• Ahmed El-Beltagy

مايكل روبرتس: عيد ميلاد سعيد، يا فريدرِك إنجلز

تم التحديث: 1 ديسمبر 2020




حاوره: ديفيد برودر

ترجمة: أحمد البلتاجي

نُشِرَت هذه المادة في موقع جاكوبِن بتاريخ 28/11/2020، لقراءتها باللغة الأصلية اضغط هنا

______________________

في مثل هذا اليوم وُلِد فريدرِك إنجلز قبل مئتي عامٍ. ينبغي أن نشكره على مساندتِه لصديقه كارل ماركس. ولكن أيضًا، على نقدِهِ للرأسمالية الذي أبدعه بطريقته الخاصة.


تحلُّ اليوم الذكرى المئتين لميلاد فريدرِك إنجلز، عملاق الحركة الاشتراكية في القرن التاسع عشر. والمُعين الأخلَص لكارل ماركس طيلة أربعة عقود. عقب وفاة صديقه في 1883، كرَّس إنجلز معظم سِنِي عمرِه الأخيرة لتحرير ونشر أعمال ماركس.

بيدَ أن الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس يؤكِّد في كتابه الجديد إنجلز 200: إسهاماته في الاقتصاد السياسي “Engels 200: His Contribution to Political Economy”، على أن إنجلز كان مفكرًا مبتكِرا بحد ذاته. بدءًا من أعماله حول علاقة البشرية بالطبيعة حتى كتاباته عن التمويل، قدَّم إنجلز رؤىً ثاقبةً بصدد العديد من المعضلات التي تواجه الاشتراكيين اليوم.

يقيم روبرتس حديثًا مع محاوِر چاكوبين ديڤيد برودر، حول دور إنجلز في صياغة فِكر ماركس الشاب، وراهنية أفكارِه حول البطالة ومسألة الإسكان، ولماذا يتوجب استخلاص إرثِه من محاولات تصويره كنموذجٍ للدوجمائية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. ب. : أُرسِل إنجلز للعمل في شركة والده في مانشستر منذ عام 1842. حينها، بدأ في كتابة "حالة الطبقة العاملة في إنجلترا". استند في هذه الدراسة إلى المحادثات مع العمال، وشبكتِه من "المخبِرين"، ودراسته للإحصاءات الرسمية. لقد أبرَزْتَ أن هذا العملَ لم يرسم صورة للحرمان فحسب، بل أسهَمَ في شرح الكيفية التي تتحدَّد بها الأجور في الاقتصاد الرأسمالي، بطريقةٍ تختلف عن الاقتصاديين السياسيين الكلاسيكيين.


م. ر. : نعم، في سن الرابعة والعشرين المبكِّر، نشر إنجلز دراسته الدقيقة لحالة العمال في مانشستر، في ذروة الثورة الصناعية. قادَه هذا إلى استنتاجِ أن العمل المأجور هو شكلٌ جديدٌ من أشكال الاستغلال تختصُّ به الرأسمالية، بصورةٍ تختلف عن العبودية أو القنانة.


فمن خلال إدخال التكنولوجيا والآلات لتحِلَّ محلَّ العمال، ولَّدَت الرأسمالية "جيشًا احتياطيًا دائمًا من العمال". يتأرجح حجم هذا الجيش الاحتياطي تبعًا لتقلبات دورة الازدهار والركود في ظل الرأسمالية. لكنَّ رأس المال يمارس دائمًا ضغطًا لتخفيض أجور العمال - وبالتالي على حصَّة الدَخْل التي تذهب إلى العمال.


