• حمزة بن جعفر

في ذكرى ميلادك الـ130: عيدًا سعيدًا يا غرامشي!

مادة لـ لورينزو ألفانو

ترجمة: حمزة بن جعفر

لقراءة المادة باللغة الأصلية اضغط هنا

_____________________


كان الوقتُ آخِر اللَّيل عندما حَلَّ رجلٌ يتكلم بلكنةٍ جنوبية على مكتب جريدة "النظام الجديد" (L'Ordino Nuevo) بمدينة تورينو الايطالية. أَلحَّ كثيرًا في طلب الحديث إلى رئيس هيئة التحرير. بدا أمره مريبًا خاصة أن "النظام الجديد" لم تكن يومية العمال فقط، بل الجريدة التي يُشرِف على إصدارها أنطونيو غرامشي.


وبما أن المشهد السياسي بمدينة تورينو أوائل عشرينيات القرن الماضي كان مشحوناً للغاية، فقد دأب عمال المصانع على تشكيل فرق متناوبة تتكلّف كل ليلة بحراسة مدخل مبنى الجريدة. لقد ظل الجميع يترقب هجوم العصابات الفاشية على مبنى الجريدة في أي لحظة. لذا، كان مبنى الجريدة محصنًا بشكل جيد. فبالإضافة إلى الحواجز المعدنية الكبيرة والأسلاك الشائكة، كان العمال المكلفون بالحراسة مسلحين بالرشاشات والقنابل اليدوية أمام الردهة التي تُفضي إلى الممر الفاصل بين المدخل الرئيسي ومكاتب المحررين، أو هكذا زُعِم.


تَفحَّص الحارس المُكَلَّف بالمراقبة تلك الليلة الزائرَ بتمعن. كان يبدو شخصًا ينحدر من نابولي. لكن من الوارد أن يكون جاسوسًا لصالح شركة فيات (FIAT)، أو من الفاشيست، أو شرطيًا (ربما الثلاثة معًا). اشترط عليه الحارس وضع عصابة على عينيه لو أراد لقاء غرامشي وذلك لتجنب اطّلاعه على الحالة الأمنية لمبنى الجريدة. أثار شرط الحارس الحنق في نفس الزائر، فقرر أن يعود أدراجه. وبمجرد تراجعه بضعة خطوات، استدار مناديًا "أَخبِر غرامشي أن بينيدتو كروتشه أتى هنا من أجله".


رغم خيبة أمله بسبب ضياع فرصة لقاء كروتشه، أضحكت سخرية هذا الموقف غرامشي وهو يحاول تخيل مثقف إيطاليا المبجل يسير متعثرًا ومُعصَبَ العينين بحثًا عن أنطونيو. أضحكه ذلك لأنه كان رجلًا فَكِهًا: شخصًا اجتماعيًا بشوشًا اعتاد أن ينطلق في موجاتِ ضحكٍ طفولي غامر تؤنس كل من معه.


عثرات على الطريق


أثناء السنة الأخيرة من عملي في مؤسسة غرامشي بروما، أتيحت لي فرصة دراسة عدد هائل من الشهادات الشخصية حول ما كان عليه غرامشي في حقيقة الأمر. بفضل فابيو داي (Fabio Dei) الذي قدم لي أول مرة "دفاتر السجن" لغرامشي، وبحثًا سابقًا لكل من ماريا لويزا ريغي (Maria Luisa Righi) وفرانسيسكو غايزي (Francesco Giasi) تمكنت حقًا من تكوين فكرةٍ واضحة المعالم عن غرامشي. فوجدت غرامشي مثقفًا أليف المعشر، يتبادل النكات، ويستلطف المزاح. شخصيةٌ أبعد ما تكون عن الرجل الصّارم أو البطل التراجيدي الذي نتخيل.


برغم أن غرامشي قضى نحبه سنة 1937 على أيدي الفاشية، إلا أنه لم يستكنْ قطّ في حياته للتشاؤم، اللّهم ما اُشتِهَر عنه من "تشاؤم العقل". كان من الأجدى عنده استحضار أسوأ وضعية ممكنة "ليتمكن المرء من حشد كل مخزونه الاحتياطي من التفاؤل والإرادة بغية التغلب على ما يعوقه من صعوبات".


