لِمَ أدورنو؟

تاريخ التحديث: ١٩ أغسطس ٢٠٢١

تأليف: جون هولواي*

تر: حسين الحاج

_____________________


فصلان للمنظّر الماركسي جون هولواي من كتاب «الجدل السلبي والثورة: أدورنو والنشاط السياسي» عن دار بلوتو برس (2009).


* جون هولواي (1947): مُنظر ماركسي أيرلندي مقيم بالمسكيك من تيار الماركسية المفتوحة.


تُنشر الترجمة بإذن من المؤلف كما تنشر بالمشاركة مع موقع كتب مملة


إهداء الترجمة إلى أحمد حسان ومريم سليمان


 

مقدمة المترجم:

إن كتاب الجدل السلبي هو العمل الفلسفي اﻷخير الذي نشره الفيلسوف اﻷلماني ثيودور أدورنو خلال حياته، ونظرًا لتعقيده البالغ لم يلفت النظر كثيرًا مثل دراساته النفسية والثقافية اﻷشهر حول الشخصية السلطوية وصناعة الثقافة، لكن المنظر الماركسي جون هولواي يفتح هذا الكتاب كي يعقد علاقة بين أدورنو والماركسي اﻹيطالي ماريو تورنتي -أحد مؤسسي تيار اﻹستقلالية الذاتية- حيث يتشارك كلاهما نقطة بداية الجدل من النفي (لدى أدورنو) والرفض (لدى تورنتي). تعلن الكلمات الافتتاحية لكتاب أدورنو غايته في تحرير الجدل من تراثه اﻹيجابي، وفي الجزء الثاني من هذا النص، يصحح هولواي مسار الجيل الثاني من تيار اﻹستقلالية الذاتية (الممثل في أعمال أنطونيو نيجري ومايكل هارت) باﻹشارة إلى العواقب السياسية لرفض الجدل من خلال الفصل بين استقلال ذاتي إيجابي واستقلال ذاتي سلبي.


يحاجج هولواي أنه من الضروري -نظريًا وسياسيًا- تطوير مفهوم اللاهوية من خلال استخدام الجدل السلبي، ﻷنه يرى الجدل بصفته حركة من التحرر واﻹنفتاح، وأن اللاهوية تتحرر من الهوية وتفتح الطريق ﻹبداع شيء جديد، لذا تصبح حركة اللاهوية هي حركة اﻹبداع. لكن هذه الحجة هي تحدي واستكشاف، ﻷن حركة النفي هي حركة تفجّر المفاهيم والسلطة والهوية وكل شيء مألوف بالنسبة لنا، حيث أنها تنفتح على عالم مخيف ومدوّخ يجب علينا فيه مساءلة كل شيء حولنا، ولذلك فهي ليست حجة دوجمائية عن اليقين، بل عن التساؤل الدائم.


قدم هولواي هذين الفصلين في السياق الذي رفعت فيه حركة الزاباتسيتا في جنوب شرق المسكيك شعار "نسير دومًا متساءلين" كمبدأ لممارستهم السياسية، وما فعله هولواي أنه جذّر هذا المبدأ في صلب الفكر الفلسفي اعتمادًا على فلسفة ثيودور أدورنو حول الجدل السلبي.

 

1


لِمَ تجب قراءة أدورنو؟ فأدورنو صعب القراءة. بل أسوأ من ذلك، فقد اتصل بالشرطة في العام 1969 حين احتل الطلاب معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت. إذًا، لِمَ نلتفت إليه اليوم في الوقت الذي نسعى فيه إلى شحذ نقدنا للرأسمالية لا أنْ نصبح متخصصين في فكره أو فكر مدرسة فرانكفورت؟


نجد في القلب من فكر أدورنو الانقطاع والتمرد والهشاشة وانعدام اليقين والانفتاح واﻷلم، ولذلك نعتبره شائقًا للغاية.


