في أثر ميثم الجنابي... عن روح التّاريخ والفلسفة الصّلبة

بيان اليوسف*

ما يزال ميثم الجنابي مفكراً مجهولاً في الثقافة العربية، وهذا أمر طبيعي بمعايير الزمن الثقافي الراهن، فالعراق موطن الجنابي يعيش حالة خراب تام على مستوى الرّوح والجسد منذ السبعينيات، والشام تعيش ذات الحالة لكن بنِسب مختلفة؛ أمّا بقية الدول العربية فتعيش حالة استقلال زائف. بالإضافة إلى العزلة الطوعية التي كان يعيشها الجنابي المنتمي إلى الجيل العراقي المُهجَّر، وزاد في عزلته وجودُه في روسيا المستبعَدة من الاهتمام العربي. واعتزالُه الأجواءَ العراقيّة والعربية هناك، قابله اندماج باطنيّ بالعراق والعالم العربي يُظهره انشغال الجنابي بالكتابة المستمرة حولهما. لذلك، فالجنابي يتشارك المجهول مع غالبية المفكرين العرب الكبار المعاصرين والسّابقين. وفي المجهول تكمن إمكانية التغيير والإبداع، وهذا يعتمد على سرعة ودقة اكتشافه. هاكم ابن عربي مثالاً الذي ما يزال مجهولاً حتى بعد عشرة قرون من وجوده، صحيحٌ أنّ إمكانية الاستفادة منه على المستوى المباشر تلاشت، لكنّه بقي روحاً يمكن التذاهن معها. وفي هذا السياق يحضرُ قول الجنابي «جوهر المثقف الكبير هي الروح»، أي ما يتبقى منه بعد تجرّده التام من علائق زمنه وحياته الفانية.

ولعلّ المهمة الأولى للتعرف على الجنابي تتحدّد في التعرف على جميع أعماله ومن ثم محاولة تصنيفها. والجزء الأكبر من أعمال الجنابي منشور من قبل عدة دور نشر أغلبها عراقية لكن هناك جزءاً كبيراً من أعماله لم يُنشَرْ بعد، ومن ضمنها كتابه الفلسفي التأسيسي «فلسفة البدائل المستقبلية» وهو أهم ما كتب. ويمكن أن نوزّع أعماله على خمس مجموعات كبرى.

المجموعة الأولى وتحتوي كتابه الضخم «فلسفة البدائل المستقبلية» وهو كتاب مؤلّف من أربعة إلى خمسة أجزاء، وهو الكتاب التـأسيسي والمحوريّ في جميع ما كتبه الجنابي. وكلّ الكتب والدراسات الأخرى التي كتبها الجنابي هي تطبيق منهجي للمنظومة الفلسفية في هذا الكتاب رغمَ أنّه غير منشور حتى الآن. ويُضاف كتاب «بوابة التاريخ الأبدي» على هذه المجموعة بوصفه كتاباً فلسفياً نظرياً وهو مقدمة في فلسفة الجنابي.

المجموعة الثانية هي الكتب والدّراسات في الثقافة والشخصيات الإسلامية العربية، وهي دراسات فلسفية أيضاً لكنّها تحقيق وتطبيق لمنظومته الفلسفية النظرية، وهي مجموعة واسعة وتحتوي نفسها على دراسات مختلفة الحجم والغاية؛ وأذكر منها: «التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي» أربعة مجلدات «محمد؛ رسول الإرادة» «الإمام علي؛ القوة والمثال» والطبعة الأولى تحمل عنوان «التراجيديا السّياسية للطوباوية الثورية» «المختار؛ فلسفة التوبة والثأر» «عِلم الملل والنحل» «الحضارة الإسلامية؛ روح الاعتدال واليقين» «حكمة الروح الصوفي» «الأشباح والأرواح؛ تجارب المثقفين والسلطة» وهو مجلد مؤلف من أكثر من 700 صفحة وهو الجزء الأول من ثلاثية تتناول قضية تجارب المثقفين والسلطة في الثقافة الإسلامية والعربية المعاصرة عن طريق عرض وتحليل لمئة شخصية نموذجية. وفي الجزء الأول حلل الجنابي مواقف 34 شخصية إسلامية. أما الجزء الثاني فالثالث فلم يصدرا في حياة الجنابي وغالباً بقيا مسودات غير مكتملة، بالإضافة لعدة دراسات منفردة تتناول شخصيات إسلامية لم تنشر بعد.