كان على غرامشي أيضًا أن يواجه معاناته مع مرض السل والحدب. جعله تقوس ظهره هذا عرضةً لتهكم لِئام النفوس، وبالطبع لمَن عدموا وسيلة أخرى للنيل من تفوقه الماحق عليهم في السجال والإقناع. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث معه سنة 1925، حين ألقى خطابه الوحيد في مجلس النواب قبل أن يستولي موسوليني على الحكم بوقت قصير. قاطع الفاشيست في البرلمان مرارًا خطاب غرامشي الذي يدين النظام، مرددين عبارة "أصمت يا ريغوليتو [شخصية مهرج القصر وبطل مسرحية بياف التي تحمل نفس الاسم –م]".


لم تكن سنوات الجامعة أفضلَ حالًا، إذْ كانت مليئة بنعوت قدحية مماثلة. فمثلًا، توجه بعض زملائه في الجامعة لأستاذه فالينتينو باستور (Valentino Pastore) بالقول: " غرامشي هذا، كما ترى مُجرَّد حَدَبة". "نعم هو حدبة" رد الأستاذ، "لكن يا له من حدبة!". يريد بذلك قول بول سيزان عن كلاود مونيه[1]: "هو مجرد عين، ولكن ما أقدرها من عين!".


رافقه هذا المرض طوال حياته إلى أنْ تُوفّي مبكرًا نتيجة عذابات سجون الفاشية. لكن، ومن ناحية أخرى، أضفى على حياته اليومية تفاصيل جد متراكبة. من المحتمل أن نقضي وقتًا طويلًا نفكر فيما كان سيصبحه غرامشي لو لم يُصَب بالسل والحدب. لكن على الأرجح، لن نَخلُصَ لأفضل مما قاله غوسيب أموريتي (Giuseppe Amoretti) بحب عميق في هذا الصدد:


من المستحيل أن يكون أنطونيو خلاف ما كان عليه؛ بل يتعذر علينا تخيل أنطونيو آخر مختلف أو أفضل. تحتم أن يكون الوردة التي وهبتها لنا الطبيعة والمجتمع. فكان من الحتمي أن يكون قدره الجسدي والإنساني عظيمًا و متفردًا كما هو الأمر بالنسبة للعباقرة والأبطال مَن لا يكترثون بالمسرات والآلام، لأنَّ أمامهم طريقًا عظيمًا زاهرًا ليتبعوه.

لم تكن الأوضاع في تورينو أوائل عشرينيات القرن الماضي تسمح بإهدار الوقت في المسائل الهامشية. هكذا، ظلت مشاكل غرامشي الوجودية أمورًا ثانوية مقارنة بهمومه الأخرى. فكان غرامشي عاملًا لا يكلُّ وقد أخلص كل جهده لربّ عمله الوحيد: الطبقة العاملة. على أن تعامله مع عمال مصانع تورينو لم يكن على النحو المعتاد والمألوف. فعلى النَقيضِ من العديد من المثقفين آنذاك وحاليًا، لم يرَ في العمال قطُّ ذواتاً مَسْلوبةَ الإرادة.


آمنَ غرامشي، كما وصف ذلك أمبرتو كَلوسو (Umberto Calosso) في جلسةٍ عقدت بالجمعية التأسيسية سنة 1947، بأن الطبقة العاملة هي "أرستقراطية الجنس البشري" –ومن الواجب معاملتها على هذا النحو. وما من شك أن العلاقة التي تربط المثقفين بالجماهير يجب أن تكون علاقة "تعلم"، لكنه تعلمٌ وتثقيفٌ متبادل بين العمال والمثقفين بحيث يُمَكِّنهم من بناء مَنهجِ تثقيفٍ سياسي جماهيري.


بالنسبة لغرامشي، لا "يذهب" المرء إلى الطبقة العاملة أو "ينزل" إليهم ليسعفهم بكلماته الطيبة. بل على المرء، كما يقول بالحرف، أن "يرتقي نحو الطبقة العاملة". على هذا النحو عُكِس منظورنا للطبقة العاملة. أو كما صاغها واحد من "تلامذته" في السجن؛ "لم نكن نشعر بجواره بأي اسْتِثقالٍ أو مسافة فاصلة كما يشعر عادة العمال عند حديثهم مع المثقفين. لم يكن يتعامل معنا على اعتبارنا مجرد أدواتٍ ماديةٍ تقدَح فتيل الانتفاضات الاجتماعية، لا قِبَل لها على أنْ تمتلك الوعي والإدراك، أو أنْ تكون أبطال الثورة".


