• warda1983m

نبيل خَلَف | مَقامٌ يَقْبِض ورُوليت يَهْجَع



بقلم: وَرْدة بنت عبدالمَسيح

I.

يتحدّثُ عمُّنا ابنُ الكلبيّ، في كتابه الماتع "الأصنام" عن أقداح الإلهين الصَّنمين: هُبَل وذي الخَلَصَة، ويُميّز بين استخدامِ كُلٍّ منهما. فلمّا كانَ الأوّلُ يُضرَب على أقداحه السّبعة، وأشهرها: مُلْصَقٌ وصَريحٌ، لأغراض النّسَب، وعلى أساسِ قُرعة الأسماء هذه، التي تشرَحُ نفسَها بنفسها، يكون مصيرُ المُسمّى المولود. كانَ الثّاني يُضرَبُ على أقداحه الثلاثة: الآمر والنّاهي والمُتربّص، لأغراض الحَرب، وعلى أساس قُرْعَة الأسماء هذه، التي تَشرحُ نفسَها بنفسها، تَقعُ الاستخارة! كان امرؤ القيس أشهر من اقترعَ هذه القُرعة في طِلابه ثأرَ أبيه من بني أسد، فاستقسمَ عنده ثلاث مرّات فخرج "النّاهي" فكسَرَ القِدَاحَ وضربَ بها وجه الصّنم، وقال: "عضَضتَ بأيرِ أبيك! لو كانَ أبوكَ قُتِل، ماعوّقتني". ثمّ غزا بني أَسد وظَفِرَ بهم.


أمسِ انتهينا، من الجاهليّة الجَهلاء –أعزّك الله ــ فلا أنْصابَ ولا أزلامَ ولا قِداح وكِدْتُ أقولُ: لا شِعر، عملاً بما قالَهُ عن نفسِهِ مُخضرَمٌ، وَعِرٌ شعرُه، غَيُورٌ على مفاتِح الكَلِم، الشاعر الكبير لبيد بن ربيعة، الذي أبدلَه اللّهُ بدلاً من "عـفَـتِ الـديـارُ مـحـلُّـهـا فـمُـقـامُـهَــا" بالبقرةِ وآلِ عِمران، فاستحالَ صحابيّاً ضخماً، أَلا رضي اللّه عن شِعره، وعَنْه. لكنّ جُرثومةَ القريضِ نجَت، وصَرَفَ الله ذلك السّلوكَ اللبيدي صرفة حَسنةً. فوجدنا القومَ لم يزهدوا بالصّناعة، فتواترتْ أربابُها، ووصلتْ إلينا شأنها شأن جرثومة الدّين والأحسابِ والنّسبِ، إنْ صَدَق حَبيب بن أَوس!


مَزجٌ من الحظّ والشّعر، وتوليفٌ بينَ الجدّ واللّعب، رقصٌ على رؤوس الأقداح المُحمَّاة، ودوارٌ دِهليزيّ مدوِّخٌ لا تسطيعُ فسْرَهُ، إن كان يسري مع المُتَصوّفة في هُيامهم السّماوي، أم يلهث وراءَ عجَلِ الرّوليت ورغبتِه الأرضيّة الجامحة. كلّ ما سبق من تناقضات وهلاوس وخشوعٍ وهجوع تجتمعُ بينَ يدينا إثْرَ الحديثِ عنِ الشّاعر الغنائي والمسرحي المِصري نبيل خَلَف (بكالوريوس تجاره – قسم محاسبه 1969)، الذي تُوفّي في القاهرة عن 72 عاماً، 16 مايو الفارط، وهذا شيءٌ عنه.


II.

أن يموتَ المُلحّنُ فليس أدلّ، ولا أردّ للجميل من أن يتركَ كرسيّه مع كلّ موالٍ شجي للدلالة على الفقد. (أم كلثوم/ القَصَبْجي) لكن عندما يموت الشّاعر الغنائي كيف يمكنُ يا ترى أن يُدَلّلَ على المكانة الشّاغرة؟ لابُدّ أنَّ عَرَجاً قد يتخطّفُ الصوتَ من خِلافٍ، أو يقدُّه من قُبُلٍ، ولو كانَ هذا الصوت لمغنٍّ رومانسيٍّ أنيق كوائل جسار، الذي ألحّ في التعاون مع الراحل نبيل خلف؛ فشكّلا ثنائيةً لطيفة يُشار إليها على صعيد الأغنية العربية المعاصرة.