دعَّم إنجلز أطروحته بمشاهدات إمبريقية/تجريبية: «بينَ هذا الفائض السكاني، وِفقًا لتقارير مفوَّضي "قانون الفقراء"، يوجد في المتوسط ​​مليون ونصف في إنجلترا وويلز...». لكنَّ إنجلز يشير إلى أن هذه الأرقام "الرسمية" للبطالة أقل من الواقع: «هذا المليون ونصف المليون، يشمل فقط أولئك الذين يتقدمون بالفعل إلى الأبرشيات المدنية (المحليَّات) للحصول على المعونة. إن الجموع العظيمة التي تشقُّ طريقَها دونَ الالتجاء إلى هذه الوسيلة المكروهة، غيرَ مشمولةٍ". يمكننا تكرار هذا الانتقاد لبيانات البطالة الرسمية الحديثة، والتي غالبًا ما تفشل في احتساب العمال الذين لا يطالبون بالمزايا ولكنهم يبحثون عن وظيفة.


تقود المنافسة بين الرأسماليين، إلى دفعهم أقل ما يمكن من أجورٍ إلى عمَّالِهِم، بينما يحاولون اعتصار المزيدِ والمزيدِ من العمل منهم. من هنا، باتَ تكوين النقابات أمرًا ضروريًا. الواقعةُ القائلة بأن النقابات تساعد في الحفاظ على مستويات الأجور الحقيقية، وحصَّة العِمالة من الإنتاج، أثبتت صحتَهَا العديد من الدراسات منذ ذلك الحين.


تمتلك نظرية إنجلز أهميةً راهنةً. فخلال معظم السنوات الأربعين الماضية، ظلَّت الأجور في الولايات المتحدة راكدةً بالنسبة للجميع باستثناء العمال ذوي الأجور الأعلى، وارتفعت اللامساواة بصورةٍ بالغة. انخفضت نسبة العمال المشمولين باتفاقية المفاوضة الجماعية من %27 إلى %11.6 بين عامي 1979 و2019، مما يعني أن معدل التمثيل النقابي اليومَ أقلَّ من النصف عمَّا كان عليه قبلَ أربعين عامًا. تُظهِر الأبحاث أن إلغاء النقابات مسؤولٌ عن حصَّةٍ كبيرة من ازدياد اللامساواة خلال تلك الفترة – حوالي %13-20 للنساء و %33-37 للرجال. تكشف مقارنة هذه الحصص مقابلَ بيانات الأرباح السنوية أن العاملين يفقدون الآنَ مبلغ 200 مليار دولار سنويًا، نتيجةَ تراجع التمثيل النقابي على مدى العقود الأربعة الماضية. مع إعادة توزيع هذه الأموال للأعلى، على الأثرياء.


د. ب. : أنت تقدم إنجلز كرائدٍ، وكشيوعيٍّ قبلَ كارل ماركس، صاغ المفاهيم والمقولات التي أصبحت مرتبطةً بصديقِه وشريكِه. على وجهِ التحديد، سلَّطتَ الضوء على مقالة إنجلز "مخطَّط لنقد الاقتصاد السياسي"، التي كتبها ولم يكن يتجاوز الثانية والعشرين. ما الذي ألهمَه نصَّه هذا؟ وما التأثير الذي أحدَثَه هذا "الماركسيُّ الأوَل" على تطور دراسات ماركس؟


م. ر. : حسنًا ، كتب ماركس ذات مرةٍ إلى إنجلز: «كما تعلم، فأنا دائمًا ما أتأخر في كل شيء، ودائمًا ما أتبع خطواتك». كان هذا حقيقيًا في حالة الاقتصاد السياسي. فتحت تجربة إنجلز في أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر عينَيه، أثناء عمله في مصنع والده للقطن في مانشستر، على الطبيعة المادية المباشرة لـ "الاغتراب" في ظل الرأسمالية، والذي اتخذ شكل الاستغلال والفقر لمئات الآلاف من العمال الريفيين الذين تدفقوا على المدن الإنجليزية، أثناء ما سمِّيَ بالثورة الصناعية.


