• Alaa B.H

مكان صَغير (2-2) | قصّة قصيرة لـ : جامايكا كِنكَيد

ترجمة: علاء بريك هنيدي

لقراءة الجزء الأول اضغط هنا


* * *

أنتيغا التي تراها اليوم–أيها السائح- ليست، بأي حال، أنتيغُا التي عرفتها وترعرعت فيها. أنتيغُا تلك لم تعد موجودة. لم تعد موجودة لسببين عامل الزمن وآثاره عليها، ولأن الأشخاص الخبيثين الذين اعتادوا سابقاً حكمها، أي الإنكليز، قد رحلوا. (أصبح الإنكليز مثيرين للشفقة هذه الأيام، ولا يكاد يعرفون كيف يدبرون أمرهم، حيث خسروا ربع سكان الأرض ممن كانوا خاضعين لهم وصاغرين أمامهم، ولعلهم لم يدركوا بعد أن أعمال إمبراطوريتهم كانت خاطئة ويجب عليهم، أضعف الإيمان، إظهار الندم للتكفير عما اقترفوه من فظائع، والتوبة النصوح عن أفعالهم السيئة، فلا يمكن لأي كارثة طبيعية يمكن تصورها أن يوازي ضررها الضرر الذي تسببت به هذه الإمبراطورية. إن الموت لأهون مما ارتكبوه. وهكذا فإن كل هذه الضجة حول الإمبراطورية –ما حدث من خطأ هنا، وما حدث من خطأ هناك- تقودني إلى الجنون، لأنني أستطيع أن أقول لهم: إن الخطأ ما كان ينبغي عليهم أبداً أن يغادروا وطنهم، إنكلترا العزيزة، المكان الذي أحبّوه حباً جمّاً، المكان الذي اضطروا إلى مغادرته لكنهم لم ينسوه أبداً، وهكذا فكل أرضٍ وطَأُوها، حوّلوها إلى إنكلترا؛ وكل شخص قابلوه حوّلوه إلى إنكليزي، ولكن في الحقيقة لا يمكن لأي مكانٍ في العالم أن يكون إنكلترا أخرى، ولا يمكن لأي إنسانٍ غيرِ إنكليزي أن يبدو إنكليزياً؛ لذا، لكَ أن تتخيل حجم الدمار الذي ألحقوه بالبشر والحجر. يكره الإنكليز بعضهم البعض ويكرهون إنكلترا، ويكمن السبب في بؤسهم هذا بأنه ما من مكان آخر يذهبون إليه، وما من أحدٍ آخر ليشعروا أنهم أفضل منه) لكن دعوني أخبركم عن أنتيغُا التي اعتدت معرفتها.

في أنتيغُا تلك، عشنا في شارع سُمِّيَ على اسم أحد الأدميرالات الإنكليز المجرمين، هوراشيو نيلسون، وجميع الشوارع الأخرى المحيطة بنا مُسمَّاة بأسماء بعض المجرمين الإنكليز الآخرين. كان هناك شارع رودني، شارع هود، شارع هوكينز، شارع دريك. كانت هناك أشجار البونسيانا وأشجار الماهوجني التي تزين شارع إيست. يوجد في شارع إيست مبنى الحكومة، المكان الذي يعيش فيه الحاكم، الشخص الذي يمثل بين يدي الملكة. يحيطُ بمقر الحكومة جدارٌ أبيض عالٍ –ولإظهار كم كنا جبناء، لم يسبق لأحدٍ أن كتب أشياء سيئة عليه؛ بقي نظيفاً وأبيض ناصعاً وعالياً. (وقفت ذات مرة في الشمس الحارقة لساعات حتى أتمكن من رؤية الأميرة الإنكليزية ذات الوجه الشاحب تختفي خلف هذه الجدران. كنت حينها في السابعة من عمري، وظننت أن لديها وجهاً شاحباً). كانت المكتبة أدنى شارع هاي ستريت، فوق وزارة الخزانة، وينظم في ذلك الجزء من هاي ستريت جميع أعمال الحكومة الاستعمارية. يمكنك في هذا الجزء من هاي ستريت، صرف شيك من وزارة الخزانة، قراءة كتاب في المكتبة، إرسال رسالة في البريد، المثول أمام قاضي التحقيق في المحكمة. (بما أننا محكومون من الإنكليز، فقد كانت لدينا قوانينهم أيضاً. كان هناك قانون يحظر استخدام عبارات مسيئة. هل يمكنك أن تتخيل مثل هذا القانون بين الناس الذين بجعلونك أضحوكة خلال أحاديثهم؟ هذا ليس كل شيء، عندما قَدِمَ الهنود الغربيون إلى إنكلترا كان على الشرطة أن تحصل على قاموس للكلمات الغربية الهندية السيئة حتى يتمكنوا من فهم ما إذا كان ما يسمعونه عبارات مسيئة أم لا!)، يمكنك في نفس الجزء من هاي ستريت الحصول على جواز سفر من مكتب حكومي آخر. يقع في منتصف هاي ستريت بنك باركليز. كان الأخوة باركلي، الذين أسسوا بنك باركليز، من تجار الرقيق. هكذا جمعوا ثروتهم. عندما حظرت الحكومة الإنكليزية تجارة الرقيق، اتجه الأخوة باركلي إلى الصيرفة، وسرعان ما جعلتهم أكثر ثراء. من المحتمل أنه عندما رأوا كيف أثرتهم البنوك، ضربوا أنفسهم بالأحذية لمعارضتهم إنهاء تجارة الرقيق (من المؤكد أنهم سيعارضون)، ولكن مرة أخرى، ربما هداهم الله وأصبحوا مندفعين من أجل إنهاء العبودية، لمرأى الثروة التي جلبها لهم اقتراضهم من (من خلال مدخراتهم) أحفاد العبيد ومن ثم إعادة إقراضهم. ولكن من هم أكبر بقليل مني يمكنهم أن يذكروا لك اليوم عُيِّنَ أول شخص أسود كأمين صندوق في بنك باركليز نفسه في أنتيغُا، واسم هذا الشخص. هل تساءلت يوماً عن سبب قيام بعض الناس بنسف الأشياء؟ أستطيع أن أتخيل أنه إذا ما كانت حياتي قد أخذت منحى معين، سيكون هناك بنك باركليز، وأنا، وكلانا تحت الأنقاض. هل تحاول أن تفهم لِمَ لا يستطيع أمثالي أن يتغلبوا على الماضي، ولا أن يسامحوا ولا أن ينسَوا؟ يوجد الآن بنك باركليز. مات الاخوة باركلي. مات أولئك الناس الذين تاجروا بهم، البشر الذين كانوا بالنسبة لهم مجرد سلعة. يُفتَرضُ ألّا يحظى كلاهما بنفس النهاية، فلا تكفي الجنة لمكافأة أحدهم، ولا الجحيم بكافٍ كعقوبة للآخر. يعتقد من يفكرُ في هذه الأشياء أن كل فعلٍ، بل كل فكرةٍ سيئة، يحمل معه عقوبته الخاصة. هل ترى شيئاً غريباً في الناس أمثالي؟ أحيانا نحمل صليبك/عقابك.