والمجموعة الثالثة هي دراساته وكتبه حول العراق. وهي أيضاً تنتمي إلى الكتب التطبيقية لمنظومته الفلسفية رغم أنها تحتوي على فلسفة وطنية متسامية في حالات وعملية في حالات أخرى. وهي فلسفة مُعرضة للتقييم المباشر والسطحي غالباً لأنها تمس قضايا سياسية وزمنية حالية وهنا يكمن ضعفها شأن جميع التنظيرات العملية، رغم أن الجنابي حاول أن يبقي على الفكرة الفلسفية متسامية ونظرية بقدر الإمكان ويمكن أن تكون ثلاثيته «فلسفة المستقبل العراقي» هي الصيغة الأكثر تجانساً لما كتبه عن العراق.

والمجموعة الرابعة تحتوي على كتابه «وعي الذات العربي والبحث عن البدائل؛ دهاليز المرحلة التأسيسية» وهو كتاب مؤلفٌ من مجلّدين كبيرين، والكتاب يهدف إلى تأسيس لمرجعيات الفكرة العربية. وقد صدرت منه طبعات سابقة بعنوانين مختلفين: «الفكرة العربية المعاصرة؛ فلسفة وعي الذات العربي» «فلسفة البدائل الثقافية»

أما المجموعة الخامسة فتحتوي على ترجمة لكتاب المفكر الروسي دانيليفسكي بعنوان «روسيا وأوروبا» وكتاب «الاستشراق الروسي» و«الإسلام السياسي في دول أسيا الوسطى» و«الإسلام في أوراسيا» و«اليهودية والصهيونية في روسيا» وهناك كتب ودراسات وترجمات للجنابي باللّغة الروسية. وهي كتابات تتناول الثقافة الإسلامية بغالبيتها وبعض الدراسات والترجمات التي قام بها الجنابي حول إيران وشخصيات إيرانية. وتبقى مهمة تعريب هذه الكتب والدراسات مهمة مستقبلية.

لقد حاولت بهذا التقسيم الأولي لكتب ودراسات الجنابي توحيد ما يبدو مشتتا في كتاباته بالإضافة إلى وضع خطة أولية تساعد على قراءته وبالتالي استيعاب ماذا يريد أن يقول. وهذا لا يعني أن الجنابي مثقف مشتت، على العكس! فالجنابي مثقف منظومي نادر قل مثيله على المستوى العربي والعالمي. لكن ضخامة المواضيع التي تناولها ألزمته بالموسوعية وأخّرت منظومته المتكاملة بالظهور. لذلك لم ينته من كتابة كتابه الأساسي «فلسفة البدائل المستقبلية»، والذي عمل الجنابي حوالي ثلاثين سنة في كتابته، إلا قبل حوالي الشهر من وفاته بينما نشرت دراساته وكتاباته الأخرى بأزمنة مختلفة. وجميع ما كتب الجنابي مترابط ولا يمكن الفصل بينه إلا على مستوى المنظومة والتطبيق، لأن منظومة الجنابي كانت تتأسس جنبا إلى جنب مع تكامل دراسته وتقييماته المختلفة للماضي والحاضر، وليس علينا سوى ملاحظة عناوين دراساته المختلفة ومقارنتها بعناوين فصول كتابه «فلسفة البدائل المستقبلية» حتى ندرك أنّ الجنابي سعى منذ البداية لدراسة التاريخ (العربي الإسلامي خاصة) لإبداع منظومة فلسفية تاريخية. أي أن ما يميز الجنابي هو توازن النظرية والتحليل.