في لقاءاتٍ مبكِّرة، حثَّ إنجلز ماركس على قراءة أعمال الاقتصاديين المعاصرين، لفهم تناقضات الرأسمالية. كان النقد الفلسفيُّ للرأسمالية هامًا، ولكنَّ النقد العلميَّ لرأس المال والاقتصاديين كان أساسيًّا. وكان إنجلز السبَّاق إلى ذلك. في مانشستر، بين أكتوبر ونوڤمبر 1843 كتب إنجلز أول عملٍ اقتصاديٍّ له، بعنوان مخطَّط لنقد الاقتصاد السياسي. وقد كتبَه لتشجيع ماركس على التركيز في الشروع بنقدِه الخاص للاقتصاد السياسي والرأسمالية.


إن نقد إنجلز هو تحليلٌ لامعٌ لأفكار الاقتصاديين المعاصرين، يفضح تناقضاتهم. بدأ حينها أيضًا في تطوير بعضٍ مما أصبح المقولات الأساسية للنظريات الماركسية حول القيمة والأزمة، قبل ماركس بوقتٍ طويل. لقد أكَّد على كون الملكية الخاصة قاعدةً للإنتاج الرأسمالي الحديث. وشرح طبيعة القيمة في ظل الرأسمالية (متضمِنةً نظريته في الريع). كما بيَّن التوتر المستمر بين المنافسة والاحتكار، والتجارة الحرة والحمائية. وقدَّم تفسيراً للدورات المتكررة والمنتظِمة للازدهار والركود في الرأسمالية الحديثة. كل هذه كانت بذورًا (وأحيانًا ما فوقَ ذلك) لنقد ماركس اللاحق في رأس المال.


هناك مواضعُ قصورٍ في مخطَّط لنقد الاقتصاد السياسي عالجَها ماركس لاحقًا. المفتقَد في رؤية إنجلز هو نظرية ماركس حول فائض القيمة. أن العمل وحده هو الذي يخلق القيمة، ولكن عبر احتكار وسائل الإنتاج، يتمكن الرأسماليون من ضبط القيمة التي يخلقها العمل. إنهم يحولون العمل ذاته إلى سلعة، هي قوة العمل، وبالتالي يكتسبون الفائض من خلال بيع السلعة مقابل قيمةٍ أكبرَ من أجر العمال. هذا الاكتشاف، كما كان يشير إنجلز دومًا، كان أحد الإنجازات العلمية الكبرى لماركس.


من وجهة نظري، وعلى الرغم من قصورِها، تظل مساهمة إنجلز الشاب في الاقتصاد السياسي راهنةً ومناسبةً للغاية، حتى لو نسيَها معظم الاقتصاديين، بمن فيهم الماركسيون.


د. ب. : بأي معنى طوَّر إنجلز مفهوم "الأموَلة"؟


م. ر. : الأموَلة هي لفظةٌ رنانةٌ بين الاقتصاديين غير التقليديين والماركسيين في الآونة الأخيرة. يشير المصطلح إلى أن القطاع المالي قد أصبح مهيمنًا على عملية التراكم الرأسمالي الحديثة، وبالفعل تم تحويل معظم الشركات والأنشطة غير المالية الكبيرة إلى عملياتٍ مالية لم تعد منتِجةً بالنسبة للمجتمع ككل. إننا نعيش في عالمٍ من الرأسمال المالي، وليس الرأسمالية.


ما اكتشفته أثناء إعدادي لهذا الكتاب الصغير، أن إنجلز كان مرةً أخرى متقدِمًا على ماركس في إدراك الدور المتزايد لرأس المال المالي في الرأسمالية الحديثة. بالتحديد، كان أولَ من استخدم المصطلح الماركسي "رأس المال الوهمي"، حيث يستثمر الرأسماليون في الأصول المالية مثل الأسهم والسندات بدلاً من الأصول المادية مثل المصانع والعمال.


