top of page

مُدَاخَلة| البُرجوَازيّة الصَغِيرة الجَديدَة

نيكوس بولانتزَس

تر: علاء بريك هنيدي


تستند هذه المادة إلى مداخلةٍ قدَّمَها بولانتزَس في مؤتمر نظمته مجموعة علم الاجتماع في الحزب الشيوعي البريطاني في عام 1976، وقد نُشِرَت بالأصل في كتاب الطبقة والبنية الطبقية من تحرير آلان هانت (London Lawrence and Wishart, 1977) بعد تعديلات طفيفة لتحويل هذه المداخلة من صيغة الكلام المنطوق إلى شكلها الحالي المطبوع.

لقراءة المادة باللغة الأصلية: اضغط هنا

=================================================


أودُّ التركيز على مسألة «البرجوازية الصغيرة الجديدة»[1]، والتي كتبت عنها مسبقًا في كتابي الطبقات في الرأسمالية المعاصرة. كما أودُّ الرد على بعض الانتقادات الموجهة لموقفي في هذا المؤتمر وأماكن أخرى.


إنَّ المشكلة التي يطرحها نقاش البرجوازية الصغيرة الجديدة هي مشكلة تعيين حدود الطبقة العاملة. ليست هذه المشكلة مجرد مشكلةٍ نظرية؛ بل تنطوي على مسائل سياسية ذات أهمية عامة كبرى تتصل بدور الطبقة العاملة ودور التحالفات عند الانتقال إلى الاشتراكية. يجب عليَّ بدايةً إيضاح أيُّ البدائل السياسية أمامنا. ففي حال عُرِّفَت الطبقة العاملة بأنَّها طبقة تضم كل مَن يبيع قوة عمله، عندئذٍ علينا أنْ نعي تداعيات مثل هذا التعريف. ولأختصر، أريد التشديد على ضرورة النظر إلى هذا التعريف في سياق تاريخه ضمن حركة الطبقة العاملة. فقد ظهر أول مرةٍ عند الاشتراكية الديمقراطية الكلاسيكية، وظلَّت تعتمده تعريفًا رئيسًا للطبقة العاملة. ولنا أنْ نُقَلِّب هذه المشكلة قدر ما نرغب، لكن يبقى واقع الأمر أنَّ: الموقف الديمقراطي الاجتماعي قد عرَّفَ الطبقة العاملة كطبقةٍ تتكوّن من كسبة الأجور، بعبارةٍ أخرى إنَّه تصوّرٌ عن «طبقة كسبة الأجور». ويمكن إرجاع هذا التعريف إلى برنشتاين وكاوتسكي. ويسوَّغُ هذا التعريف على النحو التالي: كانت الطبقة العاملة التي كتب عنها ماركس طبقة «البروليتاريا الصناعية»، بيد أنَّه من الضروري أن نأخذ في الحسبان ما وقعَ مذّاك من تحولاتٍ اقتصادية واجتماعية فعلية؛ ليغدو من الضروري على ضوء هذه التغيّرات، كما تمضي الحجة، الاعتراف بأنَّ حدود الطبقة العاملة قد تغيّرت أيضًا. هكذا، في كلِّ مرةٍ يسعى فيها الاشتراكيون الديمقراطيون إلى استخدام الماركسية، و«مراجعتها» في الآن ذاته، يتذرعون على الدوام بالتغيُّرات الحاصلة في الرأسمالية لتسويغ موقفهم. وعلى هذا النحو زعم كاوتسكي إنَّه بفعل ما مرت به الرأسمالية من تغيّرات؛ لم تعد الطبقة العاملة تلك الطبقة الضيقة التي كتب عنها ماركس، بل أضحت تتألف اليوم من كامل «طبقة كسبة الأجور». يُفضِي هذا التعريف إلى اختزال الانقسامات الطبقية في المجتمع إلى انفسامٍ بين الأغنياء والفقراء. فتُمسي السمات الطبقية للطبقة العاملة مجرد سمات مواطنين فقراء اقتصاديًا لا أكثر ولا أقل؛ تغدو المسألة الطبقية محض مسألة عدم مساواة.