فلسفة الجنابي هي فلسفة تاريخية. وهي استكمال لفلسفة التاريخ بمختلف مدارسها وعند شخصياتها الرئيسة ونفي لها. وقد استعرض الجنابي في كتاب «بوابة التاريخ الأبدي» الشخصيات المرجعية في فلسفة التاريخ وهم: القديس أوغسطين وابن خلدون وميكافيلي وهيغل وماركس ودانيليفسكي. ورأى في كل منهم معبّراً عن ذهنية المرحلة التاريخية التي عاش فيها بالإضافة لانتمائه القومي الثقافي الخاص. وقد والف الجنابي بين إنتاج هذه الشخصيات في فلسفته المستقبلية. ولعلّ ما قاله في نهاية مقدمة كتابه المذكور آنفاً، تعريف أولي ودقيق بفلسفته، إنّ ما أسعى إلى تأسيسه فهو فلسفة للتاريخ تقوم باستمداد الفكرة السياسية ومقوماتها من التاريخ العام (قانون المسار التاريخي) والتاريخ القومي (منطق العقل الثقافي) بوصفها تجربة ثقافية ضمن هذا المسار، وليس العكس. إذاً ففلسفة الجنابي فلسفة عملية رغم طابعها المتسامي والمثالي. وفلسفة الجنابي تنطلق من رؤية مسار التاريخ بوصفه تآلف الطبيعي والماوراطبيعي في الثقافات العالمية ورؤية «المنطق الثقافي» بالنسبة لكل مرحلة تاريخية وثقافة خاصة. والمراحل التاريخية عند الجنابي هي «قانون المسار التاريخي» وهي سبعة، ثلاثة منها طبيعية أي أنها نتاج مباشر للوجود الطبيعي (الصراع المادي بمختلف جوانبه)، ومرحلتان عابرتان أي أنّ الطبيعي والماوراطبيعي يتفاعلان فيهما بوصفهما طور الانتقال الضروري من الطبيعي إلى الماوراطبيعي، واثنتان ماوراطبيعيتان أي أنهما محكومتان بالعقل بشكل تام. والمراحل هي على التوالي:

المرحلة العرقية الثقافية، والمرحلة الثقافية الدينية، المرحلة الدينية السياسية، المرحلة السياسية الاقتصادية، المرحلة الاقتصادية الحقوقية، المرحلة الحقوقية الأخلاقية، المرحلة الأخلاقية العلمية.

ومن الواضح، من أسماء المراحل التاريخية، أن الجنابي يشير إلى طبيعة ابتداء كل مرحلة تاريخية من حيث انتهت الأخرى، فكل مرحلة هي نفي لما قبلها. والنفي والإيجاب هي إحدى الثنائيات الأربع التي من خلال تفاعلها ونتائجها يجري مسار التاريخ. وهي على التوالي: التشاؤم والتفاؤل، الفعل والخمول، النفي والإيجاب، الوجدان والعقل. ومن خلال تحديد: اتجاه التفاؤل، وفاعلية الإرادة، وكيفية النفي، ومضمون العقل. تتحدد معالم كل حضارة كبرى. إن هذه المراحل هي تقسيم هيكلي للتاريخ البشري ككل. وهي صيغة ومصطلحات معبرة عن المنهج الذي اتبعه الجنابي في قراءة التاريخ حضاريا.

