مُدَاخَلة| البُرجوَازيّة الصَغِيرة الجَديدَة

نيكوس بولانتزَس

تر: علاء بريك هنيدي


تستند هذه المادة إلى مداخلةٍ قدَّمَها بولانتزَس في مؤتمر نظمته مجموعة علم الاجتماع في الحزب الشيوعي البريطاني في عام 1976، وقد نُشِرَت بالأصل في كتاب الطبقة والبنية الطبقية من تحرير آلان هانت (London Lawrence and Wishart, 1977) بعد تعديلات طفيفة لتحويل هذه المداخلة من صيغة الكلام المنطوق إلى شكلها الحالي المطبوع.

لقراءة المادة باللغة الأصلية: اضغط هنا

=================================================


أودُّ التركيز على مسألة «البرجوازية الصغيرة الجديدة»[1]، والتي كتبت عنها مسبقًا في كتابي الطبقات في الرأسمالية المعاصرة. كما أودُّ الرد على بعض الانتقادات الموجهة لموقفي في هذا المؤتمر وأماكن أخرى.


إنَّ المشكلة التي يطرحها نقاش البرجوازية الصغيرة الجديدة هي مشكلة تعيين حدود الطبقة العاملة. ليست هذه المشكلة مجرد مشكلةٍ نظرية؛ بل تنطوي على مسائل سياسية ذات أهمية عامة كبرى تتصل بدور الطبقة العاملة ودور التحالفات عند الانتقال إلى الاشتراكية. يجب عليَّ بدايةً إيضاح أيُّ البدائل السياسية أمامنا. ففي حال عُرِّفَت الطبقة العاملة بأنَّها طبقة تضم كل مَن يبيع قوة عمله، عندئذٍ علينا أنْ نعي تداعيات مثل هذا التعريف. ولأختصر، أريد التشديد على ضرورة النظر إلى هذا التعريف في سياق تاريخه ضمن حركة الطبقة العاملة. فقد ظهر أول مرةٍ عند الاشتراكية الديمقراطية الكلاسيكية، وظلَّت تعتمده تعريفًا رئيسًا للطبقة العاملة. ولنا أنْ نُقَلِّب هذه المشكلة قدر ما نرغب، لكن يبقى واقع الأمر أنَّ: الموقف الديمقراطي الاجتماعي قد عرَّفَ الطبقة العاملة كطبقةٍ تتكوّن من كسبة الأجور، بعبارةٍ أخرى إنَّه تصوّرٌ عن «طبقة كسبة الأجور». ويمكن إرجاع هذا التعريف إلى برنشتاين وكاوتسكي. ويسوَّغُ هذا التعريف على النحو التالي: كانت الطبقة العاملة التي كتب عنها ماركس طبقة «البروليتاريا الصناعية»، بيد أنَّه من الضروري أن نأخذ في الحسبان ما وقعَ مذّاك من تحولاتٍ اقتصادية واجتماعية فعلية؛ ليغدو من الضروري على ضوء هذه التغيّرات، كما تمضي الحجة، الاعتراف بأنَّ حدود الطبقة العاملة قد تغيّرت أيضًا. هكذا، في كلِّ مرةٍ يسعى فيها الاشتراكيون الديمقراطيون إلى استخدام الماركسية، و«مراجعتها» في الآن ذاته، يتذرعون على الدوام بالتغيُّرات الحاصلة في الرأسمالية لتسويغ موقفهم. وعلى هذا النحو زعم كاوتسكي إنَّه بفعل ما مرت به الرأسمالية من تغيّرات؛ لم تعد الطبقة العاملة تلك الطبقة الضيقة التي كتب عنها ماركس، بل أضحت تتألف اليوم من كامل «طبقة كسبة الأجور». يُفضِي هذا التعريف إلى اختزال الانقسامات الطبقية في المجتمع إلى انفسامٍ بين الأغنياء والفقراء. فتُمسي السمات الطبقية للطبقة العاملة مجرد سمات مواطنين فقراء اقتصاديًا لا أكثر ولا أقل؛ تغدو المسألة الطبقية محض مسألة عدم مساواة.