يتعلق الجانب الرئيس من المشكلة التي أود لفت الانتباه إليها بمشكلة التحالفات وهيمنة الطبقة العاملة عند الانتقال إلى الاشتراكية. إنَّها المشكلة الرئيسة، مثلما أوضَح آلان هانت –وأنا أتفق معه. فالمشكلة الرئيسة هي أيّ شكلٍ من أشكال الهيمنة ينبغي على الطبقة العاملة بلوغه لإنجاز الانتقال إلى الاشتراكية؟ بيد أنَّنا بحاجة إلى بحث سؤال ماذا سيترتب على الطبقة العاملة من عواقب حال تبني التعريف «الواسع»؟ إذْ لتبني التعريف الواسع أنْ يمحو مشكلة التحالفات؛ فلا يعود لهذه المشكلة أي وجود؛ فكل فرد قد تحوَّل إلى عامل. هكذا، يغدو السكان جميعًا، باستثناء قلة قليلة، كسبةَ أجورٍ. فلا يتعيّن على الطبقة العاملة بعدها، بالتبعية، تولي زمام القيادة الرئيسية لباقي الطبقات، لأنَّ الأخيرة قد انضوت تحت جناح الطبقة العاملة. وفي هذا الجانب بالذات نقع على الاختلاف الفارق بين النظرية الماركسية عن الحزب –لا نظرية لينين فقط، بل غرامشي أيضًا– وبين طبعة الاشتراكية الديمقراطية القائمة على هذا التصوّر لطبقة كسبة الأجور العريضة.


لننتقل إلى المشكلة الثانية. لكوني لست على دراية تفصيلية بمواقف الحزب الشيوعي البريطاني من هذه المشكلة، فسأركز على مواقف الحزبين الشيوعي الفرنسي والإيطالي منها. لقد قدَّم هذان الحزبان تعريفًا ضيقًا نسبيًا للطبقة العاملة، بمعنى أنَّهما وضعا حدودها حسبما يُعيّنها العمل المُنتِج الحالي أو المباشر. ثمَّة بعض الاختلافات في تفصيلٍ يميِّز بين مواقف هذين الحزبين. إذْ يختلفان حول الموقع الدقيق لحدود الطبقة العاملة؛ على سبيل المثال، يتعلق الاختلاف الرئيس بمسألة التقنيين. فمثلًا، يبدي الحزبان مواقفَ متمايزة نوعًا ما فيما يتعلق بمدى اعتبار التقنيين جزءًا من الطبقة العاملة، غير أنَّها ليست مشكلةً أساسية بالنسبة إليهما، بما إنّ مواقفهما النظرية تستبعد من الطبقة العاملة معظمَ العمال غير المُنتجين من أصحاب المُرتبات.


ثمَّة أيضًا مشكلة أخرى مهمة ترتبط بتعريف الطبقة العاملة الذي اعتمده الحزب الشيوعي الفرنسي. ففي حال جرى استبعاد العمال غير المنتجين من أصحاب الأجور (سأطلق عليهم للتسهيل "عمال بمرتبات") من الطبقة العاملة، فعندئذٍ يكون من الضروري تحديد موقعهم الطبقي. لم يتحدث الشيوعي الفرنسي عنهم كطبقة، بل اعتبرهم "شريحة موّسطة". أزعمُ أنَّ هذا الموقف خاطئ، وأنا أتفق هنا مع آلان هانت، إذْ من الخطأ تخيل أنَّ بالإمكان وجود «شرائح» خارج الطبقات أو البنية الطبقية، لكنها بالرغم من ذلك تُعتبَرُ مشارِكةً في الصراع الطبقي. إنَّ الشرائح ليست سوى تسميةٍ أخرى للتمايزات داخل الطبقات، لا فئات بوسعها الوجود خارج الطبقات. بهذا الصدد، ذهبَ آلان هانت إلى القول بأنَّ هذا القسم أو «الشريحة» يشكّل جزءًا من الطبقة العاملة، بينما زعمتُ أنَّها تنتمي إلى طبقةٍ معينة، أي إلى «البرجوازية الصغيرة الجديدة».


لِم زعمتُ بأنَّ البرجوازية الصغيرة تؤلف طبقةً منفصلة؟ لأنني أريد، على وجه التحديد، التأكيد على التداعيات السياسية لموقفي. إذْ وإنْ لم نتكلم عن طبقةٍ عمال بمرتبات بل عن مجرد شريحة موّسطة، فثمَّة على الدوام خطر بأنَّنا لن نرى بجلاء المشكلة المركزية للاستراتيجيا الثورية، ألا وهي مشكلة هيمنة الطبقة العاملة ضمن التحالف الشعبي عند الانتقال إلى الاشتراكية.


