فِتْنَةٌ: ملحوظاتٌ في عِشقِ اللِّسانَيْنِ

رشيد وَحْتِي (*)


I

[إلى ذِكرَى ڤَالْتِرْ بِنْيَامِينْ]


1. كثيرًا ما تَمَّ تَبْخِيسُ اشتغالِ المترجِمِ بِاختزالِه في نقلِ المعانِي مِنْ لغةٍ إلى لغةٍ أخرى، في حينِ أَنَّ هجرةَ النُّصوصِ هجرةُ معنًى ومبنًى مِنْ ثقافةٍ إلى ثقافةٍ أخرى.


2. تَرجماتي جزءٌ أساسيٌّ مِنْ مؤلَّفاتي الأصيلةِ، وأنا هنا أُفَضِّلُ الكلمةَ التُّراثيةَ ”صَنْعَةٌ“ على الكلمةِ الرَّائجةِ: تَرجمةٌ. كَليلةُ ودِمنةٌ للهندي بَيْدَبَا، الصَّنعةُ العربيَّةُ لابنِ المقفَّعِ.


3. عندما يكونُ لي الخيار بين طَيفٍ مِنَ الكلماتِ، أَسْتَرْشِدُ بِأرسطو: ”بين كلمتين، ينبغي اختيار أخفِّهما“. [الإثيقا إلى نِيقُومَاخُوس، السِّفر 2، 9.4].


4. عندما أَنْقُلُ شعرًا حرًّا أو موزونًا عن لغةٍ وسيطةٍ، أَصوغُ الصَّنعةَ العربيَّةَ نثرًا، ممَّا يتيحُ لي — بِحُرِّيَّةٍ أكبرَ — البحثَ عن إيقاعاتٍ، فواصلَ، جَرْسٍ حُروفِيٍّ وتَرَادُفَاتٍ صوتيَّةٍ تتواءم مع مَا يمثلُ أمامي في النَّصِّ الوسيطِ، الَّذِي لا أَنقُلُ عنه إلَّا إذا وَثِقْتُ بِصنعةِ صَاحِبِهِ.


5. في تقديسِ النَّقلِ عنِ الأصلِ بعضٌ مِنْ ميتافيزيقا البحثِ عن كلامِ البداياتِ: إدراكُ أجواءِ عَوَالِمِ ورؤيةِ الشُّعراءِ النَّظريَّةِ أهَمُّ، أحيانًا، مِنْ تَمَلُّكِ ناصيةِ لغةِ الأصلِ دونَ رؤيةٍ مؤسَّسةٍ في التَّرجمةِ والحواشِي الثَّقافيَّةِ للنُّصوصِ. [سان-جون پِرس/ أدونيس/ علي اللَّوَّاتي.]


6. التَّرجماتُ تَشيخُ، وبعضُها يصمُدُ إذا استطاعَ إنتاجَ نصٍّ نِدٍّ يَتَوَفَّقُ، وسطَ لغةِ وثقافةِ استقبالِه، في القَطْعِ مع الأصلِ، لِيُشَكِّلَ مَرْجِعًا ومصدرًا شِبْهَ مستقِلٍّ، كأنَّ لا سابِقَ له. [صنعة بودلير ومالارمي وڤاليري لإدڴار آلن پو.]


7. - يا مترجم، يا خائن ! - "لا نخون إلا الذين نُحِبُّهُمْ." (جون جوني)


8. لا أترجمُ إلَّا ما أُغْرِمْتُ به، حدَّ أنَّني أتمنَّى لو كنتُ كاتبَه، أَتَمَاهَى معه؛ فيما خلا حالةً استثنائيَّةً واحدةً: أحببتُ كثيرًا قصائدَ الشَّاعر الصُّهيونيِّ [يصرِّح للصِّحافةِ بأنَّه عراقيٌّ أيضًا] رُونِي سُومِيكْ، مع أنَّني قرأتُه قراءةً مُتَرَصِّدَةً، قراءةَ عَدُوٍّ لِعَدُوٍّ؛ وكذلك ترجمتُه ترجمةً مترصِّدةً: لم أَتَعَامَلْ مع النُّصوصِ الَّتي تَتَّخذُ لها المَشرقَ العربيَّ كجغرافيا مثلما تعاملتُ مع النُّصوصِ التي تجري خارجَ أرض الصِّراعِ.