إن نقطة البدء، عنده كما عندنا، هي الفشل السياسي النظري للماركسية اﻷرثوذكسية، «بعد أن أجهضت محاولة تغيير العالم» وبعد «أن ضاعت فرصة تحقق [الفلسفة]»، كما قال في السطور الافتتاحية من كتابه الجدل السلبي. ما من يقين بعد ستالين ومعسكر أوشفيتز وقنبلة هيروشيما، وقبل هذا وذاك ما من ضمانة لنهاية سعيدة. لذا من الضروري أن نتخلى عن فكرة الجدل باعتباره عملية من النفي يقود إلى التوليف، أي يقود فيه نفي النفي إلى نهاية إيجابية. فاليوم ما من طريقة يمكن عبرها تصوّر الجدل سوى الطريقة السلبية، باعتباره حركة للنفي بدلاً من حركة للتوليف، أي باعتباره جدلاً سلبيًا.


لكن لماذا نهتم بالجدل من اﻷساس وقد «انحطت المادية الجدلية» اﻷرثوذكسية إلى «عقيدة مغلقة»؟ لقد أخذ آخرون مسارًا عكسيًا وقرروا رفض الجدل والتأكيد على المادية (مثل أنطونيو نيجري، لكن أيضًا تيار ما بعد البنيوية بأكمله: فوكوه ودولوز وجاتاري وفيرنو وآخرون -الذين أصبحوا حاليًا مؤثرين بشدة في الفكر المناهض للرأسمالية). يعني التركيز على أدورنو مساءلة المسار ما بعد البنيوي الذي شقه أولئك المؤلفون.


لماذا نهتم بالجدل إذًا؟ يجيب أدورنو بأن الجدل ليس موقفًا، لكنه يعبر عن العجز الحتمي للفكر، العلاقة المفككة بين الفكر وموضوعاته. «إن مصطلح الجدل ابتداءً لا يقول لنا شيئًا أكثر من أن الموضوعات لا تتلبس مفاهيمها بدون أن تترك أثرًا من.. تناقض.. يدل على لا حقيقة الهوية وواقع أن المفهوم لا يستوفي الشيء المتصور». إن الفكر يُعرّف («أن تفكر يعني أن تُعرّف»)، لكن ما يجري التفكير فيه يتجاوز الفكر ذاته، وما الجدل إلا وعي الفكر بقصوره وباللاهوية المتضمنة بداخله، أما اللاهوية فتنفجر من داخل الهوية وتفيض عما يفرضه الفكر عليها. «التناقض هو اللاهوية تحت مظهر الهوية»، و«الجدل هو الحس المتسق باللاهوية».


هذا هو الموضوع اﻷساسي لفكر أدورنو: الجدل باعتباره الحس المتسق باللاهوية، بغير المتوائم. إنه أمر تحرري وثوري في آن. تحرريٌ لكون انعدام التواءُم والخصوصية غير قابلة للاختزال، واللاهوية غير قابلة للاحتواء، والمتمرد الذي لن يخضع إلى الانضباط الحزبي تؤلف جميعها محور ارتكازه وقوته الدافعة. وثوري لكونه بركاني متأجج. إن لم يكن ثمة هوية بخلاف الهوية التي تقوضها اللاهوية، عندئذٍ ليس ثمة إمكانية للاستقرار. فكل الهويات زائفة ومتناقضة وتقوم على نفي اللاهوية التي تقمعها وتحاول احتواءها دون نجاح، ولا يتمثل فشل احتوائها في سبب عرضي مثل انعدام كفاءة الشرطة، بل بسبب أن التعريف يجري دائمًا خلف تدفق اللاهوية دون أن يقدر على اللحاق به وتثبيته مطلقًا.


من الواضح أن اللاهوية هي بطلة العالم ومركزه والقوة المحركة له كما يقدمها أدورنو، لكن ما الذي نفهمه من اللاهوية؟ أهي مجرد مفهوم فلسفي أم عملية صياغة مفهوم لقوة اجتماعية؟ والإجابة بكل تأكيد إنّنا نحن اللاهوية ذاتها. إن القوة التي لا تتواءَم، القوة التي تناقض كل التعريفات، القوة التي تغمر وتفيض هي الذاتية، نحن. ومن نحن؟ نحن الذات التي لا يقدر على احتوائها ضمن أي تعريف. نستطيع أن نقول إنّنا الطبقة العاملة، لكن لن يكون لهذا معنى إلا إذا فهمنا «الطبقة العاملة» باعتبارها مفهومًا ينفجر ضد نفسه ويفجّر حدوده.


