• Anas Ad

مشاهد القيامة (1-3) | من فرانكشتاين في بغداد إلى المشطور في البصرة

أنس الأسعد

توطئة:

عند معالجة نصوص الأدب الفنتازي (العجائبي) ليس أمتع من تعشيقها بصنوها التراثي، لتأخذ هيئة الموازاة بين لا معقول ومعقول، أو بالأحرى بين مرفوض ومقبول، لا لعقلٍ حقيقي موجود في المقبول التراثي يُسوّغه لنا، إنما لقوّة نُحكَم من خلالها، وتَفْرِض نفسها علينا... عندها يغدو ما يفصلُ بين الاثنين خطاً من الرمل ليسَ أكثر!


يبدو العالم المُشترك للفنتازيا والتراث خفيفاً هناك خلف الجبال المقدسة، حيثُ التحرّر من شروط الأرض وجاذبيتها الجغرافية والأخلاقية، بيد أنّ المشكلات لا تنتهي وتظلّ تخترق الواقع، فعندما نريد تمثيل تلك العوالم ونقلها إلى حياتنا، يقفز التراث الديني بشرطه الثقيل، ليحاكم ويقيّم بالرغم أنّ الديني في جوهره: هو الأسطورة الأقوى التي قمعت وجرّمت باقي الأساطير والحكايا، وانتصرت عليها بالنهاية.


أمّا الأدب، وخاصّة في العصر الحديث فهو سليل تلك المحاولات التمثيلية، حتى مع سقوط الأساطير عن سيادتها السحرية العتيقة نتيجة تقدّم مفاهيم التنوير والعقل ودحض الخرافة، إذ بقي الصراع بين مدارس الأدب يشتغلُ على محور التساؤل "فيمَ نخيّلُه؟" أو ما نستعين به كلّما توحّش الواقع؟ لكن ما نريد قوله هنا: ليس المقابلة بين خرافة دينية منتصرة وأخرى مهزومة، فهذا الأمر قد لا يعنينا الآن، بقدر ما نريد الذهاب إلى نوع من التواطؤ في قراءة الأدب وكيف يصوغ هو الآخر ]الأدب[ خرافاته الخاصّة، بعيداً عن الامتثال والاتعاظ بـ"واقعية"، بالمقابل قد لا تنساق القراءة بسهولة إلى التخييل، وقد تستنكف أيضاً عن أيّ تواطؤ، وهذه إحدى المُحاكمات القَبْليّة التي توجَّه للأدب الفانتازي عادةً.


من كان يعبدُ فرانكشتاين؟


مرّة ثانية إنّ الإشارة إلى النص الفنتازي من باب التراثي يُحتِّمُ متابعة عملية التمثيل، فأيّ موت يُمْكن أن يُلمّ بفرانكشتاين في بغداد هو أساساً مجموع أشلاء موتى وتعاويذ خرافية، وأيّ حياة ستلتبسُ بمشطور من البصرة فصله داعشيٌّ بمنشاره إلى قسمين فما كان منه إلا أن أكملَ رحلة العراق المأساوية بفصل كوميدي أخير.


يُقدّم لنا الروائيان العراقيان: أحمد سعداوي (1972)، وضياء جبيلي (1977)، في هاتين الروايتين، سيرتين محفوفتين بالاستعارات ابتداءً من العنوان، فالأوّل صاحب الرواية الفائزة بالبوكر العربي لعام (2014)، أخذ عنوانه عن الروائية الانكليزية ميري شيلي، التي مرّت المئوية الثانية لروايتها فرانكشتاين (1818) منذ عامين. أمّا الثاني فقد أخذ عنوان روايته عن الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو صاحب الفيسكونت المشطور، (1952).


ما إنْ صدرت رواية سعداوي ثم مع تمكّنها من البوكر العربي، ووصولها اليوم إلى القائمة القصيرة للمان بوكر العالمية، وترجمتها للإنكليزية، بدأت الانتقادات والكلام حول الأصالة الإبداعية وعن العناوين التي تضع القارئ في الموضوع مباشرة، بتعبير الأديب والناقد فيصل درّاج.