صناعة الأبطال


وضع غرامشي نصب عينيه هدف المساهمة في بناء نهج تثقيف سياسي جماهيري، وقاده هذا المسار إلى تأسيس جريدة "النظام الجديد" سنة 1919. كان واحدًا من بين أربعة محرِّرين: أنجيلو تاسكا (Angelo Tasca)، مناضل كرَّس نضاله لمناهضه الحرب العالمية الأولى؛ بالميرو تولياتي (Palmiro Togliatti)، سيتولى الأمانة العامة للحزب الشيوعي فيما بعد؛ أمبرتو تيراسيني (Umberto Terracini) أحد الموقعين على دستور إيطاليا بعد الحرب العالمية سنة 1948.


لم يتجاوز أي من المحرِّرين سن الثلاثين حينها، وقد ذاقوا جميعًا بطش نظام موسوليني. اضطُرَّ تاسكا وتولياتي العيشَ في المنفى، بينما أصدرت المحكمة الفاشية أحكامًا بالسجن لمدة 45 سنة بحق غرامشي وتيراسيني. جدلَ الشغف الذي يكنُّه كل واحد منهم للتثقيف البروليتاري رابطةً وحَّدَت الأربعة، حسبما أعربَ تيراسيني نفسه فيما بعد:" كنا نود العمل والقيام بكل شيء".


وأمام المهام الكثيرة التي يتعين القيام بها؛ لم يكن من المسموح إهدار ولو هنيهة من الوقت. فقد وضعت مجزرة الحرب العالمية الأولى أوزارها منذ بضع شهور مُخلِّفةً وراءها مليون قتيل في إيطاليا وحدها. حصيلة دُفِعت من أرواح الطبقات الشعبية. أما في تورينو فكان الوضع أشبه ببرميل بارود يكاد ينفجر. فيما غضب العمال واضح للعيان، فهؤلاء العمال فقدوا ثقتهم في "الخُطَب الراديكالية" للحزب الاشتراكي القديم الذي عجز عن تحويل خطابه "الثوري" إلى ممارسة ثورية.


في غضون ذلك، أثبتتِ الأحداث في روسيا أن ماركس كان عظيمًا وأن لينين كان رسولَ بشارته للكادحين: كان مقتضى رسالتهم وعد بـ"السلام والخبز والأرض". لذا، كان أكتوبر الأحمر أمل المضطهدين، وكان البلاشفة المثال المأمول عند كل القطاعات المسيسة من الطبقة العاملة في إيطاليا والعالم.


كان محررو "النظام الجديد" في تورينو أكثر الأشخاص بلشفية في إيطاليا آنذاك. كان محتومًا أن تَقذِف شعلة أكتوبر الحمراء شرارتها خارج حدود روسيا، وقد التقطتها الحركة العمالية الإيطالية لتتوهج في أقل من عامين. فعرفت الفترة قبيل انتفاضة العامين الأحمرين (Biennio Rosso 1919–20) مناخًا ثوريًا مستعرًا: خوض الإضرابات تلو الأخرى، احتلال العمال للمصانع وتسليح أنفسهم ليشكلوا فرق "الحرس الأحمر". وبرغم احتلال المصانع، إلا أن الإنتاج لم يتوقف بل ظل مستمرًا بشكل عادي دون مديري المصانع -ما أثبت أنَّ العمال قادرين على تنظيم وتسيير المجتمع برمته.


صارت تورينو –التي اشْتُهرت حتى عهد قريب من ذلك الوقت بـ"مدينة السيارات" في إيطاليا، وهي مركز صناعة السيارات– مدينةَ مجالس المصانع والمدينة التي يحجُّ إليها الكُّتَّاب الصحفيون زائرين من كل بلد: "كعبة الشيوعية الإيطالية" أو "بتروغراد إيطاليا". هكذا، أكَّدَ العمال على سلطتهم، لا عبر القوة "العسكرية" فقط ولكن أيضًا، وهو الأهم، عبر القدرة الهائلة على التنسيق والتفكير الجماعي –ذلك ما يجعلها طبقة قادرة على أن تستغني عن المديرين وأرباب العمل.