يتعلق الجانب الرئيس من المشكلة التي أود لفت الانتباه إليها بمشكلة التحالفات وهيمنة الطبقة العاملة عند الانتقال إلى الاشتراكية. إنَّها المشكلة الرئيسة، مثلما أوضَح آلان هانت –وأنا أتفق معه. فالمشكلة الرئيسة هي أيّ شكلٍ من أشكال الهيمنة ينبغي على الطبقة العاملة بلوغه لإنجاز الانتقال إلى الاشتراكية؟ بيد أنَّنا بحاجة إلى بحث سؤال ماذا سيترتب على الطبقة العاملة من عواقب حال تبني التعريف «الواسع»؟ إذْ لتبني التعريف الواسع أنْ يمحو مشكلة التحالفات؛ فلا يعود لهذه المشكلة أي وجود؛ فكل فرد قد تحوَّل إلى عامل. هكذا، يغدو السكان جميعًا، باستثناء قلة قليلة، كسبةَ أجورٍ. فلا يتعيّن على الطبقة العاملة بعدها، بالتبعية، تولي زمام القيادة الرئيسية لباقي الطبقات، لأنَّ الأخيرة قد انضوت تحت جناح الطبقة العاملة. وفي هذا الجانب بالذات نقع على الاختلاف الفارق بين النظرية الماركسية عن الحزب –لا نظرية لينين فقط، بل غرامشي أيضًا– وبين طبعة الاشتراكية الديمقراطية القائمة على هذا التصوّر لطبقة كسبة الأجور العريضة.


لننتقل إلى المشكلة الثانية. لكوني لست على دراية تفصيلية بمواقف الحزب الشيوعي البريطاني من هذه المشكلة، فسأركز على مواقف الحزبين الشيوعي الفرنسي والإيطالي منها. لقد قدَّم هذان الحزبان تعريفًا ضيقًا نسبيًا للطبقة العاملة، بمعنى أنَّهما وضعا حدودها حسبما يُعيّنها العمل المُنتِج الحالي أو المباشر. ثمَّة بعض الاختلافات في تفصيلٍ يميِّز بين مواقف هذين الحزبين. إذْ يختلفان حول الموقع الدقيق لحدود الطبقة العاملة؛ على سبيل المثال، يتعلق الاختلاف الرئيس بمسألة التقنيين. فمثلًا، يبدي الحزبان مواقفَ متمايزة نوعًا ما فيما يتعلق بمدى اعتبار التقنيين جزءًا من الطبقة العاملة، غير أنَّها ليست مشكلةً أساسية بالنسبة إليهما، بما إنّ مواقفهما النظرية تستبعد من الطبقة العاملة معظمَ العمال غير المُنتجين من أصحاب المُرتبات.


ثمَّة أيضًا مشكلة أخرى مهمة ترتبط بتعريف الطبقة العاملة الذي اعتمده الحزب الشيوعي الفرنسي. ففي حال جرى استبعاد العمال غير المنتجين من أصحاب الأجور (سأطلق عليهم للتسهيل "عمال بمرتبات") من الطبقة العاملة، فعندئذٍ يكون من الضروري تحديد موقعهم الطبقي. لم يتحدث الشيوعي الفرنسي عنهم كطبقة، بل اعتبرهم "شريحة موّسطة". أزعمُ أنَّ هذا الموقف خاطئ، وأنا أتفق هنا مع آلان هانت، إذْ من الخطأ تخيل أنَّ بالإمكان وجود «شرائح» خارج الطبقات أو البنية الطبقية، لكنها بالرغم من ذلك تُعتبَرُ مشارِكةً في الصراع الطبقي. إنَّ الشرائح ليست سوى تسميةٍ أخرى للتمايزات داخل الطبقات، لا فئات بوسعها الوجود خارج الطبقات. بهذا الصدد، ذهبَ آلان هانت إلى القول بأنَّ هذا القسم أو «الشريحة» يشكّل جزءًا من الطبقة العاملة، بينما زعمتُ أنَّها تنتمي إلى طبقةٍ معينة، أي إلى «البرجوازية الصغيرة الجديدة».


لِم زعمتُ بأنَّ البرجوازية الصغيرة تؤلف طبقةً منفصلة؟ لأنني أريد، على وجه التحديد، التأكيد على التداعيات السياسية لموقفي. إذْ وإنْ لم نتكلم عن طبقةٍ عمال بمرتبات بل عن مجرد شريحة موّسطة، فثمَّة على الدوام خطر بأنَّنا لن نرى بجلاء المشكلة المركزية للاستراتيجيا الثورية، ألا وهي مشكلة هيمنة الطبقة العاملة ضمن التحالف الشعبي عند الانتقال إلى الاشتراكية.