هل أدورنو يقول حقًا أننا لاهوية؟ على حد علمي لا. ربما أقرأ أدورنو بطريقة لاهوياتية، ضد أدورنو ومتجاوِزًا له، وإلا فكيف عسانا أن نفهم اللاهوية؟ إن اللاهوية وحدها القوة القادرة على تغيير نفسها، التي تمضي أبعد من نفسها، والتي تبدع وتخلق نفسها أيضًا. وأين نجد هذه القوة الخالقة والمبدعة لذاتها؟ لا في الحيوانات ولا اﻹله ولا الطبيعة، بل في البشر وحدهم، نحن. ليست "نحن" هوياتية، بل "نحن" مفككة وغير متوائمة وخلاقة.


هذه ليست "نحن" إنسانية ليبرالية، بل "نحن" تناحرية، ومتناحرة مع ذاتها قبل اﻵخرين. نحن جزء من كلية تناحرية فيها «الذات خصم الذات». ينشأ الجدل ﻷننا في المكان الخطأ والنوع الخطأ من المجتمع: «الجدل هو أنطولوجيا الحالة الخاطئة للأشياء، والحالة الصحيحة للأشياء ستكون خالية منها: لا نظامًا ولا تناقضًا». "نحن" الجدلية هي "نحن" التناقضية تحيا في المجتمع الرأسمالي وتقف ضده، "نحن" لاهوياتية طبقيًا.


2


يلتقي أدورنو بترونتي. في مقاله الأساسي، «لينين في إنجلترا» (نشر في 1964، أي قبل عامين من نشر أدورنو لكتاب الجدل السلبي)، كتب ترونتي أننا «نحن أيضًا اشتغلنا بمفهوم يضع التطور الرأسمالي أولاً والعمال ثانيًا. وهذا خطأ. واﻵن يجب أن نعيد المشكلة على رأسها ونعكس القطبية، ونبدأ مجددًا من نقطة البداية، وهي الصراع الطبقي للطبقة العاملة». هذه الكلمات بعيدة تمامًا عن أدورنو، لكن هنا يكمن السؤال المتشابك بين نظرية الاستقلال الذاتي والنظرية النقدية. لقد أعاد ترونتي (والمنظرين الممارسين للحركة العمالية اﻹيطالية operaismo) الماركسية اﻷرثوذكسية على قدميها ووضعوا صراع الطبقة العاملة (وليس رأس المال) في قلب تحليلهم. أعاد أدورنو (وأعضاء مدرسة فرانكفورت اﻵخرين) الماركسية اﻷرثوذكسية على قدميها ووضعوا اللاهوية في قلب تحليلهم. ربما لم يلتق أدورنو بترونتي حقًا ومن المحتمل أنه لم يكن ليريد ذلك، لكن يمكننا نحن أن نجعلهما يلتقيان.


«الجدل هو الحس المتسق باللاهوية». يعني الجدل التفكير في العالم من حيث ما لا يتلاءَم، من وجهة نظر غير الملائمين معه، من يجري نفيُهم وقمعهم، أولئك الذين يكسر تمردهم وعدم خضوعهم حدود الهوية، منا نحن الذين نوجد داخل-وضد-وفيما يتجاوز رأس المال. هذا بكل تأكيد مماثل لما شكله تورنتي في مشروع الاستقلال الذاتي: أقل وضوحًا من الناحية السياسية، لكنه يسبر أغوارًا أعمق من ذلك، ﻷن الهجوم على الهوية يمضي إلى جوهر الحياة ذاتها، إنه يمس مباشرة ماهيتنا وطريقة تفكيرنا. مشروع الاستقلال الذاتي للعمالية اﻹيطالية operaismo كان ملتبسًا تحديدًا لأنه لم يمضِ بعيدًا بما يكفي، ﻷنه لم يسائل المفهوم الهوياتي للطبقة العاملة بصفتها مجموعة بشر قابلة للتعريف. إنها تقلب علاقة رأس المال بالعمل على رأسها، لكن من أجل اتساقها، كان عليها أن تقلب العالم بأسره رأسًا على عقب وتضع اللاهوية في قلب الطريقة التي نتنفس ونفكر بها. إنه ذلك القصور الذي أدى فيما بعد إلى الاتحاد التعيس والبليد بين بعض مفكري الاستقلال الذاتي مع مدرسة ما بعد البنيوية، تقليدٌ ينكر مركزية الذات وبالتالي نضال الطبقة العاملة.