وكان هناك مكان آخر، يدعى نادي ميل ريف. بناه بعض الأشخاص من أمريكا الشمالية أرادوا العيش في أنتيغُا وقضاء عطلاتهم فيها، ولكنهم لا يحبون الأنتيغوانيين (السود) على الإطلاق، حيث أعلن نادي ميل ريف عن نفسه كنادٍ خاص، والأنتيغوانيون الوحيدون (السود) الذين سُمِحَ لهم بالدخول كانوا خدماً. يذكر الناس اسم أول أنتيغواني (أسود) أكلَ ساندويتش في النادي واليوم الذي حدث فيه ذلك؛ ويذكرون اسم أول أنتيغواني (أسود) لعب الغولف في ملعب غولف النادي واليوم الذي حدث فيه هذا. في تلك الأيام، اعتقدنا أن السلوك السيئ للناس في نادي ميل ريف كسلوك الخنازير؛ كانوا يتصرفون بطريقة سيئة، مثل الخنازير. هناك كانوا، غرباء في منزل شخصٍ آخر، رافضين التحدث إلى مضيفيهم أو التعامل معهم بأي شكلٍ إنساني، أو عاطفي. أعلم أنهم قدموا منحاً دراسية لشخص أو شخصين كل عام ليمكِّنوهم من السفر إلى الخارج والدراسة؛ أعلم أنهم قاموا بتبرعات خيرية لجمعيات الطفولة؛ من المفترض أن هذه الأشياء تجعلهم بنظر أنفسهم أشخاصاً جيدين ومهمين جداً، لكن بالنسبة لنا كانوا خنازير تعيش في تلك الحظيرة (نادي ميل ريف). وما الذي كان هؤلاء الناس من أمريكا الشمالية، هؤلاء الناس من إنكلترا، هؤلاء الناس من أوروبا، بسلوكهم السيئ، يفعلونه في هذه الجزيرة الصغيرة؟ يتمتعون بالتصرف بشكل سيِّئ، كما لو أن التصرف بأسلوب بهيمي يمنح الإنسان متعةً لا تقاس. دعوني أخبركم عن رجل تدرَّبَ كطبيب أسنان، فأخذ على عاتقه القول بأنه طبيب، طبيب متخصص في علاج أمراض الأطفال. لم يعترض أحد – ولا أي منا بطبيعة الحال. جاء إلى أنتيغُا كلاجئ (هاربا من هتلر) من تشيكوسلوفاكيا. كَرِهَنا هذا الرجل كثيراً لدرجة أنه كان يرسل زوجته لتتفقدنا قبل أن نُعرَضَ عليه، كما تتأكد من أنه لا تنبعث منا رائحة كريهة، وأن لا أوساخ تحت أظافرنا، وأنه لا شيء آخر حولنا –بخلاف لون بشرتنا- قد يسيء إلى الطبيب. (أذكر مرةً عندما كنت أعاني من السعال الديكي وكانت حالتي تزداد سوءاً، وأن والدتي، قبل أن تدثرني وتهرع بي إلى هذا الرجل، تفحصتني بعناية لتتأكد من أنه لا تصدر مني أي رائحة كريهة أو أوساخ أسفل رقبتي أو خلف أذني أو في أي مكان آخر. كل ما يمكن أن تفعله ذبابةٌ لنا كان معروفًاً لأمي عن ظهر قلب، ولطيبة قلبها، ظنَّت أنها والطبيب يشتركان في نفس الوسواس –وسواس الجراثيم). وكان هناك مديرة مدرسة للبنات، عيَّنَها المكتب الاستعماري في إنكلترا وأُرسِلَت إلى أنتيغا لإدارة هذه المدرسة التي ابتدأتْ في حياتي فقط قبول الفتيات اللواتي ولدن خارج إطار الزواج؛ في أنتيغُا، لم يخطر على بال أحد أن هذه كانت طريقة لإبعاد الأطفال السود عن هذه المدرسة. كانت هذه المرأة في السادسة والعشرين من عمرها، متخرجة حديثاً من الجامعة، من أيرلندا الشمالية، وكانت تطلب من الفتيات مراراً وتكراراً التوقف عن التصرف وكأنهن قرود هَجَرْنَ الأشجار للتو. لم يخيَّل لأحد بأن أيَّ كلمة من هذه كانت كلمات عنصرية. ظننا أن هؤلاء الناس وقحين للغاية، وقد فوجئنا بهذا، لكونهم بعيدين عن منازلهم، ويُفتَرَضُ أنه كلما ابتعد المرءُ عن منزله، كلما كان عليه التصرف بشكل أفضل. (فالسلوك السيئ يجلب لك المشاكل، وفي الغربة أنت بعيد عن عائلتك والتي كان من الممكن أن تساعدك وتحميك). ظنناهم غير مسيحيين، ظنناهم محدودي التفكير؛ ظنناهم حيوانات، أفراداً دون معايير الإنسانية، كما فهمنا تلك المعايير. شعرنا أننا متفوقون عليهم. ظننا أن الإنكليز الذين تصرفوا بهذه الطريقة ليسوا بأي حال إنكليزاً، لأن الإنكليزي يُفترَضُ أن يكون متحضراً، وكانت هذه التصرفات أشبه إلى حد كبير بتصرفات الحيوان، الذي كنا عليه قبل أن ينقذنا الإنكليز، ربما لم يكونوا من إنكلترا الحقيقية على الإطلاق، بل من إنكلترا أخرى، واحدةٌ لم نكن على دراية بها، وليسوا على الإطلاق من إنكلترا التي قيل لنا عنها، وليسوا على الإطلاق من إنكلترا التي لا يمكننا أن نكون منها، إنكلترا البعيدة جداً، إنكلترا التي لا يمكن حتى لقاربٍ أن يأخذنا إليها، إنكلترا التي –بغض النظر عمّا فعلناه- لا يمكن أن تكون لنا. شعرنا بالتفوق، لأننا تصرفنا بشكل أفضل وكنا ممتلئين نعمةً، بينما تصرف هؤلاء بشكل سيءٍ للغاية وكانوا خالين تماماً من النعمة. (بالطبع، أرى الآن أن السلوك الجيد هو الموقف المناسب للضعفاء، للأولاد). علَّمونا أسماءَ ملوكِ إنكلترا. في أنتيغُا، كان الرابع والعشرين من مايو عطلة –عيد ميلاد الملكة فيكتوريا. لم نسأل أنفسنا، ألم يكن هذا الشخص غير الجذاب ميتاً لسنوات وسنوات؟ بدلا من ذلك، كُنَّا سعداءَ لقضاءِ عطلةٍ. ذاتَ مرة، كنتُ في حفلِ عشاء (حدث هذا منذ فترة قريبة) جالسةً مع رجلٍ إنكليزي، أحد هؤلاء الأشخاص الأذكياء الذين يعرفون كيف يديرون أموراً ما زالت إنكلترا تقوم بها، ولكنهم الآن، منذ زوال الإمبراطورية، ليس لديهم ما يفعلونه؛ يبدون حزينين جداً، يجلسون على أكوام قمامة التاريخ. كنت أسرد حواري المعتاد عن الأشياء التي أحملها على إنكلترا والإنكليز، ولكي أُنهي، قُلت: "وهل تعلم أنه كان علينا الاحتفال بعيد ميلاد الملكة فيكتوريا؟" فقال في المدرسة التي ارتدتها، وسنوياً، كنا نقوم بإحياء ذكرى اليوم الذي ماتت فيه. قلت: "حسناً، بصرف النظر عن حقيقة أنها تنتمي إليكم، وبالتالي فإن أي شيء قمت به حيالها كان مناسباً، على الأقل علمتَ أنها ماتت". وهكذا كانت إنكلترا بالنسبة لنا –الملكة فيكتوريا واليوم المجيد لقدومها إلى هذا العالم، مكان جميل، مكان مبارك، شيء حي ومبارك، لا الأفراد القذرين الذين التقينا بهم. لا أستطيع أن أخبركم مدى غضبي عند سماع الأمريكيين يخبرونني عن مدى حبهم لإنكلترا، وكم هي جميلة إنكلترا، بتقاليدها. كل ما يرونه هو شخص هَرِم ومتغضن الوجه يمر بعربةٍ ملوحاً لحشد من الناس. لكن ما أراه هو الملايين من الناس، وأنا واحدة منهم، ممن أصبحوا أيتاماً: لا وطن أم ولا وطن أب ولا آلهة ولا عتباتٍ مقدسة، ولا فائض من الحب، حبٌ يجلب معه أشياءَ جميلة. والأسوأ والأكثر إيلاماً من كل ذلك، بلا لغةٍ أم. (أليس من الغريب أن اللغة الوحيدة التي أتحدث بها عن هذه الجريمة هي لغة المجرم الذي ارتكب الجريمة؟ ما الذي يعنيه هذا حقاً؟ فلغة المجرم يمكن أن تحتوي فقط على خير أفعال المجرم. يمكن للغة المجرم أن تشرح وتُعبّر عن الفعل فقط من وجهة نظر المجرم، إنها تفتقر لرعب وظلم الفعل، والعذاب والإذلال الذي لحق بي. عندما أقول للمجرم "هذا خطأ، هذا خطأ، هذا خطأ"، أو "هذا الفعل سيئ، وهذا الفعل الآخر سيئ، وهذا أيضاً سيئ جداً"، يفهم المجرم كلمة "خطأ" بهذه الطريقة: من الخطأ أن "لا" يحصل على نصيبه العادل من أرباح الجريمة التي ارتُكِبَت للتو؛ إنه يفهم كلمة "سيئ" بهذه الطريقة: أن يخون المجرم شريكه. عندما أقول "أشعر بغضبٍ شديد"، يتساءل المجرم "طب ليه؟" وعندما أخرج كل ما بداخلي وأجعل حياة المجرم غير صالحة للعيش (وحياتي أنا؟ ظروفها إيه؟) يُصعَق، يُفاجَئ. لكن ما من شيء يمكنه محو غضبي –لا الاعتذار ولا مبلغ كبير من المال ولا موت المجرم- لأن هذا الخطأ لا يمكن تصحيحه، وحده المستحيل سيجعلني أسكت: هل من وسيلة لجعل ما حدث لم يحدث؟