ما الفرق إذا اعتبرنا العمال بمرتبات شريحةً موّسطة أو طبقةً معينة؟ الفرق أنَّ السمة القارّة للشريحة، إذا ما قورنت بالطبقة، تتمثل في كونها لا تمتلك مصالح طبقية محدّدة ومستقلة نسبيًا. معنى هذا أنَّه وإنْ استبعدنا العمال بمرتبات من الطبقة العاملة، فإنَّنا سنعتبرهم مستقطبين تلقائيَا نحو الطبقة العاملة؛ وبالتالي نعاملهم كما لو أنّ ليس لديهم مصالح محدّدة خاصة بهم. غير أنّنا لو نظرنا إليهم كطبقةٍ بعينها، مختلفة ومنفصلة عن الطبقة العاملة، لا بدّ لنا من إيلاء قدرٍ معقول من الاهتمام بمصالحهم الطبقية المحدّدة والمتميزة والاعتراف بها. إذًا، تطرحُ مشكلة هيمنة الطبقة العاملة نفسها على أنَّها بالضبط سؤال كيفية تنظيم الشعب، والتحالف الشعبي. يتألف هذا التحالف من طبقات مختلفة بمصالح طبقية معينة. فإنْ لم يكن الأمر كذلك، ستُختَزلُ المشكلة إلى مشكلة شديدةِ التبسيط.


إنَّ للعمال غير المنتجين من أصحاب المرتبات انتماءً طبقيًا معينًا. وإنْ سلَّمنا بأنَّهم مستقطبين موضوعيًا نحو الطبقة العاملة نتيجة التحولات في الرأسمالية المعاصرة؛ يظل من المهم فهم أنَّ هذا الاستقطاب ليس أبدًا عمليةً تلقائية أو حتمية. ويَصدُقُ هذا بمعنيين، الأول أنَّه من الواجب كسبهم في تحالفٍ مع الطبقة العاملة، والثاني أنَّه وإنْ كَسِبَتهُم تظل إمكانية خسارتهم كحليفٍ قائمة، وبوسعهم الانتقال إلى الطرف الثاني. كان هذا هو الحال مع تشيلي زمن ألليندي ومع البرتغال. فإذا كان بوسع العمال بمرتبات هؤلاء الانتقال من تحالفٍ مع الطبقة العاملة إلى تحالفٍ مع البرجوازية فمرد ذلك بالتحديد أنَّهم ليسوا مستقطبين من تلقاء ذاتهم نحو الطبقة العاملة. والسبب ههنا ليس افتقارهم إلى مصالح طبقية محدّدة، بل أنَّ لهم خصوصية طبقية ملتبسة.


لِنورِد، الآن، ملاحظة أو ملاحظتان نظريتان حول هذا التصور عن الشريحة الموّسطة من أصحاب المرتبات. بدايةً، أليس من الممكن الحديث عن شريحة أصحاب المرتبات كأنها بلا أي انتماءٍ طبقي؟ يومي هذا السؤال إلى واحدة من السمات الخاصة لنظرية ماركس عن الطبقة باعتبارها مختلفةً ومتميزةً عن باقي نظريات الطبقة. فهذه الأيام يتحدث جميع علماء الاجتماع البرجوازيين عن الطبقات، لكن الطبقات عندهم ليست سوى تقسيمة معينة ضمن التراكب الاجتماعي الأعم حيث نعثر لا على طبقاتٍ فقط، بل نخبًا أيضًا (في المجال السياسي) وجماعات المكانة، وخلافه. بطبيعة الحال، تعترف الماركسية بوجود أطرافٍ وفئات معينة من الطبقات، لكنها جميعًا أجزاء من الطبقات. على سبيل المثال، البرجوازية التجارية طرفٌ من أطراف البرجوازية، والأرستقراطية العمالية طرفٌ معين من أطراف الطبقة العاملة نفسها. بيد أنَّنا في الماركسية لا يمكن أن نقرَّ بوجود هذه الشرائح والأطراف والجماعات خارج الطبقات أو منفصلةً عنها. ولا يمكننا القول بأنَّ مع تطور نمط الإنتاج (أي نمط الإنتاج المحض، صاحب الطبقتين البرجوازية والعاملة)، سنقعُ على ميلٍ عند كل الأفراد والفاعلين ضمن التشكيلة الاجتماعية نفسها للتحوّل إلى طرفٍ إما في البرجوازية أو الطبقة العاملة. لا ريب أنَّ موقفًا كهذا موقفٌ خاطئ لكونه يفترض مسبقًا أنَّ نمط الإنتاج مفهومٌ مجرد، بينما التشكيلة الاجتماعية مفهومٌ غير مجرد. بيد أنَّه ما من تمييز أو فصلٍ بين المفاهيم المجردة وغير المجردة. فمفهوم «الكلب» لا ينبح. إذْ كل المفاهيم تجريدات بدرجات متفاوتة. يتمحور التمييز بين مفهومَي «التشكيلة الاجتماعية» و«نمط الإنتاج» حول طبيعة الموضوع. فنمط الإنتاج موضوع شكلي مجرد، بينما التشكيلة الاجتماعية موضوع حقيقي ملموس. لذا فهذا سيفترض مسبقًا أنَّ أنماط الإنتاج توجد وتعيد إنتاج نفسها كما هي، وأنَّ التشكيلات الاجتماعية ليست سوى رقعةٍ جغرافية طوبوغرافية حيث أنماط الإنتاج –بإعادة إنتاجها المجرد– تُجسِّد فيها نفسها. لذا فنمط الإنتاج الخالص، أي نمط الإنتاج الرأسمالي (البرجوازية والطبقة العاملة) الذي يعيد إنتاج نفسه بشكلٍ مجرد، سينتهي بـ«الكشف عن نفسه» كالمسيح منتصرًا في التشكيلة الاجتماعية حيث سنحظى أخيرًا بطبقتين لا ثالث لهما، البرجوازية والبروليتاريا.