يستلزم تطور مشروع الاستقلال الذاتي (السعي نحو تقرير المصير الاجتماعي) النظرية النقدية (بالطبع كما يستلزم تطور النظرية النقدية مشروع الاستقلال الذاتي –وليست اجترارات هابرماس الديمقراطية الاجتماعية على سبيل المثال). لماذا؟ ﻷن مشروع الاستقلال الذاتي يضع نضال الطبقة العاملة (أو النضال المناهض للرأسمالية) في قلب فهمنا للعالم، بصفته قوة دافعة لا مجرد ردة فعل. وبسبب أن النظرية النقدية تضع أيضًا نضال الطبقة العاملة (بصفتها لاهوية) في القلب من فهمنا للعالم، بصفتها قوة دافعة لا ردة فعل. هل أقول إذًا إننا نستطيع استبدال «اللاهوية» بـ«نضال الطبقة العاملة» عند أدورنو: «الجدل هو الحس المتسق بنضال الطبقة العاملة»؟ نعم، لكن من الواضح أنه إذا فهمنا النضال الطبقي بصفته حركة اللاهوية (تعبير تحصيل حاصل، حيث أن اللاهوية يمكن أن تفهم فقط بصفتها حركة). ومن ثم: إننا «أيضًا اشتغلنا بمفهوم يضع الهوية أولاً واللاهوية ثانيًا. وهذا خطأ. واﻵن يجب أن نعيد المشكلة على قدميها، ونعكس القطبية، ونبدأ مجددًا من نقطة البداية، وهي الحركة نحو اللاهوية». ألا يوقع هذا عنفًا على أدورنو وترونتي؟ بالطبع، لكنه عنف إبداعي، ألا يدفعنا إلى الأمام في نضالنا ضد الرأسمالية وضد هوية نظام يقوم على الموت؟


اللاهوية إبداع، والهوية نفي اﻹبداع: كل شيء كائن. في ظل الرأسمالية، توجد اللاهوية «تحت مظهر الهوية»، ويوجد اﻹبداع في شكل اللا-إبداع، والفعل في صورة العمل المستلب. وتوجد قوة الذات بصفتها «مغالطة الذاتية المؤسسة»: «استعمال قوة الذات من أجل اختراق مغالطة الذاتية المؤسسة –هذا ما شعر المؤلف بأنه مهمته مذ وثق في دوافعه العقلية». يحول الجدل قوة الذات ضد مغالطة الذاتية المؤسسة: «الذات خصم الذات». الجدل هو الحس المتسق بما يكمن خفيًا: اللاهوية التي توجد تحت مظهر الهوية، واﻹبداع الذي يوجد باعتباره القاعدة الصنمية للأشياء، تخفي «مغالطة الذاتية المؤسسة» قوة الذات. يصبو الجدل إلى أن يلقي الضوء على قوة اﻹبداع اﻹنساني الذي يكمن في كل ما ينفي هذه القوة، وأن يفهم العالم من زاوية اﻹبداع اﻹنساني وليس فقط العلاقة بين رأس المال والعمل (المتفق عليها في المصطلحات الهوياتية التقليدية). لهذا على الجدل أن يكون في قلب مشروع الاستقلال الذاتي وأن يكون مشروع الاستقلال الذاتي في قلب النظرية النقدية، فبدون هذه الصلة، سيجف كلاهما ويصبحان ألعاب أكاديمية ويصبح أدورنو مجرد زينة فكرية وجزء من صناعة الثقافة التي كرهها.


«يعتبر الفكر بهذه الصفة، قبل كل مكوناته الجزئية، عملاً من أعمال النفي والمقاومة لما يفرض عليه»، والشيء نفسه يصح على الحياة أيضًا.


3


كي نسأل عن سبب وجوب قراءة أدورنو، نبدأ هذه المرة بالطريق المعاكس، ليس بأدورنو، بل بالعمالية اﻹيطالية أو انقلاب الاستقلال الذاتي على الماركسية اﻷرثوذكسية. في حين تبدأ الماركسية اﻷرثوذكسية -والخطاب اليساري كله تقريبًا- من رأس المال أو السيطرة، أصر الفكر العمالي اﻹيطالي أن يبدأ من أسفل، أو من نضالات الطبقة العاملة، أو بشكل عام، من النضال المناهض للرأسمالية. هذا انقلاب ذو أهمية جوهرية، ببساطة ﻷن البدء من السيطرة يعني أن نحبس أنفسنا في تصنيفات السيطرة، ليغدو الطريق الوحيد الممكن لكسر هذه السيطرة تدخُّلَ قوةٍ خارجية كالحزب الطليعي. لذا يعدُّ الانقلاب ذا أهمية بالغة في تحرير الماركسية من الحمل الزائد لتقليد الحزب الطليعي.