وهكذا تأمل هذه الزيارة المطولة التي أقوم بها لإرث المأساة، أنظر إلى مدى المرارة، مقدار الكآبة التي يجلبها لي مجرد الجلوس والتفكير في هذه الأشياء. درست في مدرسة سميت على اسم أميرة انكلترا. بعد سنوات وسنوات، قرأت في مكان ما أن هذه الأميرة تجوَّلت في جزر الهند الغربية (والتي شملت أنتيغُا، وتبرعت في تلك الجولة بمدرستي) لأنها وقعت في حب رجل متزوج، وبما أنه من غير المسموح لها الزواج من رجل مطلق تم إرسالها لزيارتنا للتغلب على علاقتها معه. لا أنسى كيف أن جميع أنتيغُا احتشدت لرؤية هذا الكائن الأميري، وكيف أُصلِح وطُليَ –بحيث يبدو جديداً- كل مبنىً ستدخله، وكيف توجب على كل شاطئ ستتشمس عليه أن بيدو وكأن لم يسبق لأحد أن تشمس عليه من قبل (أتساءل الآن ما الذي فعلوه مع البحر المسكين؟ أعني، هل يمكن جعل البحر يبدو وكأنه جديد؟)، وكيف أن كل مواطنٍ قابلته كان أفضل أنتيغواني لتلقاه، لم يخبرنا أحد أن هذا الشخص الذي بذلنا لأجله كل هذه الجهود، هذا الشخص الذي كنا مشغولين به كما لو كان الله نفسه، كان بيننا لسببِ شيء شائع، شيء عادي: لم تَسِرْ حياتها كما تأمل، فحياتها كانت فوضى عارمة. هل أعطيتك الانطباع بأن أنتيغُا التي ترعرعت فيها تتمحور تقريباً حول إنكلترا؟ حسناً، إن الأمر كذلك. لقد قابلت العالم عبر إنكلترا، وإذا أراد العالم مقابلتي، فسيتعين عليه أن يفعل ذلك من خلال إنكلترا.