في خضم هذه الأحداث وبسببها، كانت فرائص أرباب العمل ترتعد. إذْ في منظورهم، لم يكن هذا العالم المقلوب سوى كابوس لا يطيقون احتماله. هكذا، كانت الفاشية، لا أي شيء آخر، السبيل الأوحد لضرب العمال بلا رحمة، واستعادة نظامٍ لم تعدِ المؤسسات الديمقراطية الليبرالية المزعومة قادرة على تأمينه على أرضية التوافق.


طبعت هذه المشاهد السنوات التي سبقت مسيرة الفاشيست نحو روما. كان مبنى "النظام الجديد" يشع حيوية ونشاطًا، واحتل موضع القلب في جسد الصراع السياسي في تورينو. فكانت تَفِدُ إلى مكتب غرامشي المجموعة تلو الأخرى: من بينهم رفاق له في العصبة الشيوعية المحلية، وكوادر الحركات الشبابية والنسائية، وقادة من النقابات، ومثقفون، وعناصر من الحرس الأحمر، وأساتذة غرامشي السابقون، ورفاق من عوام العمال، بل ومن لم ينتسب لأي حزب.


أبقى هذا الالتحام بالحركة السياسية على الأرض، كما يمكن لنا التصور، الجريدةَ على صلة وثقى بالشارع. لكن وفي الوقت نفسه خلقت الوفود المتتابعة على مبنى المؤسسة مشاكل لغرامشي الذي لم يكن يتمكن عادة من التفرغ لإنهاء المواد المطالب بها. لذلك، كان يُرغَم على الكتابة في بعض الأحيان، كما يذكر زميله في هيئة تحرير الجريدة ماريو مونتانانا “Mario Montagnana”:

كان على أحد المحرِّرين أن يأتي كل مرة عند الساعة التاسعة أو العاشرة ليلًا، أي عندما يتوقف الزوار عن التوافد، إلى غرامشي ويقول له بكل الصرامة اللازمة: "لن يُسمَح لأحدٍ بالدخول عليك حتى تنتهي من كتابة المقال". فيُحْكَم إغلاق الباب ويقف أحد الرفاق في الممر المؤدي للمكتب حتى يمنع كل من يريد إفساد خلوة غرامشي. بعد قرابة ساعة، يسلم غرامشي أخيرًا المادة على شكل صفحتين أو ثلاث بحجم راحة اليد، مكتوبة بخط يده بوضوح وتكثيف ودون تشطيبات تقريبًا.

لكن بصرف النظر عما سببته هذه الزيارات من مشاكل بسيطة، تمكنت الجريدة بفضلها من تحقيق الهدف الذي حددته في افتتاحيتها الأولى. بمعنى، أنْ تكونَ مركزًا للإعداد والتأهيل على نشر أكثر التيارات الثقافية والسياسية تقدمية في ذاك الزمن. أسهمت هذه الرؤية في بلورة هاجس سكن غرامشي، وهو تأهيل الكوادر الحزبية.


إذْ أدركَ جيدًا أن إنجاز مهمة بناء مجموعة صغيرة من القادة أيسر من رصِّ اصطفافات قوامها قادةٌ ذوو كفاءة متوسطة. تطلع لبناء قادة يمثلون أفضل ما تكتنزه الطبقة العاملة ويشكلون النواة الصلبة للحزب الشيوعي. فجنَّدَ لهذه المهمة كل إمكاناته وتحلى بالصبر اللازم من أجل بلورة منهج يعنى بتأهيل القادة والكوادر. ولم ينِ عن حثِّ الرفاق على التعلم موضحًا أنه لا مجال للفصل بين ثوار يقفون خلف المتاريس وثوار يجلسون وراء المكاتب -بل من الضروري أنْ تثقّفَ الجميع، فالثقافة هي الحليف الأقوى للممارسة.


النقد ثم النقد


في هذا العمل "السقراطي"، تحلَّى غرامشي دومًا بالحسِّ النقدي اللازم للتصدي لأخطاء رفاقه. ولكن هذا الحس، كما وصفه مونتانانا، "لم يسقط قط في مهاوي السلبية أو التثبيط الذي قد يجعل رفاقه يفقدون الثقة في إمكاناتهم". على العكس، كان غرامشي مجبولًا بإنسانية وصدق عميقين لا تشوبها قط أي صلافة ذاتية –وهو ما ساهم في صقل نهجه التعليمي في سياق النشاط اليومي.


