؛ | فضائل الفاصلة المنقوطة؛ أو علامة الترقيم المتمرّدة

بقلم: سيسيليا واتسون

ترجمة: حيدرة أسعد


في عام 1906، نشر الكاتب الهولنديّ مارتن مارتنز –كاتبٌ شهير في زمنه لكنَّ ذكراه قد خبَت اليوم- روايةً ساخرة سرياليّة بعنوان: «النَطاسيون». تتحدث الرواية عن البروفيسور «ليسه» الذي حضّر سلاحًا بيولوجيًّا تجريبيًا: بكتيريا الفاصلة المنقوطة، وهي "تحوير خاصّ على الفاصلة". يقتل الطبيب مئات الأرانب مثبتًا سميّة الفاصلة المنقوطة، ولكنه في بداية الرواية، يفشل في جعل علامة الترقيم هذه تخترق جهاز المناعة البشري الذي يدمّرها حالما تدخل الجسم عبر الفم.

كتب مارتنز ما كتبه في وقتٍ كانت فيه الفاصلة المنقوطة ما تزال علامة ترقيم شائعة على نحوٍ استثنائي؛ حتّى أن النحاة توقعوا انقراض الفاصلة العادية، سيّما أن كتّاب القرن التاسع عشر تخلّوا عنها لصالح المنقوطة. "نادرًا ما يستخدم الكتّاب الجيدون الفاصلة اليوم"، ورد في قواعد النحو لعام 1843، "حتّى أن قواعد استخدامها لم تعد ضرورية".

لم يكن الجميع متحمِّسًا بشأن إطاحة الفاصلة المنقوطة الرائجة بالفاصلة العادية؛ حاول غولد براون، أحد أبرز النحاة في القرن التاسع عشر، إنقاذ الفاصلة من خلال تذكير الكتّاب بأن الفاصلة المنقوطة التي يحبّونها تعتمد أصلًا على الفاصلة من أجل المعنى. وتساءلَ: "مَن ذا الذي لا يستطيع استيعاب أنه بدون الفاصلة، تصبح الفاصلة المنقوطة عبثًا؟ إنها لا تستطيع أن تكون فاصلة منقوطة، إلا إذا كان بمقدور الجزء أن يصمد في غياب الكلّ!". ببساطة، لم تعد الفاصلة "دارجة" بعد الآن، حسب تعبيره.

أمّا في الوقت الحاضر، فإن الفاصلة المنقوطة لم تعد مطابقة للموضة؛ واستنادًا إلى عدد الكتاب الذين لديهم رد فعل تحسسي تجاهها، قد يجد الكثيرون بصيصًا من الحقيقة في رؤية مارتنز للفاصلة المنقوطة بوصفها ناقلةً للمرض. كتب الروائي دونالد بارتلمي: "دعني أكون واضحًا، الفاصلة المنقوطة قبيحة، قبح حشرة قرّاد على بطن كلب، لذا أعمد إلى إزالتها من كتاباتي".

أكد بيل والش، محرر النّسخ لفترة طويلة في الواشنطن پوست، أنَّ الفاصلة المنقوطة كانت بالفعل بمثابة "اللقيط القبيح". الفاصلة المنقوطة "حماقة"، هكذا سخر كورماك مكارثي في مقابلة مع مجلة ڤانيتي فير. وقد رفضها كورت فونيجوت وغرترود شتاين ووصفاها بطنين فارغ؛ وكان جورج أورويل لطيفًا نسبيًا عندما وصفها بـ"نقطة توقف غير ضرورية". فهل من المستغرب أن يخشى الكثيرون المغامرة باستخدام الفاصلة المنقوطة حين يتجنبها المحترفون؟

بدورها لا تمد لنا كتبُ القواعد النحوية التي تطفح بها أرفف المكتبات يد العون؛ إن إلقاء نظرة على تاريخها يظهر أنّها عادةً ما تجعل الكتّاب أقل يقينًا بشأن القواعد، وليس العكس: فكلّما زاد عدد القواعد، زادت المزالق المحتملة، ولاحظ القرّاء الأذكياء مزيدًا من "الاستثناءات" المربكة في نثر الكتّاب الإنكليز العِظام.

إنَّ سقوط الفاصلة المنقوطة من جنّة الحفاوة منوطٌ جزئيًّا بالتناقضات والتعقيدات وبالامتلاء المفرط إلى جانب القصور الذي يصم كتب القواعد. ولكن إذا نظرنا إلى نصوص أفضل كتّابنا، فيمكننا أن نلاحظ استخدامهم الفاصلة المنقوطة لخلق الموسيقا والمعنى في اللغة، على نحوٍ لا تستطيع أيُّ علامة ترقيم تحقيقه.

اشتهر ريموند تشاندلر برواياته البوليسية التي تصوّر فيليب مارلو، بيد أنه كان كاتب مقالات لامعًا أيضًا، ويبدو أن الفاصلة المنقوطة كانت إحدى علامات الترقيم المفضلة لديه. استخدمها لخلق إيقاع تعبيري في كتاباته، بطرق تتجاوز القواعد. خذ هذه الجملة من مقالته "ليلة الأوسكار في هوليوود"، والتي أكد فيها أنّ قلّةً من الناس ترى في الفيلم شكلًا من أشكال الفن:

إنّهم يصرّون على الحكم عليه [الفيلم] من خلال الصورة التي رأوها الأسبوع الماضي أو البارحة؛ فهذا أكثر عبثية (في ضوء الكمية الهائلة للإنتاج) من الحكم على الأدب من خلال أكثر الكتب مبيعًا في الأسبوع الماضي، أو على المسرح من خلال أفضل العروض الرائجة حاليًّا في برودواي.