هل تقول لنفسك: "لا تستطيع تجاوز كل ذلك. حدث كل ذلك منذ فترة طويلة. ثم كيف لها أن تعلم فيما لو انعكست الأمور أن لا يتصرف أسلافها بنفس السوء؟ ففي نهاية المطاف، ألن يتصرف الجميع بشكل سيّئ إذا ما سنحت لهم الفرصة؟"

لم يكن تصورنا لأنتيغا هذه –التصور الذي لدينا عن هذا المكان الذي يحكمه هؤلاء الأشخاص ذوي التفكير السيء- تصوراً سياسياً. كان الإنكليز وقحين، لا عنصريين؛ كانت ناظرة المدرسة شديدة الوقاحة، لا عنصرية؛ الطبيب كان مجنوناً –حتى أنه لم يتحدث اللغة الإنكليزية بشكل صحيح، وكان يأتي من بلدٍ اسمها غير مألوف، كما أنه لم يكن عنصرياً. كان الناس في نادي ميل ريف محيرين (لماذا تذهب وتعيش في مكان يقطنه أشخاص لا يمكنك تحملهم)، لا عنصريين.

هل سبق أن راودك سؤالٌ عن السبب في أن كل ما يتعلمه أمثالي منكم هو كيفية سجن وقتل بعضنا البعض، وكيفية الحكم بطريقة فاسدة، وكيفية أخذ ثروة بلادنا ووضعها في حسابات البنوك السويسرية ؟ هل سبق لك أن تساءلت عن السبب في أن كل ما تعلمناه منك هو كيف نفسد مجتمعاتنا وكيف نكون طغاة؟ عليك التسليم بأن هذا الخطأ يقع عليك بنسبةٍ كبيرة. دعني فقط أريك كيف ننظر إليك. جئت؛ أخذت أشياء لم تكن لك، حتى أنك لم تستأذن –من أجل التمويه-. كان بإمكانك أن تقول "ممكن آخد دي بعد إذن حضرتك؟" وعلى الرغم من أن النعم أو اللا لن يكون لها أية عواقب، لكن هكذا ستبدو أكثر كياسة. صدقوني، كان يمكن أن تسير الأمور بطريقٍ مختلف. كنت سأعترف بأنكم، على الأقل، مهذبين. لقد قتلتم الناس، سجنتموهم، سرقتموهم. افتتحتم بنوككم ووضعتم فيها أموالنا. كانت الحسابات باسمكم. كانت البنوك باسمكم. لا بد وأن يكون هناك بعض الأشخاص الطيبين بينكم، لكنهم بقوا في منازلهم. وهذا هو بيت القصيد. هذا هو السبب في أنهم طيبون. بقاؤهم في المنزل. ولكن مع ذلك، حين تفكر في ذلك، لا بد أن تكون حزيناً بعض الشيء. أمثالي، في نهاية الأمر، وبعد سنوات وسنوات من التحريض، ألقوا خطباً مؤثرة وبليغة ضد خطيئة هيمنتكم علينا، ثم لاحقاً، بعد العثور على جثث مشوهة لك، ولزوجتك وأطفالك في منزلك الجميل والواسع على أطراف مزرعة المطاط الخاصة بك –وجدها أحد الخدم المنزليين العديدين (لم يكن أي منهم، في أي وقت مضى، ملك لك؛ ولن يكونوا أبداً)- فتقول لي: "حسناً، أنا أتبرأ منكم، سأرحل" وترحل، ومن بعيد تشاهدنا نفعل لأنفسنا الأشياء ذاتها التي اعتدت أن تفعلها بنا. وقد تشعر أن هناك ما هو أكثر من ذلك، قد تشعر بأنك فهمت معنى عصر التنوير (على الرغم من أنني، بقدر ما أستطيع أن أرى، لم يجعلك ذلك إنساناً أفضل)؛ أحببتَ المعرفة، وأينما ذهبت تأكدت من بناء مدرسة، مكتبة (نعم ، وفي كل من هذه الأماكن قمت بتشويه ومحو تاريخها وتمجيد تاريخك). ولكن، مرةً أخرى، ربما عندما تلاحظ الكارثة التي أنا فيها الآن، الخراب المطلق المدعو حياتي، ربما تتذكر أنك دائماً ما شعرت بأن أمثالي لا يستطيعون إدارة الأشياء، فإن الناس مثلي لن يستوعبوا أبداً فكرة الناتج القومي الإجمالي، لن يكونوا قادرين على تولي الأمور الأكثر بساطة كالتي تتقنونها، لن يفهموا أبداً فكرة حكم القانون، أن أمثالي لا يستطيعون التفكير في المُجرَّد، وأننا لا يمكن أن نكون موضوعيين، فنحن نجعل كل شيء شخصياً. متناسياً دورك في كل هذا، أن البيروقراطية واحدة من اختراعاتك، وأن الناتج القومي الإجمالي أيضاً أحد اختراعاتك، وكل القوانين التي تعرفها والتي تصب، على نحوٍ غامض، في مصلحتك. أتعرف لما نخاف الرأسماليين؟ حسناً، لأننا، طوال معرفتنا بك، كنا رأسمالاً، مثل رزم القطن وأكياس السكر، وكنت من الرأسماليين القساة والوحشيين، وذكرى هذا الأمر حيّة، وآثارها لم تختفِ بعدُ، إننا لا نستطيع إجبار أنفسنا على اعتناق هذه الفكرة التي تشغل بالك كثيراً. أما بخصوص ما كنا عليه قبل أن نلتقي بك، لم يعد أمراً مهماً بالنسبة لي. فلا وجود لأزمانٍ تسيَّد فيها أجدادي، ولا توثيقاً لتجمعاتهم الحضرية، يمكن لها أن تواسيني. حتى لو كنت سليلة من عاشوا كالقرود على الأشجار، لكان ذلك أفضل مما وقع علي، أفضل مما أصبحت عليه بعد أن قابلتك.