بيد أنَّ علينا ألَّا نُوهِم أنفسنا ونرسم صورة عن غرامشي يظهر فيها سقراطيًّا مرهفاً. بل على العكس، كان حازماً ومتشددًا لا مع خصومه وحسب بل ومع رفاقه، الذين بمجرد أن يتمكنوا من بلوغ مرحلة "الرشد" السياسي، حتى يُعلِي من قيمتهم لمستوى رفيع يخولهم أن يكونوا معلمي أفراد آخرين.


من المناسب في هذا الصدد استحضار تلك الرسالة التي بعثها غرامشي لرفقيه فينسينزو بيانكو (Vincenzo Bianco) سنة 1924، يحدثه فيها عن نجاحه في إرغام أحد طلابه الأوائل في هيئة التحرير على "إعادة كتابة المواد من البداية، لثلاثِ أو أربع مرات، ليختزلها من ثمانية أعمدة طويلة لعمود ونصف فقط". ثم أردف بحزم صارم "أما فيغلونغو، الذي كان أخرقًا أول الأمر فقد صار يكتب ببراعة رفيعة لدرجة أتخيل أنه سصبح رجلًا عظيم الشأن وينأى بنفسه عنَّا. لذلك، لم أعد أتحمل مسؤولية تعليم شباب من طينته: لو أسعفتني قدرتي، سأقتصر على تأهيل العمال فقط كونهم لا يملكون أي رغبة في أن يصبحوا صحافيين برجوازيين ذوي شأن".


لقد اعتدنا أن نؤطر غرامشي في صورة المفكر. لذلك من المحتمل أن تنتابنا الدهشة حينما نقرأ شهادة جيوفاني بارودي (Giovanni Parodi) عن غرامشي الذي لم تشغل الكتابة سوى جزء ضئيل من نشاطه العام الذي تركز أغلبه "بشكل كبير على التأهيل الشفوي والتعليم العملي".


كان بارودي نفسه أفضل تجسيد للنهج التعليمي الذي كرَّس له غرامشي حياته. فبعد أن ولج المصنع وهو في سن الرابعة عشر، عمل هذا القيادي العمالي على تطوير ثقافته السياسية ومعرفته التقنية حتى أصبح قادرًا على تسيير عملية الإنتاج في الوحدة الميكانيكية لمصنع فيات خلال فترة اِستِيلاء العمال عليه. كان بمثابة إثبات على عملية "قلب هرم السلطة" التي شهدتها مدينة تورينو عقب سنة 1918. وهو ما توضحه الصورة الشهيرة التي يظهر فيها العمال جالسين حول مكتب الرئيس جيوفاني أنيلي ومن بينهم قائد مجلس المصنع بارودي.


خلطةٌ نادرة


هناك الكثير لقوله فيما يخص هذه الخلطة الفريدة التي تشكلت حول جريدة "النظام الجديد". أيُّ سر كان خلف غرامشي؟ كيف يمكن لجريدة تتطرق لموضوعات شائكة أن تصير "جريدة العمال"؟ لماذا كان العمال في فرق "الحرس الأحمر" مستعدين للتضحية بحياتهم دفاعًا عن مكتب الجريدة من الفاشيست؟ وأهم من ذلك كله: ما سر هذا الترابط والتأثير المتبادل، والتضامن، والصراعات الشاقة التي كادت أن تجعل من ثلاثيني، أشعث وهش البنية وأعشى البصر وينحدر من جزيرة نائية، ترجمانَ مصالح الطبقة العاملة؟


لا شك أن جوانب السيرة الذاتية ستساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة. فبالرغم من كون أسرته تنتمي للبرجوازية الصغيرة، إلا أنَّه قضى طفولته في فقر مدقع بسبب سجن أبيه (كان موظفًا) الذي أدين بتهمة الاختلاس سنة 1900. من الصحيح، أن ذكاءه الاستثنائي مكَّنه من أن يغدو ألمع المفكرين في الثقافة الأوروبية. لكن هذه المكانة التي وصل إليها لا تَجُبُّ حياةً مليئة بالمشاق والفاقة بسبب تهاوي أسرته المفاجئ في السلم الطبقي.