رؤوس الأموال الوهمية هي استحقاقاتُ للقيمة المستقبلية التي يخلقها العمال في القطاعات الإنتاجية. فهي "وهمية" لأن هذه القيمة الجديدة قد لا تتحقق أبدًا، مما يؤدي في النهاية إلى الانهيار المالي. في عام 1844، قال إنجلز: «ثم يأتي المضاربون الجريئون الذين يعملون برأس مالٍ وهميٍّ، ويعتاشون على الائتمان، يحيق بهم الخراب إن هم لم يتمكنوا من البيع بسرعة؛ إنهم يلقون بأنفسهم في هذا السباق العالميِّ المختَلّ من أجل الأرباح، ويضاعفون الفوضى والعَجَلة بواسطة شغفهم الجامح، الذي يقود الأسعار والإنتاج إلى الجنون».



لاحقًا، بعد وفاة ماركس، طوَّر إنجلز مفهومَه عن رأس المال الوهمي، مع أخذِه في الاعتبار التطورات التي اعترَت رأس المال المالي في بريطانيا والولايات المتحدة. في إشارةٍ إلى كتاب ماركس رأس المال، علَّق إنجلز: «في ذلك الوقت [1865]، كانت البورصة لا تزال مكانًا يستحوذ فيه الرأسماليون على رؤوس الأموال المتراكمة بين بعضهم البعض». لقد تغيرت الأمور الآن. «لقد وقع تغيُّرٌ يخصِّصُ اليومَ دورًا متزايدًا ومتناميًا بشكلٍ مستمرٍ لبورصة الأوراق المالية. والتي، مع تَطورِها، تميل إلى تركيز مجملِ الإنتاج، سواءٌ كان صناعيًا أو زراعيًا أو تجاريًا، ووسائلِ الاتصال، وكذا وظائفِ التبادل، في أيدي مشغِّلي البورصة، بحيث تصبح البورصة أبرزَ ممثِّلٍ للإنتاج الرأسمالي نفسه».


لكني لا أعتقد أن إنجلز كان سيوافق على نظرية الأموَلة الحديثة. تقترح النظرية الحديثة أنَّ:

1) النشاط المالي هو اليومَ المصدر الرئيسي لفائض القيمة.

2) الفائض المالي هو اليومَ السبب الرئيسي للأزمات، وليس الزيادة في رأس المال الإنتاجي المدفوعة بالربحية، خالقةَ فائض الإنتاج.


كان رأي إنجلز هو أن الائتمان يمكن أن يغدو «منفصلاً عن تجارة السلع وأن يتطور مستقِلاً، وتكونَ له قوانينه الخاصة وأطواره المنفصلة التي تحدِّدها طبيعتُه»، ولكن فقط في ظل شروطٍ معينةٍ يفرضها الإنتاج وتجارة السلع وضمن هذه الحدود». فالأزمات هي نتاج فرط إنتاج رأس المال، وليس الفائض المالي.


د. ب. : إحدى الاعتراضات الهامة التي قدمها إنجلز، هي ما يتعلق بـ "مسألة الإسكان". فبينما أصرَّ على أن هذه القضية لا يمكن حلُّها إلا إذا تم استيعابها كجزءٍ من "مسألة اجتماعية" أوسع، إلا أنه دحض أيضًا القياس الذي أجراه بيير جوزيف برودون، الذي يقارن بصورةٍ مباشرةٍ علاقات المالك والمستأجر بالعلاقات بين الرأسمالي والعامل. لماذا كان هذا التشبيه مضلِلاً؟ وما هي المقاربة الأنسب لمسألة نقص المساكن والإيجارات المرتفعة التي يقتضيها هذا النقد بدلاً من ذلك؟