الحال أنَّ هذا الموقف خاطئ لأنَّ لينين في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا قد أوضح بأنَّ التمييز بين أنماط الإنتاج والتشكيلات الاجتماعية لا علاقة له مع تفسير ماركس، سواء ماركس «الشاب» أو «الناضج»، أو مع موقف البيان الشيوعي، بل يتعلق بنصوص لينين وطبيعة الإمبريالية. فالمرء لا يسعه فهم الإمبريالية دون التمييز بين أنماط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية. إذْ يتعذَّرُ استنباط الإمبريالية من نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فالإمبريالية نتيجةٌ لازمة عن إعادة إنتاج نمط الإنتاج ووجوده في تشكيلات اجتماعية ملموسة. كذا التطور اللامتكافئ ليس نتيجةً من نتائج التجسيد البسيط لنمط الإنتاج الرأسمالي باعتبار أنَّ له أثرًا في الواقع يتطور من ثم إلى إمبريالية؛ بل إنَّ هذا التطور عنصرٌ مكوّن للإمبريالية نفسها. لهذا السبب لا يمكن قبول التصور المزدوج عن المجتمع.


بعد تقديمي لهذه النقاط النظرية والسياسية، أود مناقشة القضايا الرئيسة التي طرحتها في كتابي الطبقات في الرأسمالية المعاصرة. كانت هذه القضايا: (1) ثمَّة وضع طبقي معين للعمال غير المُنتِجين من أصحاب المرتبات أطلقتُ عليه «البرجوازية الصغيرة الجديدة»؛ و(2) ثمَّة تحولات في إعادة إنتاج الرأسمالية لها علاقة بامتدادات حدود الطبقة العاملة، لكن هذه التحولات لا تغير الأوضاع الطبقية المعينة للبرجوازية الصغيرة الجديدة؛ و(3) أنَّ هذه التحولات تؤثر على البرجوازية الصغيرة الجديدة على نحوٍ تكون فيه مستقطبةً موضوعيًا وباطراد نحو الطبقة العاملة كطبقةٍ معينة، لكن ولكون للبرجوازية الصغيرة الجديدة وضعًا طبقيًا معينًا فإنَّ هذا الاستقطاب الموضوعي لا يطال الطبقة كلها بنفس القدر، إنما يطال أقسامًا معينة منها تشكِّل أغلبيتها العظمى.


نحتاج الآن إلى النظر فيما إذا كان ثمّة حل لهذه المشكلة حال أمكن للمرء الحديث عن «مواقع طبقية متناقضة»؟ أريد هنا تناول أطروحة إيرك أولن رايت في مقالته «الحدود الطبقية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة». هل بوسعنا حل المشكلة النظرية بالقول إنَّ لبعض الفاعلين موقعًا طبقيًا متناقضًا؟ يعني هذا ضمنيًا أنّ بوسع هؤلاء الفاعلين شغلَ مواقع طبقية مختلفة ومتغيرة؛ كما يومي بأنَّ بوسعهم شغل منطقةٍ برزخية بين البرجوازية والطبقة العاملة.