ولو تقدمنا بشريط ذكريات غرامشي حتى سنواته الجامعية في تورينو، فسنرى طالبًا يدرس ويعيش على منحة بائسة تضطره أن يفاضل بين شراء الخشب من أجل التدفئة أو تحضير وجبة للعشاء، أو على حد قول كاميلا رافيرا “Camilla Ravera”:

لم يحظَ غرامشي قط بمبلغ كبير من المال. وكان دأبه أن يصرف ما يقع في يده على شراء الكتب. وبما أنه بالكاد يتحصل على ما ينفق، ألزمه ذلك في مرات كثيرة أن يستغني عن شراء الجوارب ليأتي إلى مكتب الجريدة منتعلًا حذاءه فقط.

كان تولياتي، الذي فَقَدَ والده بسبب السرطان، طالبًا أيضًا في جامعة تورينو. ومع أن خلفيته الاجتماعية هو الآخر متواضعة، إلا أنه لم يكن مضطرًا لدفع فواتير الإيجار لأنه كان يعيش في بيت عائلته، على العكس من غرامشي الذي راكمت أمه الديون لتوفر له بعض المصاريف. فضلًا عن ذلك، كان غرامشي سردينيًا [نسبةً إلى جزيرة سردينيا -م] حتى النخاع وظل يحتفظ بذاكرة حية عن حياة مشرعة على المجهول والبؤس والعزلة يعيشها مواطنوه في جزيرة سردينيا.


يمكن أن نجد في تلك الذكريات التي تسردها تيريزا، أخته الأقرب لقلبه، صورةً معبرة عن طفولة غرامشي في جزيرة سردينيا. فقد اضطرهم الفقر على تعلم صنع الألعاب بأنفسهم لعجزهم عن شرائها: "صنعتُ دمًى من القش وألبستها أقمشة صغيرة ملونة، فيما كان نينو يصنع القوارب، والسفن الشراعية، أو طيورًا صغيرة ظريفة يزيّن رأسها بريشة. كنا ننظم اليناصيب بعدها بحيث نضع رقمًا على كل واحدة من تلك اللعب ليأتي الأطفال القاطنين على مقربةٍ منا، أبناء ملاك العقارات الميسورين، حتى يجربوا حظهم في اللعب. كانوا يقدمون لنا موزًا أو إجاصًا بدلًا من المال".


لا يمكن تفسير شخصية غرامشي العظيمة والمعقدة اكتفاءً بجوانب من سيرته الذاتية. لكن من الجلي أن هناك علاقة شرطية بين ما قاساه من شظف وقسوة وبين قدرته على تكريس جهده لخدمة الطبقات المستغلَّة. ومن الواضح أن ضريبة نضاله كانت التضحية بحياته.


لربما تكمن فرادة غرامشي، بخلاف قدرته العظيمة على الإصغاء والتعاطف، في كونه أحرز في شخصه نسقًا تنسجم فيه جوانب متنافرة: ذهن مفكر مهجوس بالنظرية وتجربة عيش مادية لا تختلف عن حياة العمال. لعل هذه الخلطة هي اللغز الذي اكتنف حياة غرامشي الملهمة وجعل منه بتعبير رفيقه، والرئيس الاشتراكي فيما بعد، ساندرو بيرتيني: "السياسي الأكثر ذكاء وإلهامًا من بين كل من عرفتهم في مسيرتي، والذي لم يترك موته هوة عميقة في الحزب الشيوعي فقط، بل في كل الحركة العمالية الايطالية والأممية. هوة لم يكن بوسع أي شخص بعده أن يملأها".


حتى في أيامنا هذه، ما زال واردًا أن يتملكنا الحزن على فقده وعلى ما قاساه. لكننا في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني، يوم ولادة غرامشي، سنحتفل أيضًا بحياته. فعيدًا سعيدًا يا أنطونيو.

________________

-الهوامش: [1] - كان مونيه من رواد المدرسة الانطباعية في فن الرسم، وهو فرنسي الجنسية. عانى من مرض "المياه البيضاء" (Cataract) وهو ما أفقده القدرة على تمييز بعض الألوان وإشعاعها الحقيقي.