لا يمكن للجزء من تلك الجملة الواقع بعد الفاصلة المنقوطة أن يكوّن بمفرده جملة، وسيخبرك كتاب القواعد أنَّ عليكَ استخدام الفاصلة العادية بدلاً من المنقوطة في الموضع الذي استخدمها فيه تشاندلر. لكن، استمعْ إلى الإيقاع الذي خلقه تشاندلر. الجملة الأولى، التي تمثّل تعنت روّاد السينما، قصيرة وبسيطة ومنضبطة وهادئة؛ ثم يأتي اتّهام تشاندلر لهم "بالعبثية" بصوت عالٍ ونقي ومفاجئ، متجاوزًا شكاوى رواد السينما. إذا تخلّيتَ عن هذا التوقّف الإضافي الذي وفّرته الفاصلة المنقوطة فستفقد معه قوّة الإقناع والنكهة التشاندلرية للجملة. هذه الومضات من خرق القواعد في كتاباته ليست بالمصادفة العرضية: "عندما أقسمُ المصدرَ" قال لمحرر مقاله بلهجة حادة: "اللعنة، أقسمُهُ كي يبقى منقسمًا! (1)".

إنّ الأمر الذي يعرفه تمامًا تشاندلر وغيره من الكتاب الممتازين هو أنَّ كتاب القواعد النحوية لا يستطيع الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف أستخدم الفاصلة المنقوطة وكم مرّة أكررها، لأنَّ الإجابة هي مسألتك أنت، بوصفكَ كاتبًا، بما تحاول تحقيقه من هذا الاستخدام. لا يهمّ ماذا قرأت في الكتب أو ماذا أملى عليك مدرّسو اللغة، ولنأخذ مثالًا: لا يمكن الحكم على جملةٍ ما بأنها طويلة جدًا أو قصيرة جدًا بمعنى مطلق. إنَّ الجملة يمكن أن تكون طويلة جدًا أو قصيرة جدًا، كي تناسبَ الهدف المنشود منها.

قد يكون أفضل استخدامٍ وجدتُه حتى الآن للفاصلة المنقوطة يقع في جملة تتكون من 318 كلمة، أي أقل بقليل من ثلث طول هذا المقال. تَرِد تلك الجملة في "رسالة من سجن برمنغهام" لمارتن لوثر كينغ، وإذا بحثت عن الرسالة، ستعرف بالضبط الجملة التي أعنيها حين تصل إليها. يصف كينغ سبب عدم رغبته في الجلوس وانتظار التغيير دون اتخاذ أي مبادرة، ولجعلك تستشعر وجهة نظره، فإنه يجعلك تنتظر في انزعاجٍ لا يتوقف بينما يروي عليك الظلمَ بعد الظلم، وكلّ هذه الجمل مرقّمة بفواصل منقوطة واحدة تلو الأخرى، فلا يدعك ترتاح قط بنقطة التوقّف. اقرأها بصوت عالٍ وسترهق لاهثًا: هكذا ببساطة.

إذا فشلتِ القواعد في أن تكون المفتاح لإتقان الفاصلة المنقوطة - إذا فشلت في إخبارنا كيف نكون كتّابًا فاعلين - فكيف يمكننا إذًا تفويض الفاصلة المنقوطة لتوصيل أفكارنا ورسائلنا مثل تشاندلر وكينغ؟ تصرّح ريبيكا سولنيت، وهي مستخدمة أخرى محترفة للفاصلة المنقوطة، "يستغرق الأمر وقتًا" في مقالها "كيف تكون كاتبًا". كان تشاندلر وكينغ بارعين للغاية في استخدام علامات الترقيم لأنهما استثمرا الوقت والاهتمام في قراءة الكُتّاب الجيدين الآخرين، وخصصاا مقدارًا مماثلًا من الوقت والاهتمام لصياغة جملهم الخاصة.

أعلم أن ذلك يعني قدرًا هائلًا من العمل، لا سيما أن الكثير منا تعلّم منذ سن مبكرة أنَّ القواعد علمٌ منطقي وصارم وسهل الحفظ. للأسف، يتطلب الترقيم الجيّد التروّي. وربّما يكون هذا أمرًا جيدًا. وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض CDC، ازدادت الممارسات القائمة على اليقظة مثل اليوغا والتأمل بشكل كبير بين عامي 2012 و2017. ضخت شركات رأس المال الاستثماريّة الملايين في تطبيقات مثل Calm وHeadspace. وإذا قمنا جميعًا بالبحث في رسائل البريد الإلكتروني والنصوص والتغريدات والمراجعات والمقالات الخاصة بنا عن فرصٍ لاستخدام علامات ترقيم أكثر إثارة للاهتمام من شرطة الاعتراض الشائعة والشاملة كثيرًا الآن، فقد نجد أن علامات الترقيم المدروسة هي فرصة للتوقف والتفكير، والانغماس في الفن التأملي ، دون الحاجة إلى اشتراك شهري.

في «النَطاسيون» لمارتنز، يكتشف البروفيسور ليسه في النهاية أن الفاصلة المنقوطة ليست مادة سامّة كما اعتقد في البداية؛ بل إنّها، على العكس، حين تُستخدَم بشكلٍ صحيح، تصير مصدرًا للحيويّة. أما نحن، الكتّاب المعاصرين، فبقليلٍ من الملاحظة والتفكّر والتجريب الأُلعبانيّ، قد نتوصل إلى رؤية الفاصلة المنقوطة بهذه الطريقة أيضًا.

_____________________

- الهوامش:

([1]) تقسيم المصدر، إجراء نحويّ خاص باللغة الإنكليزية، حين يقع ظرف أو جملة ظرفية بين أداة ومصدر، متعاقبين في الأصل بلا فاصل بينهما. (المترجم)