ما يُشبهُ الرِّثاءَ وَلا يُشبهني


فراس حج محمد*


I.

بدأتِ الفكرةُ عام 2010 عندما كتبتُ قصيدةً طويلةً أسميتُها "شيءٌ من رثاء النّفس"، تتكونُ القصيدة من (37) بيتاً على البحر الطويل، بلغتُ آنذاك (37) عاماً، كنت في تلك الفترة أشعرُ بعبثية الحياة، وأنه لا قيمة لها ألبتة. رأيتُ حياتي مجرد فائض في عالم ليس لي، وليس لي فيه وجود. كتبتُ القصيدةَ ليلةَ عيد ميلادي تلك السنة، وكتبتُ تعليقاً عليها: "ليس عيد ميلاد، ولكنّه فرصة محاسبة وتأمّل، كثيرون من يقولون: "كلّ عام وأنت بخير" لكنَّ قلة منهم فقط من يدرك أن الحياة ليست مجالا للتهنئة أو أنها فرصة للاستزادة؛ لذا فإن الحياة محنة وجودية كبرى".


كنت أكره ذكرى يوم مولدي، وما زلت، وأتمنى ألا يعود، وما زلت أكره ثلاثة أيام في حياتي ولا أحبُّها، تتملَّكُني مشاعرُ الإحباط واليأس فيها، وأشعرُ أنَّ العالمَ مجردُ فراغٍ كبير: أوّلُ الأيّام، ذكرى مولدي الذي يصادف في الثلاثينَ من شهر تموز من كل عام، وثانيها عيدُ الفطر، أمّا ثالثُها فعيد الأضحى. أخذت في كلِّ عام أُضيف بيتا على القصيدة حتى عام 2014، لتصبحَ واحداً وأربعين بيتا.

في عام 2014 حدثت حرب غزة، وليس كالحرب فعل يُشعر الإنسان بالعبث، وهو يرى الأرواح تزهق بلا اكتراث. توقفت عن إكمال القصيدة الأربعينية "شيء من رثاء النفس"؛ لأكتب نصاً مستقلاً بعنوان "يا ليتني قد متّ"، وكنت في تلك الحرب أكتب قصائد ديوان "مزاج غزة العاصف"، واستمرَّتِ الحربُ طويلاً، أكثر من خمسين يوماً، وكان اليوم الثلاثين من شهر تموز أحدَ أيام تلك الحرب العبثية، ليستِ الحربُ وحدها ما أشعرني بالعبث، ولكنَّ الاستمرار في صنع العبث كان عبثاً إضافياً، لذلك فإن الحياة لم تقنعني وإلى الآن لم تقنعني، ويبدو أنها لن تقنعني أبداً، على الرغم من أنني أعيشها ومتصالح معها؛ تزوجت وأنجبت، وتعلّمت وعملت، وأحببت النساء، ومارست الحياة كأنني شخص مغرم بها حريص عليها، فما الجدوى من حياة آخرها تموت؟ "وتنسى كأنك لم تكن". لقد وصلت إلى قناعة إمَّا أن تعيشَ أبداً، وإمّا فلا تُخلق أصلاً.


II.

حديثاً كَثُرَ رثاءُ النَّفس عند الشعراء، ومن أبرزهم الشاعر بدر شاكر السياب الذي صارع المرض فترة من حياته، فكان منتظراً الموت. بعد أن فشل الأطباءُ بتشخيص مرضه، فكتب قصيدة "الوصية" (1962) مخاطباً زوجته "إقبال" لتعتنيَ بابنه الصغير "غيلان"، وسبق للسياب نفسه أن تحسر على حياته وخيباتها في قصيدة أخرى بعنوان "أسير القراصنة"، كما فعل ذلك أيضا الشاعر الصغير أولاد أحمد بديوانه الذي اتخذَّ عنوان قصيدة السياب "الوصية" ينعى نفسه خلال مرضه الذي تُوُفِّي فيه، فقال:

شبه متيقّن كنتُ

أمّا الآن: فعلى يقينِ مالحِ من أنّني سأموتُ

مِيتةَ غامضةً

في الصّيف

وتحديدًا:

أثناء النّصفِ الثالثِ من شهر غُشْتْ

أحبّذهُ زوجيّا، باسماً، ذلك اليوم.