وتمكن رؤية الواحدية في فلسفة الجنابي في دراساته للشخصيات العالمية والإسلامية والعربية في مختلف أعماله. فمن الشخصيات العالمية نجد دراسته لكل من أوغسطين وهيغل وماركس وميكافيلي ودانيليفسكي وذلك في سياق تقديمه لفلسفة التاريخ. بينما كانت دراساته الإسلامية والعربية بمعظمها دراسات لعشرات بل مئات الشخصيات العربية والإسلامية ومن خلالها سعى إلى دراسة وتحليل وتدقيق تطور المرجعيات الفكرية والروحية والفلسفية في التاريخ العربي الإسلامي القديم والمعاصر. ونجد ذلك في كتابه «الأشباح والأرواح» وفي الدراسات المستقلة لشخصيات إسلامية وعربية عدة، منها: كتاب بأربع مجلدات حول الغزالي ودراسة حول النبي محمد وعلي بن أبي طالب والجاحظ (غير منشور) وأبو حيان التوحيدي (غير منشور) والمحاسبي (غير منشور) وابن خلدون (عير منشور) والمختار الثقفي وهادي العلوي. بالإضافة لإمكانية وجود عدد آخر من الدراسات المستقلة غير المكتملة أو المصنفة في كتب. كما أننا نجد في كتابه «وعي الذات العربي والبحث عن البدائل، دهاليز المرحلة التأسيسية» دراسات لأغلب مؤسسي التيارات الثقافية في العصر الحديث، مثل تيار الإصلاح الإسلامي ورجال النهضة الأدبية ومنظري الفكرة القومية والتيار الليبرالي والتيارات الإسلامية ومفكريها. كما أنه توقف عند بعض شخصيات التيار الماركسي وبعض مثقفي النصف الثاني من القرن العشرين. لقد كان اهتمام الجنابي بدراسة مئات الشخصيات الثقافية والسياسية الكبرى هو التمثيل المنهجي لرؤيته الفلسفية التاريخية الثقافية. لذلك فإننا نرى غياب الاهتمام المباشر بالتاريخ باعتباره سلسلة أحداث سياسية واجتماعية متنوعة. فلم يكن التاريخ عند الجنابي سوى مراحل حضارية تتبلور في ثقافات كبرى وكل ثقافة كبرى مؤلفة من آلاف الشخصيات الثقافية الكبرى التي تبدع ضمن منطق الثقافة العام وتساهم في إبداع هذا المنطق معا. فإن كان اهتمامه بالشخصيات الفلسفية العالمية غايته تقديم مراجعة وكتابة مقدمة لفلسفته التاريخية فإن دراساته للشخصيات الإسلامية العربية ولاحقا دراساته للشخصيات العربية الحديثة كانت تهدف لتحليل الثقافة الإسلامية وتحليل العقل الثقافي العربي المعاصر. فهو يظهر هنا كمؤرخ للثقافة العربية الإسلامية. بل إننا في كثير من الأحيان ما نجد كتب الجنابي هي مراجعات معمقة ودقيقة لعشرات الكتب وسير ثقافية لعشرات الشخصيات، فهي أشبه ما تكون بكتب الطبقات. إلا أن ما يميزها هو أن الجنابي لا يبحث في هذه الشخصيات لغرض التدوين والسرد (تاريخ الوقائع) بل لغرض تتبع تطور الفكرة الثقافية (تاريخ الحقائق). وتمكن مشاهدة ذلك في جميع ما كتبه الجنابي. ففي كتابه «علم الملل والنحل» نجده يدرس عشرات الشخصيات في هذا المجال لكنه ركز على ثلاث شخصيات كبرى منها، وهي كل من الأشعري وابن حزم والشهرستاني. وقد وجد في كل منهم مرحلة في تطور علم الملل والنحل. فإن كان ما يميز الأشعري هو أمانته في نقل آراء الفرق كما يستنتج الجنابي، فإن ابن حزم هو أول من بلور صيغة النقد المقارن في علم الأديان رغم أن نقده لا يخلو من تحزب مذهبي. بينما كان الشهرستاني هو أول من استخدم منهجاً علمياً دقيقاً وقدّم نظرية فلسفية في ذلك مما جعله يدرس تطور الفرق الإسلامية بحيادية شبه مطلقة وقد أضاف إليها أهل الأهواء، أي الفلاسفة المهتمين بالإلهيات. مما جعل الجنابي يرى في الشهرستاني أعلى درجات علم الملل والنحل ويعتبره أحد أكبر الشخصيات الثقافية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية. وقد استكمل الجنابي دراسته هذه بدراسة لاحقة بعنوان «الثقافة الإسلامية، روح الاعتدال واليقين» وهي دراسة تستعيد ذات التحليل الذي قدمه هناك لكن في سبيل دراسة تطور مرجعية الاعتدال الإسلامي الذي وجد أبرز صوره العلمية النظرية في علم الملل والنحل. وتتميز جميع دراسات الجنابي لهذه الشخصيات بالتكرار وعدم الثبات في تناول الشخصية، وهذا لأن الجنابي كما ذكرت، يتناول تطور الفكرة لا الشخصية بحد ذاتها مما يجعله يقارن بين الشخصيات في كل فصل في جانب مختلف. ويمكن رؤية ذات المنهج والحالة في دراسته للإصلاحية الإسلامية وحصرها في شخصيات الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي. فهو يستخدم ذات المنهج والأسلوب الذي اتبعه في دراسة علم الملل والنحل. ويستخدم الجنابي ذات الأسلوب والمنهج في دراسة الشخصية الواحدة أيضا. فبدلا من دراسة الشخصية ككل وسرد لأفكارها ومآثرها فإنه يعرض الإبداع الكامن في الشخصية المعنية من عدة أبعاد مما يوسع الإمكانيات في رؤية الجوانب المختلفة فيها، وفي ذات الوقت يدقق في مدى عمق إبداعها في كل جانب. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في دراسته للنبي محمد وهي من أهم ما كتب. وهي المعبر عن رؤيته التاريخية وتطبيقها المنهجي في دراسته لبدايات ظهور المرحلة الدينية السياسية. فقد رأى في محمد رسول الإرادة وهي رؤية تنزهه عن رؤية التقديس الديني المزيف. فينفي ظاهرة المعجزة الإلهية بالمعجزة الإنسانية المتمثلة بإرادة التوحيد الشامل الذي أبدعه. فقرآن محمد هو الرد الشامل على مرجعيات الجاهلية الروحية. فالأزل الذي أظهره الإسلام هو النفي للدهر الجاهلي الذي لا بداية له ولا نهاية. أي أنه زمن بلا تاريخ كما يقول الجنابي. زمن خالي من تراكم المجهود الإنساني مما يمنع ظهور المرجعيات/المنظومات. فالتاريخ يحتوي الزمن باعتباره جزء منه لكن ليس من الضرورة أن يحتوي الزمن على تاريخ. وقد بين الجنابي أن مرجعيات الله والأبد والأزل والوعد والوعيد والأمة والجماعة والحق هي النفي الشامل لطابع التشتت الجاهلي روحيا وطبيعيا (ماديا). ولذلك فقد جعل من الكتاب قسمين: إرادة الروح وروح الإرادة. فقد أراد بالأول إبراز المعاناة الروحية في تبلور المرجعية الروحية عند محمد. بينما أراد في الثاني إبراز شكلها الذي تبلورت فيه. وهي استعادة لثنائية مكة والمدينة لكن بقراءة فلسفية تتجاوز الفصل المكاني والزمني والتاريخي المباشر إلى إظهار الوحدة الداخلية والتناغم في الشخصية المحمدية. بينما نجد في كتاب "الإمام علي، القوة والمثال"، وهو أول كتاب ألفه الجنابي، الحدس الأولي عنده لأهمية ومركزية المرجعيات الروحية الفاعلة بالثقافة الإسلامية وهي الفكرة التي ستتحول إلى فكرة مركزية في منظومة الجنابي الفلسفية. فلقد رأى بالإمام علي أكثر من شخصية تاريخية وأعمق من شخصية ميتافيزيقية أو رمز ثوري. لقد رأى بالإمام على مرجعية روحية طوباوية بقيت فاعلة في وجدان الثقافة الإسلامية حتى وفاتها. ولم يتخل عن استنتاجه هذا حتى في نهاية حياته. فقد ذكر باستمرار أن علي بن أبي طالب بالإضافة للغزالي وابن عربي هم أهم ثلاث شخصيات أفرزتها الثقافة الإسلامية. لم يرد الجنابي بذلك أن يضيف هالة جديدة من التقديس على شخصية الإمام وإنما أراد أن يضعه في موضعه الصحيح في تاريخ الثقافة الإسلامية. فالإمام علي ليس مجرد مثال فردي نموذجي كما يرى الجنابي وإنما نقطة تحول وممثل لبداية صراع "الأرواح والأشباح" في الثقافة الإسلامية. فهو أول من جعل الحق مقياسا ومرجعية له، مما يجعله أكثر من تلميذ للقرآن ومحمد.