لكن هناك طريقتين مختلفتين لتفسير هذا الانقلاب، أحدهما إيجابي واﻵخر سلبي، ولهذه التفرقة تداعيات سياسية ونظرية مهمة، وإنه لفي هذا السياق يصبح لتقليد النظرية النقدية أو السلبية (مثل أدورنو وإرنست بلوخ وهربرت ماركوزه وفالتر بينامين وماكس هوركهايمر وغيرهم) دلالة سياسية حيوية.


4


الاستقلال الذاتي اﻹيجابي:


طبقًا لهذا التفسير، يقطع انقلاب الاستقلال الذاتي نصف الطريق فحسب، ﻷن الثورة المفاهيمية لا ترافقه.*


يُنظر إلى الطبقة العاملة باعتبارها نقطة بداية، لكنها تُفهم على أنَّها فاعل إيجابي. تحل الطبقة العاملة محل رأس المال باعتبارها القوة الدافعة للرأسمالية، وتناضل ضد رأس المال على أساس تركيب طبقي معين، ورأس المال يرد بمحاولة لتفكيك الطبقة العاملة ممّا يؤدي إلى إعادة تركيب الطبقة العاملة ودفع موجة جديدة من النضال وتفكيك جديد وهكذا تمضي في حركة مستمرة من التركيب - التفكيك - إعادة التركيب. تتطور الرأسمالية بدافع من نضالات الطبقة العاملة وتعيد الطبقة العاملة تشكيل نفسها مع كل موجة من النضال.


يبدو أن هذه الحركة تذيب كل شيء، وإلى حدٍ ما فهذا هو الواقع، لكن حيث أن ما من مساءلة ﻹيجابية تلك التصنيفات في هذه المقاربة، يتركز الانتباه فيها بشكل حصري تقريبًا على تركيب الطبقة العاملة، وهذا يخلط بسهولة بينها وبين التحليل السوسيولوجي، ويعيد إنتاج مفهوم هوياتي للطبقة العاملة داخل انقلاب الاستقلال الذاتي لا يمكن تفرقته عما تصفه الماركسية اﻷرثوذكسية، وهكذا:


  • يحل مفهوم جامد للتركيب محل تيار التركيب - تفكك التركيب - إعادة التركيب في الممارسة، ويصاغ هذا المفهوم من خلال محاولة تعريف التركيب الطبقي الحالي والتصنيف وبناء النماذج. وهكذا ينظر إلى حركة التركيب باعتبارها سلسلة من القفزات من نموذج إلى آخر: من العامل الصناعي إلى العامل الاجتماعي إلى الجماهير، يرافقها مراحل موازية في تطور الرأسمالية، من المصنع إلى المصنع الاجتماعي إلى الرأسمالية المُدمجة عالميًا (IWC)، إلى اﻹمبراطورية -كل التجميدات والمبالغات للميول الحقيقية. يرافق هذه المقاربة النماذجية رفضٌ واضحٌ لمنهج الجدل.

  • هناك انزلاق في هذا الفكر النماذجي من التأكيد على قوة النضال إلى تحديد خصائص المرحلة الحالية للرأسمالية، مما يعني نسيان الانقلاب اﻷصلي للعمالية اﻹيطالية، أو على اﻷكثر، هناك تقدير رمزي لدافع الاستقلال الذاتي في البداية، لكن يليه تركيز على تحليل السيطرة في الممارسة.

  • وبما أن عملية صياغة مفهوم الذات/الفاعل أصبحت إيجابية، سيفقد التضاد القطبي الذي يُعطي الطبقة معناها كطبقة، ويذوب التناقض في تعددية من الاختلافات، ويُخفف النضال ضد رأس المال إلى النضال من أجل ديمقراطية أصيلة.