وهكذا يمكنك أن تتخيل شعوري عندما وقفتُ، في يوم من الأيام في أنتيغُا، في شارع ماركت، أتلفت ذات اليمين وذات الشمال، أسأل نفسي: هل أنتيغُا التي أمامي، ذات الحكم الذاتي، أسوأ مما كانت عليه عندما كان يهيمن عليها الإنكليز السيئون، بأشيائهم السيئة التي أحضروها معهم؟ كيف أصبحت أنتيغُا على هذه الحالة؟ الإجابة التي تتردد على شفاه الأنتيغوانيين لسؤال "ما الذي يجري هنا؟" هو "الحكومة فاسدة. مجموعة لصوص، هوامير اللصوصية". تخيَّل إذن، المرارة والعار التي تعتمل فيّ حين أقول لك هذا. كنت أقف في شارع ماركت أمام المكتبة. المكتبة! لكن لما المكتبة في شارع ماركت؟ سألتُ نفسي. لما لم يُرمم المبنى القديم الذي تضرر في الزلزال الشهير منذ سنوات، المبنى الذي لديه تلك اللافتة التوضيحية تهدم هذا المبنى في زلزال 1974. بانتظار الإصلاحات، وتستعيد المكتبة مكانها الذي اعتادت أن تكون فيه؟ أو لماذا، بعد سنوات من هدم الزلزال لمبنى المكتبة القديم، لم تُبنى مكتبة جديدة؟ لماذا المكتبة فوق المتجر في مبنى قديم متهالك من الطوب الأسمنتي؟ أوه، قد تقول لنفسك، لماذا تبدو متأثرة بما أصبحت عليه المكتبة؟ لماذا ترى في المكتبة مثالاً جيداً عن الفساد، عن الأشياء التي انتهت بشكلٍ سيّء؟

لكن لو رأيت المكتبة القديمة، متربعةً هناك، مبناها الخشبي الضخم والعتيق، المطلي بالأصفر الجميل بالنسبة لأشخاص مثلي، مع الشرفة الواسعة، والنوافذ المشرَّعة دوماً، والرفوف المليئة بالكتب، طاولاتها الخشبية الجميلة وكراسي الجلوس والقراءة، إذا كان بمقدورك أن تسمع صوت هدوئها (الهدوء في هذه المكتبة بحد ذاته صوت)، رائحة البحر (وهو على مرمى حجرٍ منها)، حرارة الشمس (ما من مبنى يقينا منها)، وجمال جلوسنا هناك كأننا في طقس مناولة في الكنيسة، نتناول مراراً وتكراراً، خرافة ملتقانا بك، حقك في القيام بالأشياء التي فعلتها، كم كنت جميلاً، وستظل كذلك أبداً؛ إذا كنت تستطيع رؤية كل ذلك في لمحة واحدة، ستدرك لماذا ينفطر قلبي على كومة الروث التي أصبحتها مكتبة أنتيغا. لا يمكن للمكان الذي توجد فيه المكتبة الآن، فوق المتجر، في مبنى قديم متهالك من الطوب الأسمنتي، استيعاب جميع الكتب من المبنى القديم، فهو صغيرٌ جداً، وبالتالي فإن معظم الكتب، بدلاً من أن تكون في مكانها الجميل على الرفوف، تستريح دون عناء، في انتظار إِطْلَاعيَ عليك بكل عظمتك، في صناديق من الورق المقوى، يتآكلها العفن، أو الغبار، أو التلف.

في هذا المكان، لا يستطيع أمناء المكتبات الشباب العثور على الأشياء التي يريدونها، لستُ أدري ما إذا كان ذلك بسبب فوضى تخزين محتويات المكتبة لفترة طويلة في صناديق من الورق المقوى، أو بسبب سوء التعليم ما بعد-الكولونيالي الذي تلقاه هؤلاء الشباب. (يبدو معظم شباب أنتيغا اليوم أُمّيين. يتحدثون الإنكليزية عبر الراديو، حيث يعملون كمذيعي أخبار، كما لو كانت لغتهم السادسة. ذات مرة، حضرت مناسبةً –في سيرك- تدعى "مسابقة المراهقات". يستعرض المراهقون في هذه المناسبة، ذكوراً وإناثاً، على منصة الملعب، ويغنون أغاني البوب، وكانت أغنيتهم المفضلة أغنية شنيعة عنوانها "الحب الأكبر" –تتناول قصائد كتبوها عن العبودية- لديهم هوسٌ كافٍ بالعبودية –وعموماً بجعل أنفسهم حمقى- ما أدهشني أكثر لم يكن مدى درايتهم بهراء أمريكا الشمالية –مقارنةً بالشباب من جيلي، ممن كانوا على دراية بهراء إنكلترا- لكن على عكس جيلي، ما أدهشني هو غباؤهم، وعجزهم عن الإجابة بطريقة مباشرة، بلغتهم الإنكليزية الأم، عن أسئلة بسيطة عن أنفسهم، في عهدنا، ما كانوا ليسمحوا لهم بالصعود على خشبة المسرح المدرسي، أمام جمهورٍ أقل بكثير ممن كان في الملعب). تقضي أمينة المكتبة وقتها، على ما يبدو –وهي نفسها من أيام الاستعمار- متسائلةً ما إذا كان هناك أي شخص لديه المال أو النفوذ لمساعدة المكتبة، والاعتذار للناس –للأنتيغوانيين ممن عادوا إلى أنتيغا بعد غياب طويل- الذين أصيبوا بالصدمة والانزعاج من مرأى المكتبة تجثم فوق متجرٍ، متسائلةً ما إذا كانوا في نادي ميل ريف سيلينون في النهاية ويساهمون بأموالهم في بناء مكتبة جديدة، بدلاً من التمسك بموقف ترميم المكتبة القديمة أو لا شيء. (يحب من في النادي أنتيغا القديمة. وأنا أحبها. دون شك، لا نتشارك نفس الأنتيغا القديمة).

