• Anas Ad

مَشاهد القيامة (3-3) | من "حقول الذّرة" إلى "أرواح صخرات العسل"

الجزء الأول: من فرانشكتاين في بغداد إلى المشطور في البصرة. الجزء الثاني: من مُدن المِلح إلى عطارد.

أنس الأسعد

-1-


رواية عن المقتلة السّورية، عنِ الشّتات والحرب بأحد وجوهها، عن الواقعِ الملتقَط مباشرةً إلى الوَرق بعيداً عن تمحيصات "اختمار التجربة"* أو انتظار ما ستفضي إليه الأمور، والاطمئنان النفسي قبل الكتابة، كذلك هي رواية "حقول الذّرة" للكاتب السوري سومر شحادة، (الحائزة على جائزة الطّيب صالح 2016) عدا عن أنّ موضوعها بالفعل عن عوالم المثقفين وشؤونهم وإحباطاتِهم وخيباتِهم المتكرّرة من الثورة إلى الحرب، وهذا ما سيمنحها ميزةً تختبرُ عبرها أسئلةَ الكتابة والحرب فعلياً.


يمحورُ شحادة روايتَه على شخصية رئيسية (ملهم) وعلى أصدقائه وبعض من عائلته، وأفكاره والأيديولوجيا التي يعتنق، فهو محاضر جامعي، ومثقّف وناشط سياسي. وجد نفسه بالضدّ من السلطة، وما إنْ جاءت الثورة حتى أصبح بالقلب منها، لتجرفه بعدها حركة الشارع الثائر من الحريّة والنشاط والتظاهر، إلى التطرّف الديني والرايات السود، ثم الخيبة والهزيمة التي لم تكن سياسية وحسب بل مُركّبة بين أفول الأفكار وخسارة الآخر والذات معاً، العقل والقلب، الناس والأهل والحبيبة. "حقول الذرة" رواية في القلب من صراع السوريين، لن تستطيع قراءتها بعيداً عن الموقف السياسي، وقد لا تتفق مواقع القرّاء مع موقع الكاتب، لكن تبقى إشكاليّتُها الأدبية أنّها عملٌ ملتزم بواقعية صارمة سدّت المنافذ على أي حيوية محتملة للخيال، فحتّى أكثر الملتزمين بمدرسة معينة في الكتابة يحاولُون قليلاً أن يتحرّروا من سطوتها. علاوة على ذلك ليس من المتوقع أن نُطري أو ننقد لمجرّد بعض من تقاطعات الرؤيا والإطار، فلا بدّ أن يُساءلَ كلُّ ذلك الاكتفاء بالواقعي. فحيثُ أمّلَنا الكاتب على لسان أحد شخصياته بقطاف الدهشة، "وأنّه من القصور أن تكون مهمّة الرواية التوصيف فالكاميرات كانت موجودة"، لكن في النهاية فرضَ التوصيفُ نفسه نتيجةً حتمية لمَللِ الواقعية... وبالمحصلة لا دهشة!


كما أنّ الرواية اختزلت الواقعَ بواقع المثقفين وحسب، فهي ترصدُ حياة المثقف القَلِقة بناءً على علاقاته الاجتماعية المحدودة، ثم لم نكد نتطلّع على خلفية شخصياتها اجتماعياً (هنا محاولة تقديم نقد واقعي من نفس المدرسة) إلا من حيث فشلها أو خيانتها، إنها خيانة المثقفين وحسب. هذه الفكرة الأثيرة التي تظلّ تؤرّق صانع العمل وتنعكس مراراً على أشخاصه وأبطاله. فـ(ملهم) الذي بدأ ثورته من أجل الحرية، دفنَ كتبه الماركسية، نسي رفيقه (موفق) في أقبية المخابرات، قُتل أهله باجتياح الإسلامويين "الثوار"، وقع في أسرهم ثم أنقذته بالصدفة قذيفة طائرة حربية من نظام يكرهه ويعارضه بشراسة، ثم توّج خساراته المديدة والمريرة بخسارته لحبيبته (لمى) في مشهد اغتصابه لها الذي تُختتم به الرواية؛ للتدليل على أنّ ما حصل لا خسارة سياسية فحسب، إنما أزمةٌ بمستويات اجتماعية ونفسية مختلفة. لكن هذا لا يعني أنّ شيئاً من وراء تلك الإشكاليات استطاعت الرواية أن تربحه أو تكسبه فنّيّاً لصالحها، وكأن عدوى الخسارة قد أصابتها!