  • وطالما فقدنا مركزية النضال ضد رأس المال، يمكن أن يعاود النضال الظهور باعتباره صراع بين مظاهر مختلفة من الرأسمالية: بين رأسمالية أوروبية ورأسمالية أمريكية، وبين رأسمالية تقدمية ورأسمالية رجعية.**


5


الاستقلال الذاتي السلبي:


تبدأ هذه المقاربة من تفسير أكثر راديكالية بكثير للانقلاب اﻷصلي. ليست نقطة البدء إحلال الطبقة العاملة محل رأس المال فحسب، بل أيضًا السلبية محل اﻹيجابية.


إن نقطة الانطلاق هي نضال الطبقة العاملة ونقطة الانطلاق هي الصرخة، «لا». لذلك فنقطة الانطلاق هي النفي، ليس بصفته فاعلاً إيجابيًا بل بصفته فاعلاً سلبيًا.


توجَد الطبقة العاملة باعتبارها نفيًا لرأس المال، أي باعتبارها أزمة. إذًا فالتشديد ليس على إعادة هيكلة رأس المال (كما هو الوضع في حالة الاستقلال الذاتي اﻹيجابي)، بل على اﻷزمة. وليست اﻷزمة مقولة إمبريقية بقدر ما هي خيارٌ نظريٌّ، فهي تمثل مركز الفكر ﻷن ما يهمنا ليس استقرار الرأسمالية بل عدم استقرارها وهشاشتها. ليست الماركسية نظرية حول إعادة إنتاج الرأسمالية، بل حول أزمتها. وليست الماركسية نظرية عن قوة رأس المال، بل عن قوة العمال غير الخاضعين.


إن الطبقة العاملة نفيُ الرأسمالية وأزمتها، وبالتالي نفي ذاتها وأزمتها. يعني نفي رأس المال أن ننفي ما يخلقه، وهو العمل المجرد أو المستلب، ويعني نفي العمل المجرد النضال من أجل انعتاق ما ينفيه العمل المجرد كل يوم، أي النضال من أجل انعتاق النشاط النافع أو المبدع الذي يدفعنا إلى انعتاقنا. إن الصراع الطبقي ليس مجرد نضال العمل ضد رأس المال، لكن على مستوى أعمق بكثير، نضال النشاط ضد العمل (المجرد أو المستلب) وبالتالي ضد رأس المال. وهذا يعني النضال ضد نظام كامل من التصنيف مبني على أساس العمل المجرد، كما يعني نضال الطبقة ضد نفسها بصفتها طبقة وباعتبارها تعمل عملاً مجردًا.


إذًا ليس فاعل النضال المناهض للرأسمالية سوى فاعلٍ مناهضٍ للهوياتية. يمكننا أن نطلق عليه فاعل الطبقة العاملة فقط إذا قصدنا أنها مناهضة لكونها طبقة ولكونها عاملة، أي حركة ضد التصنيف وضد الخضوع إلى العمل المستلب، أو يمكننا أن نطلق على ذلك الفاعل ببساطة "نحن"، لكن مع اعتبار "نحن" تلك ليست بصفتها هوية بل باعتبارها مناهضة للهوية، نفيًا، سؤالاً مفتوحًا، أو ربما يمكننا أن نطلق على أنفسنا المناهضين للهوية والفاعلين بلا اسم.


وبصفتنا مناهضين ضد الهوية، فإننا لا نسعى إلى التعريف، لكن للتحرك ضد كل التعريفات متجاوزين إياها. أو بصورة أكثر دقة، نحن نعرّف لكن نتجاوز التعريف في آنٍ واحدٍ. نحن سكان أصليون، لكننا أكثر من ذلك، ونحن نساء، لكننا أكثر من ذلك، ونحن مثليون لكننا أكثر من ذلك. إن لم يتضمن نفي التعريف في التعريف ذاته، فسيصبح التعريف رجعيًا. إننا نصوغ المفاهيم ﻷننا لا نستطيع التفكير بدون المفاهيم، لكننا ننفي المفاهيم في الحال ﻷنها جميعًا غير ملائمة، وجميعها عقبة أمام الحركة وبالتالي أمام الصراع الطبقي. كل المفاهيم تحتوي، ولا تحتوي، ونحن القوة التي لا تسمح لنفسها أن تحتوى، نحن نتدفق. نضالنا هو نضال اللاهوية داخل الهوية وضدها ومتجاوزًا إياها.