لكنّ بعد ثلاثة أعوام من جدل البوكر عند سعداوي، جاءت رواية المشطور لضياء جبيلي لتكمّل ــ ربّما من غير قصد؟ــ خطّ الرواية الأولى، وإنْ بقالب هزلي، فلمّا هزلت فرانكشتاين في بغداد من الواقع المرعب بأدب تراجيدي مُرعب هو الآخر، فإنّ المشطور ستهزل لا من واقعها فحسب بل من ذاتها الكاتبة أيضاً. وعليه ليس كافياً القول النقدي عن مثل هذه الروايات، والخط الفنتازي الذي تمثله: إنها محض قَـصٍّ للإطار عن نسخات غربية أصلية، إنّما هي محاولة في المعارَضة الأدبية لم تكتفِ أبداً بقصّ الإطار ولصقه على واقع عراقي مُغاير بل تفجير لمواضعَ جمالية ضمن ذلك الإطار، وهذا يُحسبُ لأصحابها ولا يبخسُ من قيمة تحدّيهم على الإطلاق.


هذا ولم نقُل شيئاً عن أحد وجوه المعقول والواقعية (خارج الرواية) كأنْ تذهب بالتّناص الروائي نحو شيلي أو كالفينو فهذا على الأقل يحفظُ موطأ قدم للمساهمة بأدب كوني يُترجَم ويصل، وتشتبكُ فيه أقلامٌ لا شرقية ولا غربية شتّى، وبالتالي هو أحقّ وأولى أن يُتّبعَ اتقاءَ التورّط بإحدى ورطاتنا التراثية (حسبك أن ترى هذه الصحيفة المُستلذّة في غرقها برمال التأصيل) التي قد تُفْهَم من وراء مقولة الأصالة الإبداعية. بالنهاية إنّ الرواية كفنٍّ نثريٍّ حديث لم تخرج بالتأكيد من جبّة الجاحظ ولا عمّة المتصوفة.


من كان يعبُد المشطور؟


وضع كالفينو الفيكونت المشطور ضمن ثلاثية روائية أطلق عليها تسمية أسلافنا فهو من خلالها أراد أن يوضّح شجرة نسب الإنسان الأوربي الحديث إنما بقالب يبتعد عن التأطير التاريخي والواقعي، وبذلك يكون كالفينو قد اقترب من إشكالية الماضي أو التراث وحضوره، بتلميحه إلى أنّ أعجوبته التي سيقدمها على علاقة ما بالسّلَف. ولو أنّه شحنَ روايته الموجزة بالكثير من العِبَر والإشارات، خاصّة وأنّ راويها طفلٌ يتأمّل حالَ خاله الفيسكونت الذي عاد من حرب الأتراك مشطوراً إلى نصفين، وتابع حياته على هذا القوام المنفصل بين جزأيه الأيمن والأيسر. هنا تبدو بدهية امتزاج الخير والشر وكونُهما طبائعَ أصيلة في النفس البشرية لا يمكن إلا أن تؤخذ بعبث مصيري إن هي عُزلت دون الأخرى.


عـبَرَ كالفينو ومشطورُه من ثغرة التردّد الكائنة بين استخلاص العِبرة والعبث بها، والتي تمثّل كلٌّ منهما بدايةَ ونهاية الحكاية. في حين قام جبيلي بتوسيع تلك الثغرة أو تفجيرها والإجهاز على أيّ ورطة تعقّد الطرق الشرعية على مشطوره لينفذ إلى بغداد، فخلاصه هناك في تلك المدينة، وبذلك يكون قد استأثر بالعبث دون غيره، مُتخلّصاً من كل عائق غيرَ آبه بالعبرة التي يريد توضيحها لقارئ ما، إنما مأخوذ بالعبور فقط، وبتسخير كلّ القوى الخارقة والحظوظ والمصادفات التي ستفشل في التئام نصفي جسد بطله صاحب الاسم الأحفوري العريق ميزوــ بوتاميا.


فإنّ فرانكشتاين قد مات


كائنُ الخلود، كائن الشباب الطَّموح الذي ركّبته ماري شيلي بنت التاسعة عشر من عمرها، ليس بعيداً أيضاً عن تقفّي أثر السلف والسخرية منهم، فالكاتبة الإنكليزية التي لم توفّر احتجاجاً فاضت به شفتي مخلوقٍ متورّط باتجاه خالق مُورِّط، إلّا وجعلت مخلوقها الذي لا اسم له يتفوّه به ويفجّره ضد خالقه الطالب والمخترع الشاب فرانكشتاين.