عندما كبرت وغدوتُ عضوةً في المكتبة، كانت هذه المرأة رئيسة أمناء المكتبة، مستبدة ومتغطرسة؛ مرتابةٌ منا (في حالتي، كان ذلك مبرراً؛ لقد سرقت عديد الكتب من هذه المكتبة. لم أكن أقصد سرقة الكتب، حقاً، إنها مجرد قراءة كتاب لم أستطع التخلي عنه)، لا يعني ذلك أننا لم نَقُمْ ببعض الأشياء السيئة. لا بد لهذه المرأة أن تكون فخورة جداً بعملها آنذاك وارتباطها بمثل هذه المؤسسة، لكنها الآن على النقيض مما كانت عليه سابقاً. كنتُ أذهب إلى تلك المكتبة أسبوعياً بعد ظهر السبت، وكانت المكتبة محطتي الأخيرة في جولة يوم السبت التي أقوم بها (حصة الغالي للتالي) –أجلس وأنظر إلى الكتب وأفكر في البؤس الذي أنا فيه (كنت طفلةً وما هو الطفل إن لم يكن شخصاً معتداً بنفسه)، فيما أحببت، فيما لم أحب، فيما أعجبني فقط، وهكذا. في عمر التسع سنوات على ما أعتقد كنت قد قرأت كل الكتب في قسم الأطفال (كانت مجموعة صغيرة جداً)، ولذا اضطررت إلى استخدام بطاقة عضوية والدتي لاستعارة الكتب من قسم البالغين. أهذه هي نفسها أمينة المكتبة، التي تقف الآن على عار ما غدا مكتبةً، التي اعتادت مراقبتي عن كثب، محاولةً التأكد من أنني لم أغادر المكتبة بكتب أكثر مما أُذِنَ لي، ومغادرتها بطريقة تعني أن هذه الكتب لن تُرى أبداً في أي مكتبة ما عدا مكتبتي. كانت هذه المرأة تراقبني عن كثب، وتتأكد من أنني لم أغادر وأنا أُخفي الكتب بين ساقي (كنت أظنها خدعة ذكية) أو في السلة التي أحملها وأضع فيها مشترياتي ليوم السبت. مرةً أخرى، هل يمكنك أن ترى السبب في أن المكتبة قد تعني شيئاً بالنسبة لي، ولماذا أشعر بالحزن عندما أراها ممسوخةً إلى وضعها الحالي؟ عندما كنت واقفةً في "شارع ماركت" وأنا أنظر إلى ما يسمى بالمكتبة، كان المبنى القديم الذي اعتادت المكتبة أن تشغله، قد احتلته فرقة السيرك. كان موضوع هذه الفرقة "ملائكة من المملكة"، وبدا لي أن هناك أمراً ما في هذا، وإن كان شيئاً غير مقصود، مجرد شيء، شيء مثل "ملائكة من مملكة البراءة". (وأزعم أنه من المنطقي لشيء ما من مملكة الثقافة أن يحتل مبنى كان يؤوي شيئاً من مملكة التعليم، لأن وزير التربية والتعليم في أنتيغا، هو أيضاً وزيرٌ للثقافة). حيث رفوف الكتب اعتادت أن تكون، حيث اعتادت الطاولات والكراسي الخشبية أن تكون، حيث اعتاد صوت الهدوء أن يُسمَع، حيث اعتادت رائحة البحر أن تَصِل، حيث اعتاد كل شيء في السابق أن يكون، أمسى مكانه الآن أزياء: أزياء ملائكة من المملكة. بعض الأزياء كانت للملائكة قبل السقوط، بعض الأزياء كانت للملائكة بعد السقوط؛ تلك التي تمثل ما بعد السقوط هي الأجمل. إذن ما طبيعة المكان الذي أصبحت عليه أنتيغا بحيث يُسمح لجماعة نادي ميل ريف بقول ما يريدونه؟ حيث يُسمح لهم بالعيش هناك بالطريقة التي اعتادوا العيش بها؟ أصبحت مكاناً سيئاً بما فيه الكفاية.

ثم ذهبت لرؤية امرأة ساهمت عائلتها في تأسيس نادي ميل ريف. ذكروها لي كشخص نشط للغاية في موضوع استعادة المكتبة القديمة. كنت أعرف هذه المرأة، لأنها مشهورة بتعاملها مع الأنتيغوانيين فقط إذا كانوا خدماً. بعد أن ذكرت لها المكتبة، كان أول ما أخبرتني به هو أنها شجعت دائماً بناتها وأطفال بناتها على استخدام المكتبة، وعَنَت ببناتها النساء الأنتيغوانيات الناضجات (على عكسي) اللواتي يعملن في محل الهدايا الخاص بها كخياطات وبائعات. قالت لي حينئذ ما يقوله الجميع في أنتيغا عاجلاً أم آجلاً: فإن الحكومة معروضة للبيع. يمكن لأي شخص من أي مكان أن يأتي إلى أنتيغا والحصول بمبلغ من المال على ما يريد. وكان علي أن أسأل نفسي، ما الذي يجب أن أشعر به تجاه الأشخاص الذين سلبوا مني الحق في الرد على هذه المرأة؟ لأني استطعت أن أرى المتعة التي ارتسمت في عينيها عند الإشارة إلى الدرك الذي وصلت إليه أنتيغا السود ذات الحكم الذاتي. على أية حال، أرادت هذه المرأة وصديقاتها في نادي ميل ريف استعادة المكتبة القديمة، لكنها قالت إنها لا تعلم ما إذا كانت ستتمكن من القيام بذلك، لأن هذا الجزء من سان جون سيتم تطويره وتحويله إلى محلات تجارية صغيرة -بوتيكات- بحيث أنه عندما يأتي السياح يمكنهم شراء كل تلك الأشياء البغيضة التي يشتريها السياح دائماً، كل تلك الأشياء البغيضة التي يأخذونها إلى المنزل، ويضعونها في بيوتهم، والتي عند وفاتهم يتعين على أبنائهم أن يتخلصوا منها. كنت قد سمعت من العديد من الناس أن الشخص الذي أراد تطوير هذا الجزء من سانت جون أجنبيٌ، ومطلوب للعدالة في الشرق الأقصى لاختلاسه من الحكومة أرباح النفط، رجل مشهور جداً بأنه لا يستطيع السفر بجواز سفر بلاده ولكن يسافر بجواز سفر دبلوماسي صادر عن حكومة أنتيغا! عندها قلت لنفسي يجب أن أسأل وزير التربية والتعليم عن المكتبة.

أنا متأكدةٌ بأنني سأسمع منه جواباً مفيداً لسؤال لما كل هذه المدة والجزيرة –التي كان شعار استقلالها "شعب نكوِّنه، بلدٌ نبنيه"- بلا مكتبةٍ لائقة؟ لكن عندما أردتُ طرح هذا السؤال عليه كان في ترينيداد يحضر مباراة كريكيت، كونه ليس فقط وزيراً للتربية والتعليم ووزيراً للثقافة، بل أيضاً وزيرٌ للرياضة. في أنتيغا، الكريكيت رياضة وثقافة في نفس الوقت. (على العموم دعوني أخبركم أمراً عن وزراء الثقافة: حيثما يوجد وزيرٌ للثقافة، يعني ذلك أنه لا توجد ثقافة. أسمعتم عن ثقافةٍ نشأت تحت مظلة وزارة الثقافة؟ دولٌ بوزراء ثقافة حريٌ بها أن تشبه دولاً بعطلة حرية، أتذكرونها؟ أقرَّت المحكمة العليا في الولايات المتحدة، قبل أسبوع من عطلة الحرية، بأنه لا يحق للبالغين فعل ما يحلو لهم خلف الأبواب المغلقة لغرف نومهم. ظننتُ أن الخجل قد اعترى أصحاب فكرة عطلة الحرية –بسبب هذا التنكر للحرية- لدرجة أنهم سيلغون الأمر برمته، ولكن هيهات؛ فقد احتفلوا بعطلة الحرية، في بلدٍ صارت حريتها أقل مما اعتادت عليه. أوجدوا في البلدان التي ليس لديها ثقافة أو تخشى عدم امتلاكها، وزيراً للثقافة. على أي حال، ما هي الثقافة؟ إنها طريقة الدق على الطبول مثلاً، في مكانٍ آخر هي طريقة التصرف في الأماكن العامة؛ وفي أماكن أخرى، هي طريقة طهي الطعام. إذن ماذا هنالك لكي نحافظ عليه حيال هذه الأشياء؟ ألا يوجد الناس الثقافة مع الوقت، وحسب احتياجاتهم؟).