م. ر. : كان الإصلاحيون الاجتماعيون في منتصف القرن التاسع عشر على درايةٍ تامةٍ بظروف الإسكان المروِّعة للعمال، الذين أُجبَروا على دفع إيجاراتٍ باهظةٍ لأصحاب العقارات، مُقَلِّصةً أجورهم إلى أقصى حدٍّ، ليعيشوا في أسوأ حال. لم يتغير شيءٌ من هذا بالنسبة للملايين اليوم. حينها رأى الاشتراكيون البارزون، مثل برودون، أن الحل لإنهاء الملكية العقارية الخاصة يكون عبر تحويل ريوع المستأجرين إلى مدفوعاتٍ لسداد قيمة الرهن العقاري لمساكنِهم، والتي سيتاح لهم تملكها عند استيفاء قيمته. بينما كان للمصلِح الاجتماعي ساكس وجهة نظرٍ مفادها أن ملكية "المنزل والحديقة" ستحول العمال إلى رأسماليين، من خلال تمكينهم من توليد الدخل أو الائتمان من العقارات في الأوقات الصعبة، وكذلك تحسين شعورهم بـ "القيمة الذاتية".


في سلسلةٍ من المقالات، رفض إنجلز هذا الحل لأزمة الإسكان. واعتبر أن أي سياسةٍ تهدف إلى التحكم في الإيجارات أو فرض قيودٍ على الفائدة الهائلة التي يجنيها المصرفيون من الرهون العقارية، ستفشل في حل "مسألة الإسكان". على حد تعبيره:


«يأتي البرودونيون خاصتُنا، مؤمنينَ أننا إذا منعنا نوعًا فرعيًا واحدًا من الرأسماليين، هؤلاء الرأسماليون الذين لا يشترون أي قوة عملٍ بشكلٍ مباشرٍ وبالتالي لا ينتجون أيضًا فائض قيمةٍ، من الحصول على الربح أو الفائدة، ستكون هذه خطوةً إلى الأمام. لكنَّ حجم العمل غير المأجور المأخوذ من الطبقة العاملة سيبقى كما هو تمامًا، حتى لو حُرِم المُلاَّك والمصرفيون غدًا من إمكانية تلقيهم ريع الأرض والفوائد».


ما يتطلَّبه حل أزمة الإسكان هو إنهاء الملكية الخاصة للأراضي والمنازل. بالنسبة إلى إنجلز، لم يكن هناك ما يدعى أزمة إسكان في حدِّ ذاتها، بل فقط أزمةٌ رأسماليةٌ شكَّلَت فيها ظروف الإسكان مجرد «واحدةٍ من الشرور الثانوية التي لا تعدُّ ولا تُحصى سبِّبها استغلال رأس المال للعمال».


لنقد إنجلز صلَةٌ راهنة. خذ مثلاً خطوة مارجريت تاتشر الشهيرة للغاية في المملكة المتحدة في الثمانينيات، بتشجيع البيع المباشر للمساكن الشعبية بتخفيضاتٍ كبيرةٍ جدًا للمستأجرين؛ لتوسيع ملكية المنازل على حساب مخزون الإسكان الحكومي. سياسة "الحق في الشراء" هذه هي الآن السبب المباشر والرئيسيُّ لعدم وجود مساكنٍ ميسورة التكلفة في المملكة المتحدة اليوم (على مدار الخمسة والثلاثين عامًا الماضية، تم بيع ما يقرب من ثلاثة ملايين منزلٍ مملوكٍ للقطاع العام بموجب هذه الخطَّة). حتى أن برنامج "الحق في الشراء" فشل في تحقيق معايير الخصخصة الخاصة به، حيث باع العديد ممن مارسوا "حقَّهم في الشراء" منزلهم لمُلاَّك العقارات الخاصة، الذين قاموا بعد ذلك بتأجيرها بضعف أو بثلاثة أضعاف مستويات الإيجارات العامة السابقة.