-2-


الواقعية السحرية التي ميّزتْ ومكّنتْ مشروعَ الرّوائي ممدوح عزّأم من بداياته في "معراج الموت"، و"قصر المطر"، المتناصة مع أجواء ماركيز، استحالت واقعاً رتيباً متعرياً من أيّ سحر ممكن، في روايته "أرواح صخرات العسل". حيثُ الأخبار الصّماء التي تساير النمو الفيزيولوجي لأبطال الرواية الثلاثة، مرفوعة (كالعادة) إلى خلفية تاريخية، وحدثٍ سياسيٍّ بعينه. بدايةً من غزو العراق الملمح البسيط لمنطلق طفولة الأبطال الثلاثة (خالد وحامد وعابد، ولا أعرف المغزى من هذا التسجيع)، وصولاً إلى مقصد العمل الروائي ألا وهو تمثيل الحرب في سوريا 2011، الحرب التي تخطّفت الأبطال واحداً إثرَ الآخر. بالمقابل استعان الكاتب على تحقيق أو صقل هذه الكتلة الخبرية الصّماء بتفريعها إلى ما يمكن تسميته (بسخرية) بمُسند أحمد... الشايب، وصحيح نائل الجوف. راويان ثقة أخذ عنهما الراوي العليم المآلات التراجيدية لأبطاله.


بالعودة إلى المقصد الروائي أو هاجس تمثيل الحرب روائياً، فهو إن كان قد أتاح فرصة "واقعية" للروائي السوري الشاب كما في المثال الأول، فإنه لا مبرر له عند صاحب مشروع روائي طويل النّفَس كمشروع عزّام يمتدّ لأكثر من عشرين سنة، بدأه صاحبه في سنوات الرعب الأمني والعصبية المجتمعية الرديفة، عندما حاولتا مراراً النّيل منه وأدركتا أنهما المعني والمقصود. لكنْ تشاء الأقدار أن يكتمل المشروع ويستوي وينضج تماماً عند حدود "نساء الخيال" الصادرة 2010، أي قبل عام واحد من عَودات القصة التي نعرفها جميعاً وكنّا أبطالها وضحاياها كلٌّ حسب مظلوميته ومركزيته الكونية المزعومة. على أيّة حال سحقاً لها من أقدار انتهت فيه "نساء الخيال" إلى هجاء الأيديولوجيا وغسل اليد منها مأخوذة بما كان عليه الحال في عام صدورها. في حين بدت "أرواح صخرات العسل" تُرجّع أصداءً أيديولوجية على استحياء وحذر ومُدافَعة حتى نَحُلَت إلى سويّة العِظة.


أمّا الشكل فهو أكثر ما يصدم بالرواية حقّاً من حيث عدم التناسق بين مقاطع الرواية الـ12، إذ يقطعُ القارئ شوطاً مديداً من مجمل صفحات الرواية الـ222 حتى ينهي المقطع الأوّل في 70 صفحة، وينهي المقطع الثّاني بصفحة واحدة! وهكذا حتى تمرّ المقاطع بلا محدّدات معينة لتنتهي بالمقطع الأخير الذي يعادل المقطع الأوّل حجماً. بالتأكيد ليس العبرة في التناسق هو مراعاة عدد الصفحات بقدر ما نقصد أنّ تَخلّي الرواية عن محددات الفصل لصالح الترقيم المقطعي جاء على هيئة فواصل كلامية لحقيقة أنّ الرواية تنسدل بتراتبية إخبارية من الأول إلى الآخر، وهنا كان يمكن الاكتفاء بالترقيم العادي أسفل الصفحات فهو يفي بالغرض.


أخيراً، إنّ مأساة المآسي في الرواية هم الأبطال أنفسهم، فصحيح أنّ الكاتبَ قد عرض علينا سيرة حياتية معنيّة بمن طحنتهم الحرب من أشخاص عاديين بعيداً عن المعجزات الضميرية القلقة التي نلحظها عندما يكون الأبطال مثقفين أو ما شابه، من ذوي الظّل الثقيل كشخصيات "حقول الذرة"**. لكنّ المشكلة هي أننا نعرف بأنّ الفاجعة واقعة لا محالة منذ الصفحات الأولى، وأنه في رواية الحرب النتيجة محسومة لصالح الموت، ومن وجهة نظر واقعية هذا شيءٌ منطقيّ وكلّنا قد احتكمنا له، ما عدا الرّاوي الذي آثر التعميق في ماضي أبطاله العذب على طول الرواية وعرضها منقاداً في ذلك بخلاصات رومانسية لا واقعية كعادة كلّ ماض.

كَامِيرَاْ المُتَلَمِّس


* لاشكّ بأنّ الانقسام حول الكتابة ومواقيتها في ظرف كما الحرب السورية، من أكثر الانقسامات التي تناولها العديد من الروائيين والنقاد على حدّ سواء، ففي حين يذهب ممدوح عزّام، للتعبير عن عجزه في تمثيل الواقع روائياً، وأنه لا يمكن للكتابة أن تقدم شيئاً لواقع تصوغه الدماء يقول: "الحرب أرغمتني على الصمت"، (حريّة الرواية في زمن الحرب)، أو أنّ الرواية تحتاج لوقت آخر يعقب صمتَ المَدافع، (الرواية في زمن الخراب). بالمقابل يذهب الناقد والروائي نبيل سليمان إلى عكس هذا الموقف ويعتبر الكتابة واجبة وغير ذلك "هروبٌ من المسؤولية"، (الرّواية السورية في مرآة الحرب: وثائق قيد التخييل). **طبعاً ما من فرق عميق بين الرأيين طالما النتائج مُبهرة حدّ السذاجة في استلهامها للنماذج المجتمعية.


تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020