كما أنّها لم تقتصر في بناء روايتها على ميول ورغبات النزعة القوطية في الأدب التي كُتبت في سبيلها رواية الرعب هذه، إنما طعّمتها أيضاً بأفكار شعرية رومانسية من آلام فارتر لغوتّه، إلى ملحمة الفردوس المفقود لجون ملتون، الملحمة التي يبدو أثرها جليّاً باستعارة شيلي مقاطع مباشرة منها حول أسطورة الخلق الآدمي والدور المأساوي الذي خلّفته تلك العملية على من رفض التسليم بتبعاتها ونتائجها. "حريٌّ بي أن أكونَ كآدم لكَ لكنّي صرتُ كإبليس الذي حرمته من السعادة دون جريرة". كذلك يقول المخلوق المرعب لخالقه فرانكشتاين في لحظة عَـتْبٍ وتشفٍّ.


فإنّ المشطور حيٌّ لا يموت


في مقاله ديالكتيك الخوف، يذهب الناقد الإيطالي فرانكو موريتي إلى أنّ المسوخ الحديثة من مخلوق فرانكشتاين (شيلي) إلى دراكولا (جون بوليدوري) هي مسوخ تعيش إلى ما لا نهاية وتفتح العالم، ولو أنّ دراكولا ظلّ رهين قلعة قروسطية أكثر من الأول. أمّا في نسختنا العربية من الشسمه حسب اللهجة العراقية، فإنّ كائن الخلود الذي روّع المدينة بأحقاده لا يقوى أن يغزو العالم ويخرج من مَحبسه البغدادي ولو أنّه في أساس وجوده محض ضحيّة أو مجموع أشلاء لجسد عراقي مغدور مزقته أيادٍ شتى غازية ومحتلّة، وبذلك ينتهي ديالكتيك الخوف على يد التراجيديا التي بثّها سعداوي في مصير بطله، وكأنّه يحيل إلى مقولة ماكرة عن أنّ الوحوش خرافية لكنّ الخوفَ واقعيّ وحقيقيّ.


ولمّا كان مَكرُ التراجيديا أودى بالأبطال الطامحين للخلود، فإنّ هذا الأخير قد يأتي غثّاً دَبِقاً غيرَ مُكترَثٍ به لمن لا يريده، ولمن تبدو حياته أصلاً مأزومة ويعاني صاحبها من مشكلات كثيرة معها. من هنا نعم يكون العبث قد نجّى المشطور عند جبيلي من متلازمة الخلود ألأحفورية الأثيرة لدى كُتّاب العراق، على عكس الرعب الذي أودى بفرانكشتاين عند سعداوي، حتّى بدا كلُّ واحد معكوس الآخر، ولو أنّ جدلية واحدة تجمعهما.

يُتبع..

كاميرا المُتلمِّس


240P

يضغط سؤال الذكاء الاصطناعي بقوّة على كلّ شيء في حياتنا اليوم حتى الأدب، ومنه الجدل الدائر على وسائل التواصل عندما قلّل مارك زوكربيرغ من مخاوف الناس والكلام عن الربط بين نهاية البشرية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، ليأتيه الرّد السريع من أهم مطوّري الذكاء الاصطناعي وصاحب شركة تسلا إيلون ماسك معتبراً فهمَ زوكربيرغ للموضوع محدوداً. باختصار إنّ تخوّفات ماسك لا علاقة لها أبداً بأي نوع من رهاب التكنولوجيا، بقدر علاقته بسؤال أكثر جدّية وهو احتمالية انقراض الجنس البشري.

في سياق مُتّصل عندما سئلت ميري شيلي عن فكرة المخلوق العجيب وأصلها؟ أجابت إنها أتت من حديث عن تجربة تُنمَى إلى دارون "دودة ميّتة وُضعت في قارورة، تركها، وعاد فلم يجدها" أغمض اللورد بايرون عينه عن هذه الفكرة المبتذلة فتبنّتها شيلي وصنعت منها رواية. بعد مئتي عام يبدو لسان حال ماسك يقول لزوكربرغ ما قاله فرانكشتاين حول الطموح القاتل، إذ ليس صعباً أن ننقرض، وأنّ من تركنا في قارورة الوجود قد يعود فلا يجدنا.



1080 HD

في كتابه الفلاحة النّبطية، يُخبرُنا ابن وحشيّة، عن أنّ محاولات التخليق، مثلها مثل محاولات الخيمياء (تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب) وإكسير الحياة (البحث عن الخلود) فمثلاً عنكبوت السّاحر استطاع تخليقَ كائن مسخيّ، لكن من غير أن يقول لنا كيف تمكّن من ذلك؟ ولا لماذا لم يستطع هذا الكائن الهوامي من الكلام؟

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020