إنّ معرفة السامع اليوم لكاتب الأغنية: الشاعر، تبدو عمليّة شاقّة؛ نحن نتحدّث عن أغنية تكرّس الصورة "الكليب" وحضور المُغني هُنا يتعدّى الغناء إلى التمثيل، إلى الكُلّ في الكل، لدرجة أنّه يفترسُ من حوله ويتركنا نتشكّك بمقولة "التعاون الفني" وهل تصحّ هذه الإضافة بين أعضاء الفريق؟ إنْ هي إلا صناعةُ صَنَمٍ/معبودٍ آيدول واحدٍ أوحد! حتى المخرج قد تعرفه، والملحّن، والموزّع، واسم الفتاة التي قد ترافق الفنان لا ريب فيها، (هل تستطيع أن تُحيّد دنيا سمير غانم مثلاً، من أغنية نخبّي ليه المكتوبة لصالح فيلم 365 يوم سعادة؟) وفنيّو الإضاءة والصّوت، كلّهم قد باتوا متصدري المشهد على حساب الإحساس الشّافِّ والوحي الأول للشاعر. ولذلك كيف لكَ أن تهتدي في هذا الزحام إلى اسم الشاعر؟ أن تقرأ الأسماء آخر الأغنية سريعاً مثلاً! ربما. لكن ليس نبيل خلف ممن يراهنون على ذلك، ويحَها خُطّة خسْفٍ فاشلة في زمن السّرعة المُضادة للالتقاط، إنّ أمْثالَ خلف يراهن على طول الأغنية، على الدقائق الثلاث، لا على الثواني الثلاث في آخرها.


إنْ كانَ وحيُ الشعراء القدامى يهبطُ إليهم من السماء، كقرين الأعشى وأبي النجم العجلي، ورؤبة..الخ، فإنّ وحي الشّاعر نبيل خلف يصعدُ من الأرض إلى السّماء، شيطاناً يُموّه على عينٍ لا تأخذُها سِنةٌ، فتجده يقاسمُك بُرهةً عادية على مقعد في صالون حلاقة، أو تلفزيون في مطعم تأكل المسبّحة الساعة الثانية ظُهراً، أو أثناء صعودك السيرفيس في يومٍ قائظ. حذواً بحذو، وتشنيفاً بتشنيف، وإصخاءً بإصخاء. خاصّة إذا كان المغني وائل جسّار، الذي غنّى له يا ما غنّى، وأدنى منه بدرجة على سُلّم التعاون محمد مُنير، وعلي الحجار، ونانسي عجرم، عندما صدحت بكلماته "سلّمولي عليه"!


وبما أنّنا وصلنا بحديثنا، لسيرة الشياطين فلا يمكنُنا أن ننسى أنّ شاعرنا الرّومانسيّ الرّقيق، قد تورّط بقضية اختلاس أو فساد، وأنّ الشياطين لم تركبْه فقط ليقول لنا "مليون مرة أحبك، لمّا شوفك بنسى عاتبك"، أو تلك الأغنية الرغبوية الماتعة "الرّوليت" في فيلم الريس عمر حرب، "وضحكتِ ليه لمّا تهزمت وتسمي خيبتك انتصار؟" بل أيضاً كان للشياطين دورٌ في قضية سيِّئ الذّكر وزير الدخلية المصري الأسبق حبيب العادلي، التي عوقب فيها الموظّف خلف (بكالوريوس تجاره – قسم محاسبه 1969) غيابياً بالسّجن ثلاث سنوات وَردِّ مبلغ قدره 62 مليون جنيه. وفي هذه المرحلة من حياته تمّ التصويب عليه والتشكيك بنتاجه الفنّي إن كانَ أصلياً أم مُختلساً؟ من قبل عدّة صحافيين وجّهوا له هذه التّهمة. هنا ألحَّ الشاعر في المدائح الإلهوــ نبويّة خاصّة في قلبك حِنيّن يا نبي التي يبني فيها الشاعر العارف بعالم الأطفال واستعاراتهم على "يا أبا عُمير ما فعلَ النُّغَير" رواه مُسْلِم. فكأنّه بذلك يضرب النّسَبَ المُلصَق بوجهِ صحافةٍ استقسمت ثلاثاً على الصّريح! أو لعلّهم ينتَهون عمّا هُم بهِ متربّصون.