9. ترجمتُ سُونِيتَاتٍ مِنْ عصرِ النَّهضةِ الأورُپِّيَّة، وكانتْ تَطِنُّ في رأسِي — ساعتئِذٍ — موشَّحاتٌ أندلسيَّةٌ. سوُنِيتَةْ: أُغْنِيةٌ صِقِلِّيَّةٌ وَجيزة؛ كان العرب هناك، في صِقِلِّيَّةٌ.


تْرُوبَادُورْ: طَرَبْ دَوْر، دورُ موسيقي؟ أم دورانٌ وحَوْمٌ بينَ الأمكنةِ؟ أم هو دورانٌ على طريقةِ الدَّراويشِ المَوْلَوِيَّةِ؟


ثمةَ خيطٌ يبقى رابِطًا بين الكلماتِ حينَ تُهَاجِرُ مِنْ ثقافةٍ إلى ثقافةٍ أُخرى؛ الاشتقاق يَحُوكُ ما انْفَتَقَ؛ التَّرجمة تَكشِفُ عن أواصرَ لم تَخْطُر على بال..


10. تَمَرَّنَتْ وانصَقَلَتْ لغتي الشِّعرية عبر مِحَكِّ التَّرجمةِ: أسهمتْ محاولاتي في استجلابِ تراكيبَ وعباراتٍ فرنسيَّةٍ وإسپانيَّة إلى العربيَّةِ في إبعادِي عَنْ بعضِ شيخوخةِ وطُهرانيَّةِ التَّمسُّكِ بِأطروحتَيْ فصاحةِ وعبقريَّةِ اللُّغةِ العربيَّةِ.


11. ”الشِّعرُ لغةٌ داخلَ اللُّغةِ“ [پُّولْ ڤَالِرِي]، وعليهِ فترجمةُ الشِّعرِ متاهةُ لغاتٍ، لغةٌ داخلَ لغةٍ داخلَ لغةٍ..


12. مجموعُ ترجماتِ النَّصِّ الواحدِ هو مجموعُ تأويلاتِهِ؛ ليستْ ثمَّة ترجمةٌ نهائيَّةٌ [مثلما ليسَ ثمَّة نصٌّ نهائيٌّ]، بما أنَّه ليستْ ثمَّة قراءةٌ تأويليَّةٌ تستطيعُ استنفاذَ غِنَى النَّصِّ. لا ترجمةُ السَّابقِينَ لي تثبِّطُ عزيمَتِي في وضعِ ترجمةٍ جديدةٍ، ولا ترجمتِي تُغلقِ بابَ ترجمةِ نَصٍّ مِنْ بَعدِي.


13. ثمَّةَ شعراءُ أساسيُّون حَجَبَتْ ترجماتُهم نصوصَهم الأصيلةَ، غالبًا بسببِ سياسة النَّاشرين والإعلاميين التي تُسَوِّقُ الأسماءَ والمطبوعاتِ وِفْقَ هوى السُّوق: جَاكْ لَاكَارْيِير، دومينيك ڴْرَامُون، كْلُود إسْتِبَان، بَسَّام حجَّار، محمَّد الشَّرڴي..


II

[تَحَايَا لِصَاحِبِ ”الْأُطْرُوحَاتُ حَوْلَ فْيُورْبَاخُ“.]


14. فِي الشِّعْرِ — دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْكِتَابِيَّةِ — أُحْجِيَّةٌ، تَجْعَلُ قِرَاءَتَهُ مُتَجَدِّدَةً، لَا تُسْتَنْفَدُ، لَا نِهَائِيَّةً.