حليق الذّقن- مُهذّبَ الأظافر- أنيقًا بربطة عنق

خضراء. وحذاء أسود لمّاع

وتتشابه تجربة الشاعر المصري أمل دنقل مع تجربة السياب وتجربة الصغير أولاد أحمد؛ إذ كتب في مرضه الذي مات فيه ديوانه "أوراق الغرفة 8" (1983)، وكذلك فعل محمود درويش في الجدارية (2000)، حيث كتبها بعد دخوله العملية الأولى للقلب، وقبل هؤلاء جميعاً رثت الكاتبة المصرية هدى شعراوي نفسها بقصيدة سنة 1947، وهي السنة التي توفيت فيها، أقتبس منها هذين البيتين:

اليوم لا تبكوني

إني قضيت ديوني

لم يبق للعيش شأن

عندي، ولا للمنون

وأحب أن أشير إلى ما كتبه الشاعر الأردني أمجد ناصر على صفحته في الفيسبوك بعد أن وصل إلى مرحلة ميؤوس منها في علاج ما أصابه من مرض السرطان، إذ اعتبرت بعض الصحف التي أعادت نشر ما كتب أنه نوع من رثاء النفس. (حذف الشاعر منشوره بعد ذلك)


هؤلاء رثوا أنفسهم لأنهم أيقنوا أن الموت يقف على باب أحدهم منتظرا أن تحين ساعة الصفر. كأن "الموت هو أمتن ما ابتكرته الحياة حتّى الآن"، كما يقول الفيلسوف سيوران. أما أنا فقد رثيت نفسي مراراً وتكراراً ولا أملّ من رثائها، وتوزع هذا الرثاء على قصائد ونصوص عدة، كان آخرها قصيدة "مرثية الشاعر القتيل" (نوفمبر 2018)، ونشرت في مجلة فلسطين الشباب، العدد (146، فبراير 2019). أرثي نفسي باستمرار ليس لأنّ الموتَ قريبٌ وواقف على عتبة بيتي كهؤلاء الشعراء، بل لأن الحياة ما هي إلا عبث لا أكثر. ومتيقن من أن الموت قد يداهمني في أي لحظة، فينتهي هذا العبث الذي أعيشه وأعيش فيه، فصرخة الموت هي وحدها الصرخة البليغة في هذه الحياة.


III

استقرَّ كتابي على أن يكون ديوان شعر، ولكن هنا أسأل نفسي لماذا يا ترى قلت: "ما يشبه الرثاء ولا يشبهني". الآن بعد هذه السنوات الأربعة لا أدري بم كنت أفكر ساعتئذٍ، لم أعد أتذكر تلك الفكرة الأخرى التي سيطرت عليّ لأقول: "ولا يشبهني". ربما كنت، وهذا محض رجم بالغيب، أن هذا الكتاب سيكون أصدق من حياتي التي أعيشها وعشتها. فقد أزلتُ الأقنعة وأصبحتُ عاريا تماما، لا كما يراني الناس، فأنا في عيونهم وفي تصرفاتي معهم أبدو مختلفا عما أنا عليه في الحقيقة. كم أنا منافق إذن أو غشّاش أو مخادع، ولكن لي عذري، وكما يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري: "أن تكون أنت يا لها من مهمة شاقة"، فها أنا أقول لكم من أنا، وما أنا في القصيدة، ولكن بشيء من تورية ومجاز شفيف كحد أدنى من حدود البلاغة المطلوبة في الصّنعة الشعرية.


لا أريد أن أفسّر ما قلتُه في الديوان، فأنا أومن إيمانا عميقا بنظرية "موت المؤلف"، هذا المؤلف الذي تنفصل أناه عن العمل الأدبي بعد صدوره، ويجب أن يحاكم بوصفه بنية لغوية مستقلة تتحدث عن تجربة إنسانية عامة، صادف أن تجسّدت في عمل هذا الشاعر أو ذاك الكاتب، لكنها لا تنطبق عليه وحده. بالإضافة إلى أن جنوح المؤلف لتفسير نصوصه يعدّ قصورا في النصوص المفسرّة التي لم تستطع أن تحمل فكرتها، ولا أن تشاكس القارئ/ الناقد بتأويلاتها المتعددة. فتفسير الناصّ لنصه يفسده، ويسد مسارب التأويل، ولذلك وجب أن "يموت المؤلف". ولا حق له في كتابه سوى أن له حقوقا معنوية أو مادية وحقوق الانتساب له، أما حقوق التأويل فليست ملكه ولا تحق له. ومن جنح لتفسير نصه أصبح متهما لا يستحق أن يكتب. علينا جميعا أن نتذكر أن القرآن الكريم لم يفسره الله عزّ وجلّ، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك الحرية كاملة للتأويل، وهذا درس مهم جدا، فلولا ذلك لانغلق القرآن على تفسير واحد، ولم نر كل تلك الثروة الفكرية التي استولدها هذا النص العابر للفكر والمكان والزمان.


