محنة السياب


-من أرشيف الكاتبة.
-من أرشيف الكاتبة.

مادة لـ: تحية الخطيب*

غيوم... برد... كآبة... أصوات مدافع من بعيد...

الحرب الإيرانية العراقية كانت قائمة؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين كنّا نعيشُ في البصرة على خط المواجهة مع إيران، أي أن المنطقة تعدُّ جبهة حرب، وقد اعتدنا العيش في الظلام مع تساقط الصواريخ والقذائف.


ذات مساء، أنهيت دوامي في المستشفى وأخذت أطوي بسيارتي طريق الزبير متجهة نحو مقبرة حسن البصري التي تبعد 25 كم عن مسكني في البصرة، وفيها قبر شاعر التجديد بدر شاكر السياب؛ الذي لن أتحدث عن حياته التعيسة أو أشعاره، فقد كتب عنه عشراتُ النقاد والأدباء كثيراً من الكتب، ومن أفضلها كتاب الناقد الجهبذ إحسان عباس، ولكن لا بُدَّ لي من الإشارة إلى أنه من أوائل المجددين في الشعر العربي مع نازك الملائكة وقبلهما لويس عوض وأحمد باكثير وآخرين. لكنَّ السياب أبدع وأجاد في سلسلة من الدواوين الرائعة، كما أنه كان أول شاعر عربي يستعمل الأساطير المتنوعة في شعره وبتمكّن.


كان ذلك اليوم ذكرى وفاته، فاستقبلني الدّفّان الذي أعرفه من سنين، وكان قد حكى لي كيف أن السياب مات غريباً في الكويت وأحضر جنازته صديقه الشاعر الكويتي علي السبتي مع شخصين فكان عدد المشيعين ثلاثة، في يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 1964، وكان يوماً غزير المطر، ربما كان المطر يودّع السياب لكثرة ما كتب عنه من جميل الأشعار؛

مطر...

مطر...

أتعلمين أيَّ حزن يبعث المطر؟

وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟

بلا انتهاء- كالدم المراق، كالجياع،

كالحب، كالأطفال، كالموتى – هو المطر!


كان الدفّان مستغرباً جداً من شدة نحافة المرحوم، ومن شدة شحوبه وكأنه غصن كبير جاف...

قلب لي الدفان «تنكةَ» (صفيحة معدنيّة) ووضع عليها، وسادة عتيقة حيث جلستُ لأشرب الشاي معه من إبريق مسوَدّ يغلي على الحطب.

في العام التالي في يوم 24 كانون الأول، أي ذكرى وفاة الشاعر والحرب العراقية الإيرانية ما تزال مشتعلة الأوار، والبصرة قد أمست مدينة أشباح، خرجتُ من المستشفى بسيارتي واتجهت إلى بيت الشاعر في جيكور في منطقة «أبي الخصيب» بالبصرة، في طريق أفعواني يتلوى بين بساتين النخيل والأشجار والنهيرات في منظر أخاذ حتى وصلتُ إلى «منزل الأقنان»، بيت جد بدر الذي ربَّاه يتيماً. وقد كتب بدر عنه قصيدة هذا بعضها:

خرائب فانزع الأبواب عنها تغدُ أطلالا

خوالٍ قد تصكُّ الريحُ نافذة فتُشرعها إلى الصبح

تطلّ عليك منها عينُ بومٍ دائبِ النوحِ

وسلمها المحطم، مثل برج دائر، مالا

يئنُ إذا أتته الريحُ تُصعده إلى السطح

سفينٌ تعركُ الأمواجُ ألواحه.

أمام المنزل، لفتت نظري نبتة صبار ضخمة متشابكة لم أرَ أكبر منها في حياتي، وقربها رجل مسن يشبه السياب، ظننته من أقربائه. دخلت البيت المهجور، مدخله واسع، على جانبيه دكتان واسعتان للجلوس، ثم ينفتح على باحة واسعة حولها غرف كثيرة، ورأيت السلم فارتقيتُ إلى السطح الطيني الرّطب من الأمطار، وهو يطل على البساتين، أي على لوحة خضراء زاهية، وشعرت كأن السطح يتحرك تحت أقدامي فهبطت إلى ساحة البيت القديم الذي عُمّرَ لاحقاً وأصبح متحفاً وأحيانا تعقد فيه ندوات شعرية.