ما الفرق إذا اعتبرنا العمال بمرتبات شريحةً موّسطة أو طبقةً معينة؟ الفرق أنَّ السمة القارّة للشريحة، إذا ما قورنت بالطبقة، تتمثل في كونها لا تمتلك مصالح طبقية محدّدة ومستقلة نسبيًا. معنى هذا أنَّه وإنْ استبعدنا العمال بمرتبات من الطبقة العاملة، فإنَّنا سنعتبرهم مستقطبين تلقائيَا نحو الطبقة العاملة؛ وبالتالي نعاملهم كما لو أنّ ليس لديهم مصالح محدّدة خاصة بهم. غير أنّنا لو نظرنا إليهم كطبقةٍ بعينها، مختلفة ومنفصلة عن الطبقة العاملة، لا بدّ لنا من إيلاء قدرٍ معقول من الاهتمام بمصالحهم الطبقية المحدّدة والمتميزة والاعتراف بها. إذًا، تطرحُ مشكلة هيمنة الطبقة العاملة نفسها على أنَّها بالضبط سؤال كيفية تنظيم الشعب، والتحالف الشعبي. يتألف هذا التحالف من طبقات مختلفة بمصالح طبقية معينة. فإنْ لم يكن الأمر كذلك، ستُختَزلُ المشكلة إلى مشكلة شديدةِ التبسيط.


إنَّ للعمال غير المنتجين من أصحاب المرتبات انتماءً طبقيًا معينًا. وإنْ سلَّمنا بأنَّهم مستقطبين موضوعيًا نحو الطبقة العاملة نتيجة التحولات في الرأسمالية المعاصرة؛ يظل من المهم فهم أنَّ هذا الاستقطاب ليس أبدًا عمليةً تلقائية أو حتمية. ويَصدُقُ هذا بمعنيين، الأول أنَّه من الواجب كسبهم في تحالفٍ مع الطبقة العاملة، والثاني أنَّه وإنْ كَسِبَتهُم تظل إمكانية خسارتهم كحليفٍ قائمة، وبوسعهم الانتقال إلى الطرف الثاني. كان هذا هو الحال مع تشيلي زمن ألليندي ومع البرتغال. فإذا كان بوسع العمال بمرتبات هؤلاء الانتقال من تحالفٍ مع الطبقة العاملة إلى تحالفٍ مع البرجوازية فمرد ذلك بالتحديد أنَّهم ليسوا مستقطبين من تلقاء ذاتهم نحو الطبقة العاملة. والسبب ههنا ليس افتقارهم إلى مصالح طبقية محدّدة، بل أنَّ لهم خصوصية طبقية ملتبسة.


لِنورِد، الآن، ملاحظة أو ملاحظتان نظريتان حول هذا التصور عن الشريحة الموّسطة من أصحاب المرتبات. بدايةً، أليس من الممكن الحديث عن شريحة أصحاب المرتبات كأنها بلا أي انتماءٍ طبقي؟ يومي هذا السؤال إلى واحدة من السمات الخاصة لنظرية ماركس عن الطبقة باعتبارها مختلفةً ومتميزةً عن باقي نظريات الطبقة. فهذه الأيام يتحدث جميع علماء الاجتماع البرجوازيين عن الطبقات، لكن الطبقات عندهم ليست سوى تقسيمة معينة ضمن التراكب الاجتماعي الأعم حيث نعثر لا على طبقاتٍ فقط، بل نخبًا أيضًا (في المجال السياسي) وجماعات المكانة، وخلافه. بطبيعة الحال، تعترف الماركسية بوجود أطرافٍ وفئات معينة من الطبقات، لكنها جميعًا أجزاء من الطبقات. على سبيل المثال، البرجوازية التجارية طرفٌ من أطراف البرجوازية، والأرستقراطية العمالية طرفٌ معين من أطراف الطبقة العاملة نفسها. بيد أنَّنا في الماركسية لا يمكن أن نقرَّ بوجود هذه الشرائح والأطراف والجماعات خارج الطبقات أو منفصلةً عنها. ولا يمكننا القول بأنَّ مع تطور نمط الإنتاج (أي نمط الإنتاج المحض، صاحب الطبقتين البرجوازية والعاملة)، سنقعُ على ميلٍ عند كل الأفراد والفاعلين ضمن التشكيلة الاجتماعية نفسها للتحوّل إلى طرفٍ إما في البرجوازية أو الطبقة العاملة. لا ريب أنَّ موقفًا كهذا موقفٌ خاطئ لكونه يفترض مسبقًا أنَّ نمط الإنتاج مفهومٌ مجرد، بينما التشكيلة الاجتماعية مفهومٌ غير مجرد. بيد أنَّه ما من تمييز أو فصلٍ بين المفاهيم المجردة وغير المجردة. فمفهوم «الكلب» لا ينبح. إذْ كل المفاهيم تجريدات بدرجات متفاوتة. يتمحور التمييز بين مفهومَي «التشكيلة الاجتماعية» و«نمط الإنتاج» حول طبيعة الموضوع. فنمط الإنتاج موضوع شكلي مجرد، بينما التشكيلة الاجتماعية موضوع حقيقي ملموس. لذا فهذا سيفترض مسبقًا أنَّ أنماط الإنتاج توجد وتعيد إنتاج نفسها كما هي، وأنَّ التشكيلات الاجتماعية ليست سوى رقعةٍ جغرافية طوبوغرافية حيث أنماط الإنتاج –بإعادة إنتاجها المجرد– تُجسِّد فيها نفسها. لذا فنمط الإنتاج الخالص، أي نمط الإنتاج الرأسمالي (البرجوازية والطبقة العاملة) الذي يعيد إنتاج نفسه بشكلٍ مجرد، سينتهي بـ«الكشف عن نفسه» كالمسيح منتصرًا في التشكيلة الاجتماعية حيث سنحظى أخيرًا بطبقتين لا ثالث لهما، البرجوازية والبروليتاريا.