بينما كان كتابه عن هادي العلوي دراسة تقييمية لمكانة العلوي بالوجدان الثقافي العربي والعراقي. وقد عنون الكتاب هادي العلوي، المثقف المتمرد وفي المقدمة تساءل: إلهي! من أي طينة خلقته؟ وأجاب: من خيالي! وهو تساؤل وإجابة تختصران محتوى الدراسة. فقد أراد الجنابي أن يبرز جانب الروح المتسامي الذي امتلكه العلوي وهو روح في زمن أشباح، بل قد يكون أحد أنقى أرواح الثقافة العراقية والعربية الحديثة. فبالرغم من حاجة الثقافة للمثقف المنظومي فهي بحاجة لحدس المثقف الوجداني لأنه يؤسس ويوسع لمدى قابليتها على الإبداع الفكري وربطه بالقيم الأخلاقية. فالعلوي ممثل للوجدان الأخلاقي المتسامي عن شكليات الثقافة الأكاديمية والعلمية والمندفع في حل إشكاليات الثقافة عمليا. وهو مسلح بموسوعية هائلة بكل ما يخص التراث الإسلامي. وهذا ما دفع الجنابي أن يقول أن أغرب شطحات العلوي كانت يقيناً في يقين. لأنها شطحات محكومة بهمٍّ أخلاقي كبير. لقد رأى الجنابي في هادي العلوي أحد أندر الشخصيات التي تماهت مسيرتها الفكرية مع سلوكها العملي ومصيرها الفردي، مما جعله يتجنب دراسة مسيرة العلوي الفكرية بمعايير العلم التاريخي لأنها ستصدر عليه أحكاما ظالمة. وجعل مهمته تكمن في إظهار عملية الاحتراق الذاتي التي عاشها العلوي في مجرى حياته. ولعل العلوي هو أحد أكبر الشخصيات تأثيراً على الجنابي. فقد كان العلوي قابعا في وجدان الجنابي في معظم كتاباته. فلا شك أن شخصية العلوي القطب الثقافي والأخلاقي قد لامست قلب وعقل الجنابي المهتم بالتصوف وأقطابه. خصوصا أن العلوي كان في مرحلة ما قطبَ المثقفين العراقيين في المهجر (الشام). كما تجمع بين الاثنين أفكار وهموم مشتركة. فقد أراد الجنابي عنونة الجزء الثاني من كتابهالأشباح والأرواح بالمثقف الكوني. والمثقف الكوني مفهوم كان قد أسس له العلوي بشكل أولي قبل وفاته وقد حاول تمثله بنفسه. ولا ندري إلى أي مدى أراد الجنابي أن يتوسع في هذه الفكرة، لكننا نجد في الجزء الأول من الكتاب تركيزَ الجنابي على ثقافة المعارضة في مواجهة السلطة. وهي فكرة كان قد أسس لها العلوي في شخصيةالمثقف الكوني. ولعل الفكرة الجوهرية المشتركة بين العلوي والجنابي هي نظرتهما للإسلام باعتباره ثقافة أوسع من الفكرة الدينية، وأن الدين جزء منها. ويمكن أن نضع مقارنة بين العلوي والجنابي بمعايير تطور الثقافة، فيكون العلوي ممثلا للحدس الأولي الذي يتحسس الفكرة دون القدرة على بلورتها في صيغة علمية، بينما يكون الجنابي الممثل للرؤية الفلسفية التي تبلور الحدس الأولي في منظومة ورؤية متكاملة. ولا أقصد هنا وجود علاقة تلمذة تربط الجنابي بالعلوي بالمعنى العلمي وإنما تتابع وتطوير للأفكار والهموم المشتركة. وقد يكون هادي العلوي حلقة وصل بين دراسة الجنابي لشخصيات وأحداث التاريخ الإسلامي وبين شخصيات الحاضر العربي والعراقي. ففي العلوي استمرارية الروح الثقافي العربي الإسلامي في الحاضر العربي. ولعلنا نرى ذلك أيضا في كتابه حول المختار الثقفي المختار، فلسفة التوبة والثأر فهو كتاب موجه للحاضر العراقي أكثر منه دراسة تاريخية. فقد جعل مضمونه يتداخل فيه تاريخ التشيع وتاريخ الهوية العراقية وهما مستويان متداخلان وكلاهما ما يزلان فاعلان بالحاضر. فلا شك أن الجنابي نظر بعين إلى العراق أيام المختار وبعين أخرى إلى العراق بعد سقوط البعث (2003_2007). بمعنى أن فلسفة التوبة والثأر ضرورية ومفهومة في الحاضر كما في الماضي وهي الرد الطبيعي (العراقي) على سنوات القمع الدموي الأموي- البعثي. وكأن الجنابي أراد أن يرى المنظومة التي كانت تتراكم خلف فوضى الحرب الأهلية العراقية. وأن سنوات التوبة والثأر الشيعية ستلحقها سنوات التشيع المنظومي القادر على إعادة بناء نفسه وبالتالي إعادة بناء العراق. ولا تنفصل رؤية الجنابي حول واقع التشيع في العراق عن واقع الظاهرة الإسلامية ككل.