أوه! أتصور أنه لمن الأفضل أن وزير الثقافة لم يكن في أنتيغا حينها، لأنني لم أكن أعرف كيف لهذا الرجل أن يُعجب بي أو بأي شيء قد أقوله. يَصْدُفُ أن أمي مشهورةٌ في أنتيغا إلى حد ما بسبب آرائها السياسية. إنها صريحة بشكل شبه مؤلم، لا قبيل لها على الاحتفاظ لنفسها بأي رأي لديها –ولديها الكثير من الآراء حول كل شيء تقريباً-. كانت والدتي، في وقت من الأوقات، من المؤيدين للحزب السياسي الثاني الناجح. في السنوات التي انتخب فيها الأنتيغوانيون حكوماتهم –انتخبوا مرة واحدة فقط حزباً سياسياً آخر غير الموجود حالياً في السلطة- في إحدى الحملات الانتخابية، كانت أمي تضع ملصقات حزبها على عمود إنارة أمام منزل وزير الثقافة. عندما سمع الوزير جلبةً كبيرة (لم تكن والدتي تفعل ذلك إلا بصخب كبير) في الخارج ورأى أنها والدتي، وقال –لربما هامساً- "ما الذي تفعله هذه المرأة الساقطة هنا؟" أجابته أمي: "قد أكون امرأة ساقطة، لكنني امرأة طيبة. لا شخصاً يسرق الطوابع من ريدوندا". أياً كان ما عناه ذلك لوزير الثقافة، فلم تخبرني والدتي عنه، لكنها جعلت الوزير يستدير ويعود أدراجه إلى داخل منزله دون أن ينبس ببنت شفة.

ريدوندا عبارة عن جزيرة قاحلة في البحر الكاريبي –في الواقع أقرب إلى جزر مونتسيرات ونيفيس من أنتيغا، ولكن لأسبابٍ يعرفها فقط الإنكليزي الذي قرر ذلك، جُمِعَت ريدوندا وجزر باربيودا وأنتيغا معاً لتكوِّن دولة واحدة. عندما يتحدث الأنتيغوانيون عن "الأمة" (وهم يقولون "الأمة" دون سخرية)، فإنهم يشيرون إلى جزيرة أنتيغا العطشى ذات 9×12 ميل؛ ويشيرون إلى جزيرة باربيودا، وهي جزيرة أصغر من أنتيغا (استوطنت باربيودا عائلة من إنكلترا تدعى كوندرينغتون "Condrington"، وكانت هذه العائلة متخصصة في تربية مجموعات خاصة من السود، ثم بيعهم في سوق الرقيق)؛ ويشيرون إلى صخرة صغيرة جرداء، حيث يعيش فيها فقط طيور الأخبل، بريدوندا. ذات مرة كان هناك فضيحة حول الطوابع الصادرة لأجل ريدوندا. حصلوا على الكثير من الأموال من وراء هذه الطوابع، ولكن ما من أحدٍ يعرف إلى أي يدٍ وصل هذا المال أو أين انتهى المطاف بهذه الطوابع. من أين أتت كل هذه الطوابع بألوانها المتعددة؟ أعني، فكرة من هذه؟ فلا يوجد في أنتيغا مصممي طوابع على كشوف الرواتب الحكومية؛ ولا يوجد مبنى يضم الأصباغ والورق الذي تطبع عليها الطوابع؛ لا يوجد قسم للطباعة أصلاً. إذن من الذي يقرر طباعة طوابع للاحتفال بعيد ميلاد ملكة إنكلترا؟ من الذي يقرر الاحتفال بعيد ميلاد ميكي ماوس؟ من يقرر بأن الطوابع في هذا الجزء من العالم يجب أن تكون ملوّنة وبراقة لا قاتمة وباهتة، قل مثلاً، كطوابع كندا؟ أتخيلُ أنه في مكان ما يوجد هيئة للطوابع، وأنه من وقت إلى آخر يقرر أعضاؤها ما هو الأفضل لمصلحة الهيئة مالياً، ويصدرون هذه الطوابع إلى الدول الساذجة والمسكينة مثل أنتيغا.

في مكان صغير، يحيا الناس أحداثاً صغيرة. أحداثٌ تُعزَل ، تنفجر، تعاد مراراً وتكرراً، ثم تُمتَصُ في دوامة الحياة اليومية، بحيث من الممكن وبمقدورها في أي لحظة أن تُلاك على ألسنة سكان المكان الصغير. بالنسبة للناس في مكانٍ صغير، كل حدث هو حدث محلي؛ لا يمكنهم رؤية موقعهم في الصورة الكبرى، لا يمكنهم أن يروا أنفسهم كحلقة في سلسلة ما، أو أياً يكن. يرقبُ الناس في المكان الصغير الحدث متجهاً نحوهم مباشرةً ويقولون: "أراه يتجه نحوي". ثم يختبرونه وكأنه يجثم فوق رؤوسهم وعلى أكتافهم، وينوء بثقله عليهم، هذا العبء الهائل هو الحدث، فلا يستطيعون التنفس بشكل جيد ولا التفكير بشكل سوي، يقولون: "هذا الشيء الذي كان قادماً نحوي غدا الآن فوقي"، ويعيشون على هذا النحو، حتى في نهاية المطاف يتشربونه ويصبح جزءً منهم، وجزءً من ماهيتهم الحقيقية، ثم تدور العجلة مرة أخرى ليأتي حدث آخر وتعود حليمة لعادتها القديمة.