د. ب. : بعد أن تراجع لدعم عمل ماركس ماليًا، وعقب وفاة صديقه، بذل إنجلز الكثير من أجل تحرير ونشر أعماله، فضلاً عن كونه شخصًا موقَّرًا وسط الحركة الاشتراكية. لكنَّ العديد من المنظِّرين لاموه على هذه الجهود، واتهموه بإنتاج ماركسية مبتذلة ذات خصائص "منهجية" زائفة. وتم تصوير هذا النهج على أنه ميكانيكي أو بمثابة ستالينية أوليَّة. ما الذي دفع بهذه الحجج في رأيك؟ وهل تصمد أمام التدقيق؟


م. ر. : نعم ، يبدو أن إنجلز يجتذب انتقاداتٍ كثيرةً بين بعض الماركسيين. ويبدو أن السبب هو أنه حوَّل الماركسية إلى نظامٍ نظريٍّ للانقلاب إلى حركةٍ سياسيةٍ جماهيرية. كثيرٌ من "الأكاديميين" الماركسيين لا يحبون هذا. لهذا السبب، يفضلون تصوير ماركس على أنه "مفكرٌ ليبراليٌّ" على عكس إنجلز الشيوعي "الخبيث". صحيحٌ أن إنجلز أصبح شيوعيًا قبل ماركس. وصحيحٌ أن المفكرين السوڤيت في عهد ستالين استخدموا أعمال إنجلز ليُلمحوا إلى أن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية كان حتميًا ولا مناصَ عنه، كما يدلُّ على ذلك مثال الاتحاد السوفيتي. لكنَّ هذا كان تشويهًا لإنجلز بقدر ما كان تشويهًا لـ "الماركسيين الليبراليين" في الغرب ما بعد السوڤيتي.


في رأيي، لا يمكن ولو بمقدار شعرةٍ أن تفصل بين ماركس وإنجلز في مفهومِهِما المادي عن التاريخ والاشتراكية العلمية. لقد عملوا عن كثبٍ وتعاونوا في كل دراساتهم لأكثر من أربعين عامًا، مع معرفة كلٍّ منهما بآراء الآخر عن كثب. بالطبع، لم يتفقوا على كل نقطةٍ وفاصلة، لأنهم كانوا مفكريْن مستقليْن، لكنهما كانا متفقيْن عند القضايا الرئيسية والمنهجية. لو لم يكن الأمر كذلك، لكُنا علمنا به!


كما قال ماركس لإنجلز بخصوص إكمالِه لتحفتِه رأس المال: «بدونكَ، لم أكن لأتمكن مطلقًا من إنهاء هذا العمل، ويمكنني أن أؤكد لك أنه دائمًا ما كان يُثقل ضميري ككابوسٍ أنك سمحت لطاقاتك الفذًة بأن تتبدَّد ويعتليها الصدأ وسط أعمال التجارة، من أجلي في المقام الأول، وفوقَ هذا، كان عليك أن تشاركني كل مآسيِّ الصغيرة.».


د. ب. : إن إنجلز متهمٌ باعتناقه رؤيةً تمجِّد التطور الأقصى لقوى الإنتاج من خلال السيطرة البشرية غير المقيَّدة على الطبيعة. لكنَّكَ (وكذلك جون بيلامي فوستر) تعتبرانِه على العكس من ذلك رائدًا للفكر البيئيّ. ما الذي يشير في عملِه إلى دحض القراءة الشائعة؟ وهل نقدُهُ البيئيُّ يتجاوز الرفض الأخلاقي أو العاطفي لتأثيرات التصنيع؟


م. ر. : غالبًا ما يُتهَم ماركس وإنجلز بتبنِّي رؤية "بروميثيَّة" للتنظيم الاجتماعي البشري. بمعنى أن البشرَ، باستخدام المعرفة والبراعة التقنيَّة، يمكنهم ويجب عليهم فرضَ إرادتهم على الكوكب وما يسمَّى "الطبيعة"، للأفضل كانَت أو للأسوأ.