يمكننا مقاربة هذه المشكلة النظرية بالتركيز على طبيعة [عمل –م] الإشراف ضمن عملية الإنتاج الرأسمالية. حين تحدث ماركس عن عمل الإشراف على عملية العمل وتوجيهها، شدَّد على الطبيعة المزدوجة لهذا العمل. في الواقع، لقد استخدم على الدوام التعبير ذاته، قائلًا بأنَّ من جهة أولى ما دام عمل الإشراف ضروريًا لكل عملية عمل كما هي، أو للإنتاج بالعموم، فبهذا المعنى عندئذٍ يكون عمل الإشراف جزءًا من العمل المُنتِج؛ أما من جهة ثانية ما دام الإشراف يتعلق بتحقيق فائض القيمة، لا إنتاجه، فيؤلف عندئذٍ سيطرة سياسيةً على الطبقة العاملة، ولا يكون بذلك عملًا منتجًا. أعتقدُ أنَّ طريقة التفكير هذه ترتبط بما يقوله ماركس بوضوح في تلك المقاطع من رأس المال التي يناقش فيها «الإنتاج بالعموم» و«الإنتاج كما هو»، لكنه كان يقول على الدوام إنَّ الإنتاج بالعموم لم يوجد البتة على أرض الواقع. فما يوجد ليس سوى عملية إنتاجٍ في ظل علاقات إنتاجٍ معينة وفي إطار صراعٍ طبقي معين. ولا وجود للطبقات إلا في صراعها مع بعضها البعض. بأخذ هاتين الحجتين في الاعتبار، أعتقدُ أنَّه من المستحيل القول إنَّ بوسع بعض الفاعلين، في تشكيلة اجتماعية معينة وفي ظل علاقات اجتماعية معينة وفي إطار صراعٍ طبقي محدد، شغلَ مواقع طبقية متناقضة. على أي حال، يورِد ماركس ملاحظةً مهمة حول عمل الرأسمالي نفسه، في سياق هذه الطبيعة المزدوجة لعملية العمل، يقول فيها ما دام نشاط الرأسمالي يتعلق بتقديم التوجيه والتنسيق الضروريان لسير عملية العمل والإنتاج كما هو، بوسعنا القول بأنَّ الرأسمالي يؤدي عملًا مُنتِجًا. إذَا، هل بوسعنا القول بأنَّ للرأسمالي موقعًا طبقيًا متناقضًا، إذْ إنَّه «عاملٌ» و«رأسمالي» في آن؟ لا ريب أنَّ هذا سيكون محض لغوٍ. تُبدِي مجموعة الحجج هذه الطابع العام لردي على مقالة [إيرك أولن –م] رايت.


لقد أشرتُ إلى أنَّ لي تعريفًا محدودًا وضيقًا للطبقة العاملة. أود الآن النظر في الحجة المستخدمة من قبل كل من رايت وهانت اللذان لفتا الانتباه إلى حقيقة أنَّنا إذا استخدمنا التعريف الماركسي للطبقة الذي اقترحته وأطبقه على الولايات المتحدة، سنجد أنَّ الطبقة العاملة تشكّل أقل من 20% من السكان. فلنبحث هذه الحجة. أولًا، أعتقدُ أنّنا لا نستطيع الحديث عن الطبقات في الرأسمالية المعاصرة بالإحالة فقط إلى كل تشكيلةٍ اجتماعية معينة؛ بل علينا دومًا أخذ السياق الإمبريالي في حسباننا. إذًا، فمسألة الطبقة العاملة والقوة العاملة الخاضعة لرأس المال الأمريكي لا تتعلق فحسب بالطبقة العاملة المحلية. علينا إدراك أنَّ الطبقة العاملة التي تعمل لصالح رأس المال الأمريكي تضم أيضًا أولئك الذين يعملون لصالح الشركات الأمريكية في أمريكا اللاتينية مثلًا. من هنا، فسؤال الحجم العددي للطبقة العاملة، لا سيما حين نتحدث عن بلدانٍ إمبريالية، ينبغي النظر إليه لا في السياق المحلي وحسب، بل في سياقٍ إمبريالي أوسع.


ثانيًا، تثير القضايا قيد المناقشة مشكلة شديدة الأهمية تتمثل بالانتقال إلى الاشتراكية، ومشكلة هيمنة الطبقة العاملة أيضًا. أريد التشديد على أنَّه من غير الممكن اختزالها إلى مجرد مشكلةٍ عددية؛ إذْ إنَّها مشكلة سياسية. فالمهمة السياسية المتمثلة بالظفر بأغلبية الشعب من أجل الانتقال إلى الاشتراكية لن تنجزها الطبقة العاملة بكسب 50%.