انطلاقاً من هذا الكتاب وما سيلحقه من كتب ومقالات حول العراق يمكننا تحسس نمو البديل الذي كان يتراكم في ذهنية الجنابي. وليست المهمة هنا في تتبع تطور الفكرة عند الجنابي وإنما التعامل الحذر مع ما كتبه الجنابي حول العرق باعتبارها كتابات تتعامل مع الحاضر والمستقبل وإمكانية تهشمها أمام تقلبات الواقع، وهي كتابات تسعى إلى بناء هوية عراقية جامعة، ولها عدة مستويات تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة. ولعل هذا ما تحسّسه الجنابي نفسه، فسعى إلى التحليق بفلسفته فلسفة المستقبل العراقي فوق الواقع المادي المزري للعراق. بمعنى أن العراق لا يحتاج إلى بديهيات تُنظر له كيفية البناء المادي وإنما يحتاج إلى بديهيات- مرجعيات الهوية التي يمكن الاتفاق حولها من أجل تأسيس الدولة. ولا يختلف الأمر بالنسبة للعالم العربي. ويمكن أن يرى مستوى التداخل بين موضوع العالم العربي المعاصر والمواضيع الأخرى التي تناولها الجنابي بالتحليل والدراسة. فدراسته لشخصيات الثقافة العربية المعاصرة هي جزء من موسوعته عن المثقفين الأشباح والأرواح. وبديله الثقافي العربي هو جزء من فلسفة البدائل المستقبلية وكذلك علاقات العالم العربي ومكانته في العالم الإسلامي هي جزء ونتيجة لاهتمامه الكلي بالإسلام. بمعنى أن جميع ما درسه الجنابي مترابط من حيث الغاية والنظرية والمنهج.