هذه التهمة موجَّهة بشكل خاص إلى إنجلز الذي، كما يُزعَم، تبنى وجهة ًنظرٍ برجوازيةٍ "وضعيةٍ" للعلم: المعرفة العلمية كانت تقدميةً ومحايدة على مستوى الأيديولوجيا، وكذلك كانت العلاقة بين الإنسان والطبيعة. في الواقع، فإن النقد "البيئي" الحديث لماركس وإنجلز يتمثَّل في أنهما لم يكونا على درايةٍ بأن الإنسان العاقل يدمر الكوكب وبالتالي يدمر نفسه. وبدلاً من ذلك، كان لدى ماركس وإنجلز إيمانٌ بروميثيٌّ عاطفيٌّ بقدرة الرأسمالية على تطوير قوى الإنتاج والتكنولوجيا، للتغلُّب على أي مخاطَر تهدِّد الكوكب والطبيعة.


لكن في الحقيقة، كان إنجلز متقدمًا على ماركس (مرةً أخرى) في الإحاطة بالدمار والأضرار البيئية التي يتسبَّب فيها التصنيع. بينما كان لا يزال يعيش في مسقط رأسه بارمِن (فوبرتال الآن)، في سنِّ الثامنة عشرة، كتب عدة ملاحظاتٍ يومية حول اللامساواة بين الأغنياء والفقراء، والنفاق الورِع لخطباء الكنيسة، وكذلك تلوث الأنهار.


في مخطَّط لنقد الاقتصاد السياسي، لاحظَ إنجلز كيف أن الملكية الخاصة للأرض، والسعيَ للربح، وتدهورَ الطبيعة تسير جنبًا إلى جنب. بمجرد أن يسلَّع رأس المال الأرض، فإنها تخضع للقدر ذاته من التدهور الذي يصيب العمل. نعلم الآنَ أن كوڤيد-19 والأوبئة المُمْرِضة الأخرى، عائدةٌ إلى اندفاع الرأسمالية لتصنيع الزراعة واغتصاب ما تبقى من البريَّة، الذي أدَّى إلى "انتقام" الطبيعة، حيث يتعرض البشر إلى مسبِّبات أمراضٍ لا يملكون مناعةً ضدَّها.


لذلك، في هذه الأوقات أثناء جائحة كوڤيد-19، تجدر العودة إلى أحدِ أعظمِ أعمال إنجلز: دور العمل في تحويل القرد إلى إنسان. في هذا العمل غير المكتمِل، يُظهر إنجلز العلاقة الحميمة بين العمل البشري والطبيعة؛ الصلةَ التي إنْ تعطَّلت ستُدمَّر البشرية وكذلك الأنواع الأخرى على سطح الكوكب. بالنسبة له:


«في كل خطوةٍ يتم تذكيرُنا بأننا لا نسيطر على الطبيعة بأي حالٍ من الأحوالِ، كفاتحٍ يتسيَّدُ على شعبٍ أجنبيٍّ، أو كشخصٍ يقف خارج الطبيعة. ولكننا، باللحم والدم والدماغ، ننتمي إلى الطبيعة، ونوجَد في وسَطِها، و أن كل إخضاعِنا لها يتمثَّل في حقيقة أننا نتمتع بمزيَّةٍ على جميع المخلوقات الأخرى، هي القدرة على تعلُّم قوانين الطبيعة وتطبيقِها بشكلٍ صحيح».


هاجم إنجلز الرأي القائل بأن "الطبيعة البشرية" أنانيةٌ بطبيعتها وسوف تدمر الطبيعة. ووصف هذه الحُجَّة بأنها "تجديفٌ بغيضٌ ضدَّ الإنسان والطبيعة". يمكن للبشر العمل في انسجامٍ مع الطبيعة وكجزءٍ منها. يتطلب هذا معرفةً أكبرَ بعواقب الفعل البشري. لكن كما قال إنجلز: «تحقيق هذه السيطرة يتطلب شيئًا أكثر من مجرد معرفة». العلم لا يكفي. «إنه يتطلب ثورةً كاملةً في نمط إنتاجنا الموجود حتى الآن، وكذلك في نظامنا الاجتماعي المعاصر بأكمله». يبدو أن إنجلز "الوضعيّ" ما زال يدعم مفهوم ماركس الماديِّ للتاريخ.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020