تنفتح الحركة المناهضة للهوية، وهي ليست حركة سلبية ببساطة، بل تنفتح باتجاه نشاط مختلف، فهي حركة للنفي واﻹبداع والنفاذ عبر نسيج السيطرة والمساحات أو لحظات اﻹبداع البديل: ثغرات تتمدّد وتتكاثر.


تهاجم الهوية المضادة الهوية وتفتحها باحثة عن حركتها التي تحاول الهوية احتواءها دون نجاح. وتهاجم تصنيفات الاقتصاد السياسي كي تكشف التضاد بين العمل المجرد والنشاط النافع أو المبدع، الذي تحتويه التصنيفات ومع ذلك لا تستطيع احتواءه بعد، تهاجم كل تصنيفات الفكر البرجوازي في نقد مشخصن، نقد يسعى دائمًا إلى النشاط اﻹنساني ووجوده المتناقض بصفته مصدر كل الحركات، وتهاجم اﻷسماء كي تحرر اﻷفعال من تلك اﻷسماء التي تحبسها وتجمدها وفي الوقت نفسه لا تقدر على تجميدها، وتهاجم الساعات التي تضم اﻹيقاعات المبدعة للنشاط اﻹنساني ولا تستطيع احتواءها تمامًا***، وتطلق عليها النار كي ترينا أن الثورة الوحيدة هي ثورة هنا واﻵن، وأن فكرة الثورة القادمة في المستقبل ليست سوى هراء، وتهاجم الدولة كي تجد ما تحاول احتواءه دون أن تستطيع ذلك: النضال من أجل تقرير المصير. إن الحركة المناهضة للهوية هي حركة ثورة بلا اسم كما وصفها راؤول فانيجيم.


6


هناك شكلان من الاستقلال الذاتي إذًا، أحدهما إيجابي، ذلك الذي يصنف ويسعى إلى أن يضع كل شيء في موضعه وينزلق إلى علم الاجتماع ويتغزّل في الحكومات التقدمية، أما اﻵخر فهو خطرفة ونقد مُدَوِّخ وحركة مزعجة للاهوية بلا نماذج وبلا شيء راسخ تتمسك به ويطرح أسئلة ولا ينبئنا بشيء. ما زال اﻷول واقعًا في فخ هويات العمل المجرد، واﻵخر يدفع ضد كل الهويات متجاوزًا إياها ومساهمًا في ازدهار النشاط النافع المبدع وتفتحه، وهذه تفرقة مهمة على المستوى السياسي.


7


لماذا أدورنو إذن؟ هذا هو السبب.

__________________________________

المراجع:

Adorno T. W. (1990), Negative Dialectics (London: Routledge)


Benjamin W. (1969) «Theses on the Philosophy of History», in Illuminations (New York: Schocken Books), pp. 153-164


Hardt M. and Negri A. (2000) Empire (Cambridge Mass.: Harvard U.P.)


Hardt M. and Negri A. (2004) Multitude (New York: Penguin Press)


Holloway J. (2005) Change the World without taking Power (new, revised edition) (London: Pluto)


Negri A. and Cocco G. (2006) GlobAL: Biopotere e Lotte in America Latina (Rome: Manifesto Libri)


Tronti M. (1979), «Lenin in England», in Red Notes, Working Class Autonomy and the Crisis (London: Red Notes)


Vaneigem R. (1993) The Revolution of Everyday Life (London: Left Bank Books and Rebel Press)Virno P. (2004) A Grammar of the Multitude (New York: Semiotext(e))

_______________________________________________

الهوامش:


* أفكر باﻷساس في هذا القسم فيما يطلق عليه أحيانًا «ما بعد العمالية اﻹيطالية» التي يمثلها مؤلفون مثل أنطونيو نيجري ومايكل هارت وباولو فيرنو، لكن الوضعية النظرية موجودة في أدبيات الاستقلال الذاتي المبكرة، لنقد أكثر تفصيلاً يرجى مراجعة كتابي «غير العالم بدون الاستيلاء على السلطة: معنى الثورة اليوم» (2005).


** انظر على سبيل المثال الدعم الذي قدمه أنطونيو نيجري لحكومات اﻷرجنتين والبرازيل وبوليفيا وفنزويلا.


*** انظر اﻷطروحة الخامسة عشر من أطروحات فالتر بنيامين عن مفهوم التاريخ.