إن جميع ما كتبته هنا هو استعراض جزئي وأولي لكتابات وفلسفة الجنابي وهو لا يخلو من أخطاء وسطحية في عرض أفكار ومنظومة الجنابي. لكنها كتابة تسعى إلى التعريف بالجنابي باعتباره أحد المفكرين العرب القلائل المبدعين لمنظومة شبه متكاملة في قراء التاريخ. بل ربما يكون هو الوحيد وأول صاحب منظومة سواء في فلسفة التاريخ أو فلسفة الفكرة العربية باعتبارها فلسفة قومية ثقافية. وقد تكون قراءة والتعرف على أعمال الجنابي من المهام الرئيسة للقارئ والباحث العربي. فالمهمة التي تواجه الثقافة العربية الآن هي مهمة البحث عن أصول مؤسسة للوعي النظري العلمي والثقافي والفلسفي. أما مهمة نقد وتجاوز الجنابي فهي مهمة غير ضرورية وليست مهمة مستعجلة ولا يمكن أن تنجز قبل هضم واستيعاب ما كتبه الجنابي. مما يعني أنها مهمة المستقبل البعيد وغير المنظور حالياً. رغم أن الاحتمالات الأقرب للواقع التي تواجهها أعمال الجنابي هو التجاهل شبه التام أو إمكانية ظهور النقد الرخيص المتلذذ باستخدام مناهج تفكيكية لا يدرك خطورة استخدامها في نقد الأفكار المؤسسة لمرجعيات ثقافية وفلسفية. فهي تحول أي فكرة فلسفية إلى تنظير سياسي أو نفسي، بينما يتحول التنظير السياسي إلى صيغة أيديولوجية بنظرها. وهي لا تدرك الفرق بين التنظير السياسي باعتباره رسم ملامح الطريق المستقبلية في تأسيس وتطوير الدولة وبين الصيغ الأيديولوجية باعتبارها عقائد مغلقة تهيمن على الفكر السياسي وذهنية الجماهير. فالأولى هي فكرة مستقبلية بينما الثانية تحويل للتاريخ إلى زمن. والاحتمال الثالث هو بقاء الجنابي كفكرة مستقبلية كفلسفته وهو الاحتمال الأكثر واقعية وأكثر إثارة.


 

*بيان محمد اليوسف: كاتب سوري مقيم في سويسرا مهتم بدراسة الفلسفة والإسلاميات.