كذلك الأمر، وبالتوازي مع الشياطين، لم تكن نّفسُ خلف القلقة لتعودَ إلى ربّها مَرْضِيّةً راضية من غير مقدمات أرضية دنيوية فانية، فصاحبُ الموهبة يُساءلُ في الملأ الأعلى، كيفَ وأين أنفق تلك الموهبة؟ فلم تُصعّد في السماء روحُ خلف إلا وفي يدها عودٌ مُطيّبٌ من "رُباعيات في حُبّ الله" التي غناها محمّد منير وعلي الحجار. وإنْ أنْسَ لا أنسى أغنية "أنس" تلك المرثية التي رثى فيها خلف أصغر ضحايا مقتلة استاد بورسعيد التي مزجَ فيها بين اسم ذلك الفتى الصغير واسم سيّدنا أنس حتى لا تكاد تشتبه على إثرها الدموعُ في الخدود، إنما هي بكاءٌ حقّ لا تباكياً. (بالإذن من أبي الطيب).


نعم لقد تغزّل الشاعر خلف، وتمدّح إلهيّاً، وتأطْفَلَ بمعنى كتب للأطفال مسرحيات مثل "كوكب ميكي" "وثورة الشطرنج" التي انتصر فيها للمرأة أيضاً، وتعفّفَ عُذرياً وأفحشَ عُمريّاً، وشرّق وغرّبَ وشَمأل (بالإذن من درويش، وامرئ القيس)، ورثى... فيا للشّاعر من يرثيه! ويا للروليت في هُجوعه الأخير.


III.

في العام 2005 أجرى الكاتب أشرف شهاب ولصالح موقع ديوان العرب، لقاءً صحفيّاً مع الشّاعر خلَف، ودار الحديث عن الرابط بين مسرحيّتي "كوكب ميكى" ومسرحية "آه يا غجر" والتي تبدو قضيّة العولمة مُشتركاً بينهما. هنا يستعير نبيل خلف عن أحد المُخرجين الأمريكيين الذي سُئل عن كونه صنعَ فيلما مُستقبليّاً عن العام 2020 ولماذا لم يصنع فيلماً عن سنة 3000؟ فأجاب: وهل هناك من يستطيع أن يتنبأ بالتطورات العلمية والتكنولوجية بعد ألف سنة؟؟ لقد حاولت بصعوبة أن أتنبأ بما بعد خمسة عشر سنة" أقول لك نفس الرد نحن نعيش فى زمن يشهد تطورات رهيبة فى فترات قصيرة جدا، والتطورات التى حدثت خلال العشرين سنة الماضية لم تحدث على امتداد قرون سابقة، ولهذا التقدم العلمى والتكنولوجى بعض الجوانب السلبية، فعلى سبيل المثال بعض منجزات الهندسة الوراثية، كأن تتم زراعة ضفدع بدون رأس، أو أن تصنع مسببات للأمراض، وأن تدخل فى حروب بيولوجية معينة، أصبح هناك جانب سلبى وأحيانا قاتل لهذا التقدم العلمي، وبالتالي وجب علينا أن نأخذ موقفاً نقديا من هذه المنجزات التقنية.


كاميرا المُتَلَمِّس

مطالع الحفلات، نانسي تصدع بالأمر في جرش 2004، ولو أنّ المتلمس لا يذكر ماذا قيل بالضبط



تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020