم تاريخ الحداثة كانوا الأقل اهتمامًا بما يوجد خارج حدودها المرسومة. تقول بامبرا وهُلمود: «من مفارقات النظرية الاجتماعية الحديثة، بوصفها مشروعًا تشكَّل تاريخيًا، أنَّها لا تبدي أي تغيير بتغيّر الروايات التأريخية، بل الأحرى أنَّها تتكئ على رؤية شبه ثابتة عن نهضة الغرب المشفوعة بظهور الديمقراطية والصناعة والعلم». هكذا، اتضح أنَّ الادعاء القائل إنَّ المجتمعات الحديثة تقف دومًا على أعتاب تغييرٍ كبير سيحررها من الماضي، ليس سوى آثارٍ من الماضي تشكَّلت في زمانٍ ومكان معينين ولا تزال تعوِّق إحساسنا بالزمن. أتت مساهمة بيكتي الاستثنائية، برأي سافاج، لتفكِّكَ الزمن إلى مجرد تقلبات واتجاهات يمكن إضافة تفسيرات سياسية واقتصادية إليها. هذه «البساطة» النظرية تتيح فرصةً لتجديد دماء المشروع السوسيولوجي.


من منظور بامبرا وزملائها هنا، فإنَّ جزءًا حيويًا من هذه الجهود يتمثَّل في تصفية الحسابات مع ما أسماه سافاج «الحداثة الإمبراطورية»، وهو مفهومٌ تتفوق قوته التفسيرية على المدى الطويل على مفهوم «الدولة القومية ذات السيادة». في إطار هذه الجهود، يجب أيضًا التخفيف من تصنيفات على شاكلة «الخطر» و«عدم اليقين» و«الأزمة»، فهذه تحمل معها رؤية حداثية إلى التاريخ كما لو كان قطارًا خارجًا عن السيطرة بلا منطلقٍ ولا وجهةٍ معلومة. من هذا المنظور، تأتي المصائب خبط عشواء مع إمكانية التوقي منها إلى حدٍ ما، لكنّ حدوثها ليس مضمونًا ولا يمكن استبعاده كليًا. بالنسبة لمَن تتمثّل مهمته في إبقائنا في مأمن من الكوارث المالية والبيئية والوبائية، فهذه قصةٌ تُطرِب. يسأل سافاج، ماذا لو كانت تُحرِّكُنا «سيرورات طويلة المدى يمكن التنبؤ بها، لكن معظمها جرى كبته أو التعامي عنه في البحث النزق عن الجِدَّة؟» في نهاية المطاف، تتكشَّف التطورات من نوعية التدهور المناخي والآثار المالية لشيخوخة السكان وفقَ جدولٍ زمني إلى حدٍ كبير، وربما حتى مع شعورٍ مرعب بحتمية الحدوث وقدريته. بغية القبول بقابلية التنبؤ بالمستقبل على المدى الطويل، يجب على علماء السوسيولوجيا إجادة إطارٍ مفاهيمي آخر يركز على الموروث والتركات والمسؤوليات. فبدلًا من التعامل مع الأزمات المالية مثلًا بعقلية المستثمر وتعديل نماذجنا القائمة بغي