الحال أنَّ هذا الموقف خاطئ لأنَّ لينين في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا قد أوضح بأنَّ التمييز بين أنماط الإنتاج والتشكيلات الاجتماعية لا علاقة له مع تفسير ماركس، سواء ماركس «الشاب» أو «الناضج»، أو مع موقف البيان الشيوعي، بل يتعلق بنصوص لينين وطبيعة الإمبريالية. فالمرء لا يسعه فهم الإمبريالية دون التمييز بين أنماط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية. إذْ يتعذَّرُ استنباط الإمبريالية من نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فالإمبريالية نتيجةٌ لازمة عن إعادة إنتاج نمط الإنتاج ووجوده في تشكيلات اجتماعية ملموسة. كذا التطور اللامتكافئ ليس نتيجةً من نتائج التجسيد البسيط لنمط الإنتاج الرأسمالي باعتبار أنَّ له أثرًا في الواقع يتطور من ثم إلى إمبريالية؛ بل إنَّ هذا التطور عنصرٌ مكوّن للإمبريالية نفسها. لهذا السبب لا يمكن قبول التصور المزدوج عن المجتمع.


بعد تقديمي لهذه النقاط النظرية والسياسية، أود مناقشة القضايا الرئيسة التي طرحتها في كتابي الطبقات في الرأسمالية المعاصرة. كانت هذه القضايا: (1) ثمَّة وضع طبقي معين للعمال غير المُنتِجين من أصحاب المرتبات أطلقتُ عليه «البرجوازية الصغيرة الجديدة»؛ و(2) ثمَّة تحولات في إعادة إنتاج الرأسمالية لها علاقة بامتدادات حدود الطبقة العاملة، لكن هذه التحولات لا تغير الأوضاع الطبقية المعينة للبرجوازية الصغيرة الجديدة؛ و(3) أنَّ هذه التحولات تؤثر على البرجوازية الصغيرة الجديدة على نحوٍ تكون فيه مستقطبةً موضوعيًا وباطراد نحو الطبقة العاملة كطبقةٍ معينة، لكن ولكون للبرجوازية الصغيرة الجديدة وضعًا طبقيًا معينًا فإنَّ هذا الاستقطاب الموضوعي لا يطال الطبقة كلها بنفس القدر، إنما يطال أقسامًا معينة منها تشكِّل أغلبيتها العظمى.


نحتاج الآن إلى النظر فيما إذا كان ثمّة حل لهذه المشكلة حال أمكن للمرء الحديث عن «مواقع طبقية متناقضة»؟ أريد هنا تناول أطروحة إيرك أولن رايت في مقالته «الحدود الطبقية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة». هل بوسعنا حل المشكلة النظرية بالقول إنَّ لبعض الفاعلين موقعًا طبقيًا متناقضًا؟ يعني هذا ضمنيًا أنّ بوسع هؤلاء الفاعلين شغلَ مواقع طبقية مختلفة ومتغيرة؛ كما يومي بأنَّ بوسعهم شغل منطقةٍ برزخية بين البرجوازية والطبقة العاملة.


يمكننا مقاربة هذه المشكلة النظرية بالتركيز على طبيعة [عمل –م] الإشراف ضمن عملية الإنتاج الرأسمالية. حين تحدث ماركس عن عمل الإشراف على عملية العمل وتوجيهها، شدَّد على الطبيعة المزدوجة لهذا العمل. في الواقع، لقد استخدم على الدوام التعبير ذاته، قائلًا بأنَّ من جهة أولى ما دام عمل الإشراف ضروريًا لكل عملية عمل كما هي، أو للإنتاج بالعموم، فبهذا المعنى عندئذٍ يكون عمل الإشراف جزءًا من العمل المُنتِج؛ أما من جهة ثانية ما دام الإشراف يتعلق بتحقيق فائض القيمة، لا إنتاجه، فيؤلف عندئذٍ سيطرة سياسيةً على الطبقة العاملة، ولا يكون بذلك عملًا منتجًا. أعتقدُ أنَّ طريقة التفكير هذه ترتبط بما يقوله مار