15. تَرْجَمَاتُ الشِّعْرِ تَشِيخُ، كَالصُّورَةِ فِي الْمِرْآةِ، وَتَبْقَى الْمِرْآةُ صَقِيلَةً. لِذَلِكَ تُجَدِّدُ الْأُمَمُ الْحَيَّةُ، دَوْرِيًّا، تَرْجَمَاتِهَا لِلنُّصُوصِ الْحَيَّةِ.


16. لِكُلِّ أُمَّةٍ حَالَةٌ شِعْرِيَّةٌ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ كَلِمَةٍ/مَفْهُومٍ — تَسْتَحِيلُ تَرْجَمَتُهَا لِأَنَّهَا مِنْ جَوْهَرِ تِلْكَ الْأُمَّةِ ثَقَافَةً/لِسَانًا: الْـ witz الْجِرْمَانِيُّ، الْـ duende الْإِسْبَانِيُّ، الْـ saudade الْبُرْتُغَالِيُّ..


17. الْفِتْنَةُ — سَلْبًا وَإِيْجَابًا — جَوْهَرُ كَلَامِ الْعَرَبِ.


18. فِي تَارِيخِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ، تَصَارَعَ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّعَرَاءُ عَلَى هَمْهَمَاتِ السَّمَاءِ [أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ، الْمُتَنَبِّي، الْمَعَرِّي، ..]


19. فِتْنَةُ الْكَلَامِ الَّتِي لَا تَمُرُّ مِنْ لِسَانٍ إلى لسَانٍ: مُعَلَّقَاتُ الْجَاهِلِيِّينَ [كَيْفَ لِمُتَرْجِمٍ أَنْ يَنْقُلَ الْإِيْقَاعَ الْهَادِرَ، الْمُحَاكَاةِ الصَّوْتِيَّةَ فِي: ”مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا/ كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ“، كَيْفَ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ — فَقَطْ! — شَطْرًا يَكَادُ لَا يَقُولُ التِّكْرَارُ فِيهِ شَيْئًا، إِلَى لُغَةٍ لَا تَقْبَلُ التِّكْرَارَ: ”عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذَ عَوَى“.]


20. تُتَرْجَمُ النُّصُوصُ تَرْجَمَةً تَصْمُدُ طَوِيلًا فِي وَجْهِ الشَّيْخُوخَةِ عِنْدَمَا تَسْتَقِلُّ نِسْبِيًّا عَنِ الْأَصْلِ: تَرْجَمَةُ الْمَلِكِ جِيمْسْ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، تَرْجَمَتَا بُودْلِيرْ وَمَالَارْمِي لِپُّو، تَرْجَمَةُ فِيتْزْجِيرَالْدْ لِرُبَاعِيَّاتِ الْخَيَّامِ.


21. اسْتِنَادُ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ إلى الْوَزْنِ بَيْنَ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ مَعَ نِظَامِ شَطْرَيْنِ وَتَقْفِيَةٍ يَجْعَلُ تَرْجَمَةَ كُلِّ مَا بَيْنَ الْجاَهِلِيِّينَ وَالْجَوَاهِرِي شِبْهَ مُسْتَحِيلٍ، خُصُوصًا فِي لُغَاتٍ يَسْتَنِدُ إْيَقاعُهَا إلى النَّبْرِ.


22 مُكَرَّر: جَرَّبْتُ تَرْجَمَةَ بَعْضِ سُونِيتَاتِ بُودْلِيرْ نَثْرًا.. رُحْمَاكِ أَيَّتُهَا الْآلِهَةُ لِعَظِيمِ خَطِيئَتِي!


23. هَلْ غُنُوصُ أُنْسِي الْحَاجْ الشَّرْقَيُّ/الْمَسِيحِيُّ/التَّجْدِيفِيُّ قَابِلٌ لِلتَّرْجَمَةِ؟

_____________


(*) شاعر ومترجم من المغرب.