ثالثًا، ثمّة مشكلة حقيقة تتمحور حول حقيقة أنّ في إعادة إنتاج الرأسمالية هناك ميلٌ نحو تقييد أهمية الطبقة العاملة بعملية الإنتاج في البلدان الإمبريالية، الأمر المرتبط بأولوية العمل الميت على العمل الحي، ولها علاقة بفائض القيمة النسبي، وليست نيتي إنكار أيٍ من هذه الحقائق. فلن نصل إلى أي مكان حال قمت بهذا؛ لكنني لا أعتقدُ بأنَّ هذه هي المشكلة الهامة. فالمشكلة الهامة هي المشكلة السياسية. في تحليلي للبرجوازية الصغيرة الجديدة، وقد عرضته بإيجاز ههنا، بدأت مع المعيار الاقتصادي بطبيعة الحال، أي مع التمييز بين العمل المُنتِج وغير المُنتِج. أقولُ ببساطة، ونوعًا ما بشكلٍ دوغمائي، أنَّ الأمور كانت واضحة تمامًا لماركس. في رأس المال، يتعلق الاستثناء الوحيد بمشكلة التقنيين. إنَّها تتمحور حول فائض القيمة النسبي، باعتباره ميلًا يعاكس ميل معدل الربح للانخفاض، بإنتاجية العمل، وبالاستغلال بشكلٍ رئيس عبر فائض العمل النسبي، وبالابتكارات التكنولوجية. ثمَّة هذه المشكلة عند ماركس، لكنني لا أعتقدُ بأنَّ هنالك مشكلة مع باقي العمال غير المنتِجين، عمال قطاعَي الخدمات والتجارة والعمال المشتغلين بتداول فائض القيمة وتحقيقه وجمعه. وبصريح العبارة، يقول ماركس –بالرغم من أنَّه قد يكون مخطِئًا–، وبالتحديد في عدة مقاطع من رأس المال، بأنّ من غير الممكن اعتبار الموظفين في حقل التجارة عمالًا مُنتِجين. لهذه الاعتبارات، لا فرق إذا اعتمدنا معيار الإنتاج المادي أو اللا مادي. إذْ يعتبر ماركس أنَّ العمال في حقل التجارة لا يؤدون عملًا مُنتجًا، فمرد ذلك ليس أنَّهم لا يؤدون عملًا ماديًا، ففي بعض الحالات يؤدونه، بل مرده اعتمادهم على رأس المال التجاري، بينما رأس المال الوحيد المُنتِج لفائض القيمة هو رأس المال الإنتاجي. لقد بيّنت أنَّ هذا يشتمل على العناصر الأساس لنظرية القيمة عند ماركس، ولهذا السبب أقمت حجاجي عليها.


على أي حال، أريد التشديد على أنَّني حين تحدثتُ عن العمل المُنتِج وغير المُنتِج، حاولت تبيان أنَّ هذا ليس سمة تقنية/فنية لهذا النوع أو ذاك من العمل، بل إنَّه يتعلق بعلاقات الإنتاج، أي بأشكال الاستغلال. فليس العمل المُنتِج في أنماط الإنتاج المختلفة سوى ذاك العمل الذي يجري استغلاله عبر نوع معين من الاستغلال يميّز نمط الإنتاج ذاك –على سبيل المثال، إنتاج فائض القيمة في نمط الإنتاج الرأسمالي. ولا يعني هذا أنَّ العمال غير المُنتِجين من أصحاب المرتبات ليسوا مستغَلين –فهم كذلك–، وهذا أمرٌ فائق الأهمية بالطبع، بل يجري استغلالهم ولكن ليس بالطريقة التي تشكّل إنتاج فائض القيمة.


لِندَع جانبًا مشكلة التقنيين في معالجة ماركس، لقد حاولت أنْ أُبيّنَ بشكلٍ ملموس ما معنى القول بأنَّ تعريف الطبقات الاجتماعية لا يمكن قصره على المجال الاقتصادي فقط، وأنَّ علينا الأخذ بالحسبان السياسة والأيديولوجيا. كانت هذه أطروحةً أساسية قدمتها في كتابي «السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية». لذا، أريدُ توضيح سبب احتياجي إلى العنصرين السياسي والأيديولوجي. لقد احتجتهما إذْ وإنْ كان معيار العمل المُنتِج وغير المُنتِج كافيَا لاستبعاد العمال غير المُنتِجين من الطبقة العاملة، إلا أنَّه غير ملائم لكونه معيارًا سلبيًا. إذْ يخبرنا بأنَّهم ليسوا كذا؛ بمعنى أنَّهم ليسوا جزءًا من البرجوازية، أي أنَّهم لا يتمتعون بملكية قانونية أو اقتصادية لوسائل الإنتاج. ومن ناحية أخرى، يوضِح بأنَّهم ليسوا جزءًا من الطبقة العاملة. بيد أنَّ هذا المعيار في ذاته غير كافٍ لإخبارنا إلى أي طبقةٍ يتنمي هؤلاء. ههنا تبرز أهمية المعيار السياسي والمعيار الأيديولوجي. أريد إيضاح ما أعنيه بهذا، وتبيان لِمَ لا شأنَ لهذا الموقف بالتمييز بين «الطبقة في ذاتها» و«الطبقة لذاتها».