خُيِّلَ إلي كأنني ألمح طيفاً عابراً للشاعر... ربما كان ممتناً لتذكري إياه وزيارة منزله، وربما كانت تلك هلوسات لتوتّري من استمرار الحرب ومن الوحدة... ثم مشيتُ إلى نُهير جيكور حيث عاش الشاعر وكتب عنها وعن «أفيائها» الكثير:

نافورة من ظلال، من أزاهير

ومن عصافير

جيكور، جيكور، يا حقلاً من النور

يا جدولاً من فراشات نطاردها

في الليل، في عالم الأحلام والقمر

ينشرن أجنحة أندى من المطر

في أول الصيف

يا باب الأساطير

وكذلك كتب الشاعر قصائد أخرى منها «جيكور والمدينة» ومنها:

جيكور خضراء

مسَّ الأصيل

ذرى النخل فيها

بشمس حزينة...

وإلى «بويب» النهر الذي خلَّده السياب شعرياً حيث قال في قصيدة «النهر والموت» من ديوانه الأشهر «أنشودة المطر»:

بُوَيْب...

بُوَيْب...

أجراس برج ضاع في قرارة البحر.

الماء في الجرار، والغروب في الشجر

وتنضح الجرارُ أجراساً من المطر

بلورها يذوب في أنين

"بويب... يا بويب"

فَيدلَهِّمُ في دمي حنين

إليك يا بويب،

يا نهري الحزين كالمطر.

أودّ لو أخوضُ فيك، أتبع القمر

وأسمع الحصى يصلُّ منك في القرار

أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

فالموتُ عالم غريب يفتن الصغار،

وبابه الخفي كان فيك يا بويب...


وأنا أسير، كنت أفكر في أن الشاعر قد مرَّ في هذا الطريق وإياه!

قرأت الفاتحة وترحّمت عليه، وعدت أدراجي أشدَّ حزناً مما ذهبت، فحياة بدر مأساة إنسانية حقيقية؛ فقد ماتت أمه وعمره ست سنوات، وأبوه ترك البيت مع زوجته الجديدة، وماتت جدته التي تحنو عليه. ولما كبر يتيماً حزيناً لا يمتلك شيئاً من الوسامة ذهب الى الدراسة في بغداد، وكان فقير الحال فلم يجد مَن تحبه رغم تشبّبه بالكثيرات، فعاش محروماً من الحب طيلة حياته القصيرة «38 سنة» إلى أن مات وحيداً غريباً بعد أن عانى طويلا من الآلام حتى كان يتمنّى الموت فقد كتب في «المعبد الغريق»

دار جدي:

أهكذا السنون تذهب

أهكذا الحياة تنضب

أحس أنني أذوب...

أتعب

أموت كالشجر.

ثم يقول:

منطرحا أصيح ...

أنهش الحجر

أريد أن أموت يا إله

أو: رصاصة الرحمة يا إلهي

في العام الذي تلاه ذهبت إلى المقبرة وأيضاً لوحدي في ذكرى وفاته وكانت الحرب مع إيران ما زالت مستعرة وأصوات القذائف تسمع متقطعة. زرت القبر وعدت محبطة من أجل الشاعر الحزين الذي توحدني معه نقاط التقاء منها البصرة والشعر والغبن والحياة الصعبة التي عشتها وأهمها غربة الروح التي تمزقني وقد قال عنها:

يا غربة الروح في دنيا من الحجر

والثلج والقار والفولاذ والضجر

مسدودة كل أفاقي بأبنية

سود، وكانت سمائي يلهث البصر

في شطها مثل طير هدَّه السفر

لقد عرفت بدراً وشعره لأول مرة عندما طلبت منا مدرسة اللغة العربية في المدرسة المتوسطة، أن ننقد كتاباً، نكافَأ عليه بإضافة درجات على معدل العربي، وبالصدفة أعطتني المدرسة «الست سانحة زكي» الرائعة كتاب «أزهار ذابلة» للسياب ومنه:

ديوان شعر ملؤه غزل

بين العذارى بات ينتقل

أنفاسي الحرى تهيم على

صفحاته والحب والأمل

يا ليتني أصبحت ديواني

لأفرَّ من صدر إلى ثان

قد بتُّ من حسد أقول له:

يا ليت من تهواك تهواني

كان هذا أول ديوان يطبع له وقد أُعجبت به الطالبات زميلاته في كلية «دار المعلمين العالية» وكان يتصور لشدة حرمانه من الحب والحنان أنّهن عشقنه ثم يصاب بخيبة أمل مرة بعد أخرى، وقد ذكر ذلك في قصيدة إلى زوجته إقبال حيث قال:

أحببتُ قبلك سبعاً ما أحبوني

وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا

ولكن كل ممن أحببت قبلك ما أحبوني

ولا عطفوا علي، عشقتُ سبعا كن أحيانا

ترفّ شعورهن علي، تحملني إلى الصين

بعد «أزهار ذابلة» عشقت شعر السياب الجزل الصادق الرائع وأخذت أتابعه. ولقد مرَّ شعر السياب بعدة مراحل:

*الرومانسية: 1943- 1948

*الواقعية: 1949- 1955

*التموزية أو الواقعية الجديدة: 1956- 1960

*الذاتية: 1961- 1964


كتبَ السياب كثيراً من الدواوين خلد فيها البصرة وشناشيلها والعراق في تلك الفترة والحرية والكفاح والحب والحزن وغير ذلك.

كتبت عنه في الثمانينيات كتابا بعد أن قرأت دواوينه ونثره وما كُتب عنه من دراسات ونقد تبلغ العشرات. كذلك درست حالته المرضية كطبيبة، فأجريت حواراً مطولاً مع الدكتور إبراهيم عبد الحميد الذي تولى علاجه في مرضه الأخير في مستشفى البصرة قبل ذهابه إلى الكويت وكذلك الممرضة فاطمة التي لازمته وتعاطفت معه قبل سفرة الموت. كما أنني ذهبت إلى المستشفى الأميري في الكويت الذي عولج وتوفي فيه واستعلمت عن تفاصيل مرضه وهلوساته ووفاته. قبلها كنت مسافرة إلى لندن التي عولج فيها، كذلك باريس ودرم وقد ذهبت من لندن الى مدينة درم إلى المستشفى التي عولج فيها وقال في درم:

من درم أكتبها

كالنجم في آفاقه البعيدة

لا يبعث الدفء ولا ينير

إلى أن يقول :

في نفس شاعر يموت عمره يبعثر ويقبر ؟

يمشي على عكازه ويعثر...

من درم أكتبها قصيدة

كالنجم ضلَّ في سديم العدم

وقال في قصيدة درم:

درم ...

بنفسي مما عراني برم

فمدي ذراعيك ولتحضنيني

إلى هوة من ظلام العدم،

فما قيمة العمر أقضيه أمشي

بعكازة في دروب الهرم؟

أهذا هو الشاعر؟

حديث ينيم الصحاب

إذا مات أو عاش فهو الألم .

درم

بنفسي مما عراني برم!

لكن أهم شيء حصلت عليه هو تقرير طبي كتبه د.توفيق طيارة الطبيب في شركة نفط البصرة، التي اشتغل فيها بدر وكان مريضاً بالسل الذي ربما أصيب به أثناء اعتقاله في السجن،

وكتب بدر عن مرضه بالسل ما يلي:

الداء يثلجُ راحتي، ويطفئ الغد... في خيالي

ويشل أنفاسي، ويطلقها كأنفاس الذبال

تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال

مشدودتين إلى ظلام القبر بالدم والسعال..