لا يمكن للأشخاص في مكان صغير تقديم سردٍ دقيق وكامل عن أنفسهم. لا يمكن للأشخاص في مكان صغير تقديم سردٍ دقيق وكامل للأحداث (ولو كانت بسيطة). ولا يمكن أخذ هذا عليهم؛ فمن غير الممكن تقديم سردٍ دقيق وكامل حول أي شيء، أنّى كان. (فالتفاصيل الدقيقة كساعة ويوم وسنة إبحار بعض السفن هي تفاصيل دقيقة في صورةٍ ما، قصةٍ ما، ولكن الصورة نفسها، القصة نفسها تعتمد على أشياء لا يمكن أبداً اختزالها وتثبيتها). لا يمكن للناس في مكان صغير أن يهتموا بالدقة، أو الشمولية، لأن ذلك يتطلب تقديراً دقيقاً، ودراسة متأنية، وحكماً دقيقاً، واستجواباً دقيقاً. يتطلب ذلك اختراع المستحيل داخل ما يمكن إنجازه من هذه الأشياء. وسيتطلب إعادة نظرٍ، وضبطٍ، في الطريقة التي يفهمون بها وجود الوقت. بالنسبة للناس في مكان صغير، فإن تقسيم الزمن إلى الماضي والحاضر والمستقبل غير موجود. قد يكون الحدث الذي وقع قبل مائة عام راهنياً كما لو أنه يحدث في هذه اللحظة بالذات. ومن ثم، فإن الحدث الذي يحدث في هذه اللحظة بالذات قد يمر أمامهم غامضاً وكأنه جرى قبل مائة عام. ما من فعلٍ في الوقت الحاضر مخطط له بهدف التأثير على المستقبل. عندما يجيء المستقبل حاملاً معه أحداثه الخاصة –أحداثٌ يُعزى أصلها إلى المجهول- يفغرون أفواههم ويُفَنْجرون أعينهم لشدة دهشتهم؛ يبدو الناس في مكان صغير وكأنهم أطفال يشاهدون أسرار خدعةٍ سحرية.

يتحدث الناس في أنتيغا عن العبودية كما لو كانت قوافلَ سفنٍ كبيرة مبحرة في عرض البحر، مملوءةً بالحمولة البشرية –أسلافهم؛ حيث سيقوا وأُجبِروا على العمل في ظروف قاسية وغير إنسانية، وضُرِبوا وقُتِلوا وبيعوا، وأُخِذَ منهم أطفالهم وغابوا عنهم للأبد، بالإضافة للكثير من الأشياء السيئة الأخرى، وفجأة ينتهي الأمر كله بشيء يسمى التحرر. يتحدثون عن التحرر نفسه كما لو أنه حدث في اليوم التالي، وليس عقب مائة وخمسين سنة! تُستَخدَمُ كلمة "التحرر" بشكل متكرر، كما لو أن التحرر حدثٌ معاصر، شيءٌ مألوفٌ لدى الجميع. لننظر إلى أمرٍ مهم، أعني احتفال مدرسة التدريب الفندقية في أنتيغا –مدرسةٌ تُعِدُّ الأنتيغوانيين ليكونوا خدماً جيدين، ونكرات صالحين، وما هو الخادم إن لم يكن كذلك-، لا يمكن للناس رؤية العلاقة بين هوسهم بالعبودية والتحرر واحتفالهم بمدرسة التدريب الفندقية (تُبث مراسم التخرج في الإذاعة والتلفزيون)؛ ولا يمكن رؤية العلاقة بين هوسهم بالعبودية والتحرر وحقيقة أنهم محكومين برجال فاسدين، أو أن هؤلاء الرجال الفاسدين قد باعوا بلادهم للأجانب الفاسدين. جاء من يحكمون أنتيغا إلى السلطة بانتخابات حرة. بسبب الأَسْر والاستعباد للسود، لا يكاد أي عبدٍ أن يشير لمن أسَرَه/ـا وسلمه/ـا إلى السيد الأوروبي. أهمل الأنتيغوانيون، بسبب حكومتهم الفاسدة، القول أنه خلال عشرين عاماً من شكل أو آخر من أشكال الحكم الذاتي قد أوصلوا، باستثناء مرةٍ واحدة، الحكومة الحالية إلى السلطة.

أنتيغا مكانٌ صغير. مكانٌ صغيرٌ للغاية. في أنتيغا، لم يتحول الحدث إلى حدثٍ يومي فحسب، بل تحول كذلك كل يوم إلى حدث. (في يوم السبت، في السوق، اصطدم صدفةً شخصان لم يسبق لهما أن التقيا من قبل؛ هذا التصادم العرضي أدى إلى شجار كبير –دراما بالفعل- حيث وقف كل منهما على طرف الشارع يزعقان على بعضهما بأعلى صوت، وسرعان ما يصبح هذا الحدث حدثاً يومياً، وفي كل مرة يلتقي فيها هذان الشخصان، أحياناً عن طريق الصدفة، وأحياناً عن عمد، يبدأ الصراخ والشتائم). إلا أن تحول الحدث إلى حدث يومي وتحول اليوم إلى حدث لا يُبقي الحدث واليوم، في حالة ثابتة. يغدو الأنتيغوانيون ويجيئون ويتبادلون الأدوار، يعتمد وضعهم من يوم إلى آخر على التنويعات والاختلافات الداخلية، بينما القوى التي تتلاعب بهذه التنويعات والاختلافات الداخلية تظل غامضة ومجهولة عمداً. قد لا يعرف الأنتيغوانيون لماذا هم هكذا، ولماذا يفعلون الأشياء التي يفعلونها، ولماذا يعيشون بالطريقة التي يعيشون فيها في المكان الذي يعيشون فيه، ولماذا حدثت الأشياء التي حدثت لهم، فقد يقودهم ذلك إلى علاقة مختلفة مع العالم، وهي علاقة أكثر إلحاحاً، علاقةٌ لا يكونون فيها ضحية طول الوقت لكل فكرة سيئة قد تخطر في ذهن الآخرين؟ وقد لا يعرفون لماذا هم هكذا ولماذا يفعلون الأشياء التي تنزل في مكانها المناسب لكل يوم ولكل حدث، بحيث لا يتم إنفاق كميات استثنائية من الطاقة على توافه الأمور، بينما يتم تجميع الأشياء الهامة والجوهرية (ببراعة) في صيغة ("لقد فعل هذا ثم فعل ذلك")؟ أنظرُ إلى هذا المكان (أنتيغا)، أنظرُ إلى هؤلاء الناس (الأنتيغوانيون)، ولا أستطيع أن أقول ما إذا من عشت بينهم أطفالٌ بريئون أنقياء، أو فنانون لم يعثروا بعد على مكانة بارزة في عالم أغبى من أن يفهمهم، أو مجانين أبدعوا الجنون الخاص بهم، أو من مزيج فاتن من الثلاثة.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020