أتفقُ مع آلان هانت في أنَّ الاقتصادي (علاقات الإنتاج والاستغلال) ليس كافيًا لنحدِّدَ إيجابيًا التعيين الطبقي للعمال غير المُنتِجين من أصحاب المرتبات، وأنَّ علينا دومًا أن نأخذَ في الحسبان العنصرين السياسي والأيديولوجي لتقسيم العمل الاجتماعي[2]. للقيام بذلك أقمتُ تمييزًا بين «التعيين الطبقي البنيوي»[3] وهذا له علاقة بالعناصر الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، وللاقتصادي فيه دور المُحدِّد على الدوام، وبين «الموقف الطبقي» عند ظرفٍ محدد من ظروف الصراع الطبقي. لا يقتصر العنصران السياسي والأيديولوجي على الموقف الطبقي في ظرفٍ محدد. فمن الشائع مصادفة أنَّ الطبقة في ذاتها –التعيين الطبقي البنوي– يُفكَّرُ فيها على المستوى الاقتصادي لا غير، وثم يدخل السياسي والأيديولوجي في سيرورة الصراع الطبقي عند ظرفٍ من الظروف، «الطبقة لذاتها».


منذ اللحظة التي نتحدث فيها عن الوجود البنيوي للطبقات، يحضر العنصران السياسي والأيدولوجي. وهذا يعني أنَّ العنصرين السياسي والأيديولوجي لا ينبغي ربطهما ببساطة مع تنظيمٍ سياسي ثوري مستقل للطبقة العاملة أو مع أيديولوجيا ثورية. فحتى حين لا تملك الطبقة العاملة هذا التنظيم السياسي المستقل –الحزب الشيوعي–، ولا الأيديولوجيا الثورية، فإنَّها تشغَلُ بالضرورة مواقع محددة، لا في المجال الاقتصادي وحسب، بل الأيديولوجي والسياسي أيضًا.


يعني هذا أنَّ بوسعنا الحديث عن عناصر أيديولوجية معينة عند الطبقة العاملة وإنْ لم تملك هذه الطبقة أيدولوجيا ثورية وكانت تهيمن عليها أيديولوجيا البرجوازية. فالطبقة العاملة توجد على الدوام في الصراع الطبقي عبر ممارسات محددة حتى حين تغيب التنظيمات الثورية. وثمَّة على الدوام أيديولوجيا ما تجعل الطبقة العاملة متمايزة عن الطبقة البرجوازية. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، مثالٌ كلاسيكي عن بلدٍ طبقته العاملة بلا أيديولوجيا ثورية وبلا حزب ثوري مستقل، أو حزبٍ جماهيري. لكن الطبقة العاملة موجودة على المستوى الاقتصادي. إذْ أنَّ لها خطابًا مستقلًا، أو أقله عناصرَ خطابٍ مستقل، دعاها لينين «غريزة الطبقة»، تشق طريقها عبر غلاف الهيمنة الأيديولوجية البرجوازية.


إنَّ للتنظيم السياسي المستقل والأيديولوجيا الثورية للطبقة العاملة علاقة بالموقف الطبقي عند الظرف المحدد. إذ يتصلان بجعل الطبقة العاملة «قوةً اجتماعية»، مما يحدِّد قدرة الطبقة العاملة على إنجاز الانتقال إلى الاشتراكية، أي القيام بثورة اجتماعية. إذًا، تطرح المشكلة نفسها في كيفية تحديد موقع العنصرين السياسي والأيديولوجي في التعيين البنيوي للطبقة، وإنْ لم يُعَد هذان العنصران تقليديًا عنصران مُشكِّلان لـ«الطبقة لذاتها». لقد سعيت لتبيان ماهية هذين العنصرين في التحليل الملموس للبرجوازية الصغيرة الجديدة، وأنَّهما ينبعان من سماتٍ معينة، لا تقتصر على ما يتعلق بالعمل المُنتِج وغير المُنتِج وحسب، بل من موقع هذا العمل في مجمل تقسيم العمل الاجتماعي.


لقد حاولت تحليل آثار انقسام العمل بين يدوي وذهني. وليس هذا الانقسام انقسامًا نفسيًا أو بيولوجيًا بين مَن يكدح بيديه ومَن يكدح بفِكرِه. بل يتعلق بالظروف الاجتماعية التي يوجد في ظلها هذا الانقسام، والتي –كما أشار غرامشي– تتعلق بسلسلةٍ كاملة من الطقوس و«المعارف الفنية» والرموز. فمِن خلال هذا التحليل يمكننا تعريف هذا الانقسام بأنَّه التمظهر الملموس للعناصر السياسية والأيديولوجية في التعيين البنيوي للطبقة.


لقد حاولت تبيان لِمَ تقع البرجوازية الصغير الجديدة، حتى شرائحها الدنيا، في صف العمل الذهني من العمل اليدوي الذي تؤديه الطبقة العاملة. لا يعني هذا أنَّ الطبقة العاملة تكدح بيديها لا غير، وأنَّ البرجوازية الصغيرة الجديدة تكدح بذهنها لا غير. فهذه الانقسامات بين مُنتِجٍ وغير مُنتِجٍ، وبين ذهني ويدوي، ليست سوى انقسامات انحيازية. فهي ليست نماذج تُستخدَم لتعيين الموقع ضمن البنية الطبقية لكل فاعلٍ فرد؛ بل على العكس من هذا، إنَّها معنية بسيرورة الصراع الطبقي برمتها.