IV.

الديوان وأفكاره وقصائده وملتوياته وبقعه السوداء كانت محل نقاش بيني وبين الكاتب الفلسطيني رائد الحواري والكاتبة اللبنانية مادونا عسكر، والكاتبة المصرية سمر لاشين، لم يكونوا يكتفون بالظاهر، مادونا عسكر، كانت تمارس عليّ قمعا لطيفا كلما أسهبت في الحديث عن الديوان، ولم ترد أن أتحدث عنه حتى تستطيع أن تكتب ما تكامل من أفكار عن الديوان في عقلها بعد أن اطلعتْ على ما كتبه الكتّاب قبلها، ودون أن تتأثر بما سأقوله. كانت ترى أن هناك ما يجب أن يقال ولم يقولوه، وحتى بعد أن كتبت قراءتها ما زالت ترى أن الديوان مليء بالكثير من الأفكار والجماليات. أمَّا الكاتب أمين دراوشة في قراءته كان يبحث في النص، ولفت انتباهي إلى حضور المدينة في الديوان، ثمة مدن أخرى غير القدس حاضرة أيضا. المدينة بشكل عام، ونابلس ورام الله. والكاتبة فاطمة عبد الله نبشت بؤر الحزن والمرأة كما فعلت سمر لاشين، واقترب رائد الحواري إلى الجو النفسي العام للديوان.


أقف عند تلك القراءات التي قدمها الكتاب في الديوان، أقرأها وأعيد رؤية نفسي في كتاباتهم وكيف يرونني على هدي النصوص التي وقفوا عندها، أغلب الكتاب اليوم يبحثون عن الكاتب وعن الـ "ما وراء" لما يكتب، يبحثون في حدائقه الخلفية، وقاع مدنه المدنسة، يبحثون عما اختفى أو تخايل أو تراءى من تفاصيل، ولا يقتنعون بـ "موت المؤلف"، يصرون على أن يظلّ حيا يرزق، يحاولون جر المؤلف للتحقيق معه.


ثمة قراءات تغوص جيدا في النصوص إلى درجة الحرج، تحرجك من نفسك ونصوصك، تواجهها وأنت ترى نفسك شبه عار بين يدي من ينقدونك ليستخرجوك منك. وهنا لن أقول: "ضعف الطالب والمطلوب". بل ربما اكتشفوا جانبا حاولت أن أقوله، وجانبا آخر حاولت جاهدا أن أخفيه، فنجحوا في تجليته حد الصدمة المدهشة، على الرغم من أنني وعدت نفسي والقارئ المفترض والناقد المتربص أن أقول كل شيء دون مواربة. ثمة كتّاب يقرؤونك بعقلية رجل المخابرات، ويفتشون عنك بين السطور والجمل والكلمات المفردة. إنهم يحاولون إكمال العمل بتأكيد حضور ما غاب من الأفكار، وكأنهم ينشئون نصا على نصّ برؤية النّاصّ فقط دون النّصّ.

كذلك يكتب الروائي الفلسطيني مشهور البطران حول الديوان: لم أنجذب كثيرا لقصائد الحب. لا في هذا الديوان، ولا في ما سبقه من دواوينك الشعرية، وربما هذا ما جعلني أتوقف طويلا عند ديوانك "مزاج غزة العاصف"، والذي اعتبره أفضل دواوينك الشعرية. عموما أنا لا يستهويني شعر الحب عند كل الشعراء. يبدو أن الحب شيء غير قابل للتوصيف لا شعرا ولا نثرا بقدر ما هو تجربة في العيش. لو يسلم الحب من نصوصنا فمن المؤكد أنه سيكون أجمل".


V.