إنَّ المفهوم الماركسي للطبقة ليس فئةً إحصائية. فمن الضروري أنْ نوضح بشكلٍ ملموس، آخذين بالحسبان التقسيم التفصيلي للعمل والمهارة في عملية العمل، لِمَ تقع شرائح البرجوازية الصغيرة الجديدة، حتى أدناها، في صف العمل الفكري أو الذهني في علاقاتها مع الطبقة العاملة. فقد أبانَ غرامشي بطريقةٍ ملموسة أنَّ علينا اعتبار جميع موظفي القطاع العام، جميع موظفي الدولة، من الرأس حتى أخمص القدمين، مثقفينَ بالمعنى العام. لقد أخذتُ سمات أخرى، وعلى وجه التحديد فقد أخذت برقرطة العمل في تنظيم العمال غير المُنتِجين بغية تبيان أهمية توزيع السلطة. إنَّ هذين العنصر ين، أي الأيديولوجي والسياسي، هما مَن يحدِّد الموقف الطبقي للبرجوازية الصغيرة الجديدة. هكذا، تستبطن البرجوازية الصغيرة الجديدة تقسيم العمل الاجتماعي المفروض من البرجوازية على المجتمع برمته. في حين يمارس كل مستوى من مستويات البرجوازية الصغيرة الجديدة سلطةً معينة على الطبقة العاملة وهيمنةً أيديولوجية عليها تكتسي سمات معينة ضمن مصنع تقسيم العمل، بينما العمال لا يمارسون أي نوعٍ من السلطة أو الهيمنة الأيديولوجية على العمال الآخرين –على العمال غير المهرة مثلًا– لها ولو من بعيد السمات ذاتها لما تمارسه المستويات المختلفة من البرجوازية الصغيرة الجديدة على الطبقة العاملة. كانت هذه هي العناصر الأيديولوجية والسياسية التي اتخذتها لتبيان الخصوصية الطبقية للبرجوازية الصغيرة الجديدة. لكن من المهم التأكيد على أنَّ هذه العناصر ما من جامعٍ يجمعها مع ما يدعى بـ«الطبقة لذاتها».


أخيرًا، لقد سعيتُ لتبيان الطريقة التي يفعل بها التحول في الرأسمالية المعاصرة فعله، إذ يُفضي إلى استقطابٍ موضوعي لأقسامٍ هامة من البرجوازية الصغيرة الجديدة نحو الطبقة العاملة. وقد حاولت تبيان أنَّ الانقسام بين العمل الذهني واليدوي، ما دام له علاقة بإعادة إنتاج العناصر السياسية والأيديولوجية، سيعيد إنتاج نفسه ضمن العمل الذهني من جهة أولى، وضمن العمل اليدوي من جهةٍ ثانية. أما بعض أقسام البرجوازية الصغيرة الجديدة، وإنْ كانت توجِّه نفسها نحو الطبقة العاملة، إلّا أنَّها توجِّهُ نفسها بالعلاقة مع الأقسام الأخرى من البرجوازية الصغيرة الجديدة أيضًا. لتغدو الشروط الموضوعية للاستقطاب أكبر كلما اقتربنا من حاجز العمل اليدوي، حيث العمل الرتيب في حقل التجارة والمكاتب. إذًا، تتوفر الإمكانات لقيام تحالفٍ بين الطبقة العاملة وأقسامٍ معينة من البرجوازية الصغيرة الجديدة، كذا لتحقيق هيمنة الطبقة العاملة. لكن لا بد من فهم أنَّه وبسبب كونهم أعضاء طبقةٍ أخرى، أي طبقة البرجوازية الصغيرة الجديدة، ينبغي على الطبقة العاملة كسبهم. غير أنَّ هذا لا يحدث من تلقاء نفسه؛ إذْ لا تتبنى هذه الطبقة البرجوازية موقف الطبقة العاملة الطبقي من تلقاء نفسها. والأهم من هذا: لا بد من فهم أنَّه حين يقيّض للطبقة كسبهم، فمن الممكن أنْ تخسرهم ثانيةً.


-الهوامش: [1] - يُشار إلى صغار المُلّاك والمُنتجين والحِرَفيين المستقلين والتجار بالبرجوازية الصغيرة التقليدية. (م) [2] - تقسيم العمل الاجتماعي أو التقسيم الاجتماعي للعمل: يعني التقسيم إلى طبقات وأقسام/أطراف وشرائح وفئات. (م) [3] - أي الموقع ضمن تقسيم العمل الاجتماعي. (م)