يقول إميل سيوران: "مهما كانت درجة ثقافة المرء، فإذا لم يفكّر في الموت وبكثافة، فهو دونما شكّ إنسان في منتهى السخف والبؤس". فمن أكثر المسائل التي كانت تقلقني وما زالت مسألة الموت، وللموت حكاية خاصة شخصية في هذا الديوان، ولها ترسباتها في وعي فتىً، وجد نفسه في فترة قلقة من عمره بين أيدي الموت المقترن بفكرة فناء العالم، فكرة كانت هي الأخرى تثير فيّ سؤالا عن جدوى الحياة؛ إن كنا في النهاية سنموت، ما جدوى كل هذا العمران وهذا الصراع على الدنيا إن كان كله إلى زوال؟ وجدت هذا السؤال المربك فيما قاله الشاعر أبو العتاهية:

لِدُوا للموتِ وابنُوا لِلخُرابِ

فكُلّكُمُ يَصِيرُ إلى تَبابِ

لمنْ نبنِي ونحنُ إلى ترابِ

نصِيرُ كمَا خُلِقْنَا منْ ترابِ

ألا يا مَوْتُ! لم أرَ منكَ بُدّاً

أتيتَ وما تحِيفُ وما تُحَابِي


VI.

هناك إحساس بالدونية أيضا، لازمني حتى في الحكم على ما أكتب، فأنا لم أر نفسي "شاعراً" جديرا بالقراءة أو "كاتبا" جديرا بأن تُقتنى كتبه، ولذلك كنت أكتب وأنا أعرف أنني لا أتقن شيئا من حرفة الكتابة، وكنت أخجل جدا من آراء القرّاء المدّاحين بألقابٍ كبيرةٍ على جثتي الضئيلة، أو ربما هكذا كانوا يرونني.


في حوار على هامش أحد المنشورات مع الكاتب إبراهيم جوهر، كتبت بعد أن وصفني بالتواضع: "لعل أكثر سؤال يقلقني حقيقة ويمنع عني النوم كلما فتحته هو سؤال أين أنا؟ وهل فعلا أستحق القراءة والوصف بشاعر مثلا؟ يفتك بي هذا السؤال، والله، وأكفر بكل ما كتبت". هذا الإحساس بالدونية وعدم جدوى ما كتبت أبانت عنه قراءة عمار خليل، عندما تنبأ أنني يوما ما سأحرق كتبي كما حرق أبو حيان التوحيدي كتبه، ولم يصل للكاتب عمار أنني فكرت جديا بذلك، وكتبت ذلك في واحد من نصوص كتاب "نسوة في المدينة"، مع الفارق بين الهدفين، فإن أحرق التوحيدي كتبه احتجاجا ثقافيا، فأنا سأحرقها احتجاجا عاطفيا: "ذات غضبة من المرأة التي أحببتها، كنت أفكر بحرق الكتب احتجاجا عليها، وإرسال رسالة بليغة لها، كنت أفكر بإحضار القنوات الفضائية، وفي مشهد درامي ينقل على الهواء مباشرة سأقوم بحرقها كتابا كتاباً". كم يدعو هذا التفكير للسذاجة والبلاهة، على الأقل، من ناحية عدم اهتمام الفضائيات لنقل حدث تافه كهذا. تصوروا كم أنا حالم، تترك الفضائيات عملها لتأتي وتبث حدثا لا قيمة له.


في هذا السياق أحب أن أستعيد موقفا لقارئة كانت تراني هَـرَماً من الأهرام وعظيما، وأنني مفكر وأديب وشاعر، ولم تترك لقبا إبداعيا إلا وألبستني إياه، وكانت كلما نحتتني صفة، أشعر بألم صفعة ما، لا أدري لماذا، وقد فاض بي الأمر حتى كتبت قصيدة "ثرثرة الشفاه"، ونشرت القصيدة في صحيفة القدس الفلسطينية بتاريخ 23- 12- 2011، فخاطبتها لتقلل من سقف توقعاتها المرتفعة:

قولي له قولا بليغا عادلا

يا جامع الأموات، والموت صداهْ

قولي له وتشجعي لا تخدعي

ما أنتَ شيئا غير ثرثرة الشفاه


ربما يصدق على هذا الديوان "ما يشبه الرثاء" أنه "ثرثرة شفاه" ليس إلا، وإن أحسنت صنعا فيه، فإنني أراه ضمن ما قاله محمود درويش في "حالة حصار" في وصف الكتابة: "الكتابة جرو صغير يعضّ العدمْ/ الكتابة جرح من دون دمْ". هذا الديوان "أنا"، ويمثلني في أسوأ حالاتي. فلا أنصح بشيء تجاهه، ولكنني أشعر بالارتياح؛ إذ تخلصت من كثير من النصوص التي غسلت بها وجعاً قديماً.

*كاتب وشاعر من فلسطين.