• Alaa B.H

فرانكو موريتي ودومينِك بيستري: لغة البنك -لغة تقارير البنك الدولي (2 من 2)

تم التحديث: 6 يوليو 2020




ترجمة: علاء بريك هنيدي


من المترجم:
تنشر لكم المُتَلَمِّس هذه الدراسة على جزأيْن، إذْ أتت بالأساس في قسمين يتناول أولهما الدلالات (Semantics)، فيما الثاني يتناول الأنماط النحوية. مع ذلك، فلئن أتاح لنا هذا التقسيم الثنائي نشرَها على جزأيْن، إلّا أنَّه من الواجب قراءتهما معًا لكي تكتمل الفكرة التي اشتغل عليها الباحثان. ومرد هذا التقسيم، لا يقع في ورود الدراسة في قسمَيْن، بل يقع في اعتباراتٍ تقنية وهذا أولًا، وثانيًا في أنَّ نص الدراسة طويل ومجهد قد يصرف القارئ عن متابعة قراءته، فبنشرها على جزأيْن ستكون أسهل وأيسر للمتابعة. 
هذه الدراسة تستقي عنوانها من تعبيرٍ صاغه جورج أورويل في روايته 1984 ألا وهو "اللغة الجديدة" "Newspeak"، حيث يجري تطويرها [أم أقول مسخها؟] لتُوصِل إلى متلقيها رسالةً يُريدُ واضع هذه اللغة [أي السلطة] إيصالها، وبما أنَّ اللغة وعاء الفكر فينتج بالمعية أنَّها تقولب فكر ووعي مستخدمها في شكلٍ اختِيرَ له سلفًا. على هذا الأساس وافتراقًا عن عالم الرواية، ولكن اختراقًا لعالم المؤسسات الدولية، يزيل الباحثان عن أعيننا غشاوةً، فعلًا وحقيقةً، إذْ كُنا في غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْا عَنا غِطَاءَنا فَبَصَرُنا الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
لا يسعني، أخيرًا، إلّا أنْ أؤكد مرةً أخرى على ضرورة قراءة الجزأيْن، وعدم الاكتفاء بأحدهما دون الآخر، فهذه الدراسة تستحق عناء المعافرة والنزول إلى النهر والتقاطها... 

نُشِرَت هذه الدراسة في موقع نيوليفت ريفيو، لقراءتها باللغة الإنكليزية اضغط هنا

لقراءة الجزء الأول اضغط هنا

______________________


أنماطٌ نحوية


كانت نتائجنا، إلى هنا، مباشرة: مع تطور الوضع الاقتصادي، تتغيَّر السياسة، واللغة بالمعية؛ لكن البنك نفسه يبقى هو هو. أما الآن فسيتحول اهتمامنا لينصب على مناحٍ من اللغة تغيَّرت تغيُّراتٍ طفيفة، وببطءٍ شديد. ما يمكن تسميته بـ"بَقْرَطة" خطاب البنك –إلَّا أنَّه أكثر من ذلك: إنَّه أسلوبٌ ينتظمُ ذاتيًا حول بضع عناصر، ثم يبدأ بتوليد رسالته الخاصة. دعنا نحاول الشرح بالعودة إلى المقتطفَيْن الواردَيْن ببداية هذه الورقة. ذلك المقتطف من العام 1958، "منظومة النقل الحالية في الكونغو"، كان مليئًا بالأنهار والمزارع والأسواق والسكك الحديدية والموانئ والمناجم والمدن...ما من أوضح من هذا. بينما المقتطف الثاني كان مختلفًا. ها هو مجددًا:

تحقيق المساواة بين الجميع في القضايا العالمية
تبرز بلدان هذه المنطقة كأطراف رئيسية بشأن قضايا هي محل الاهتمام العالمي. وتمثّل دور البنك في مساندة جهود تلك البلدان عن طريق تكوين شراكة من خلال مرتكزات مبتكرة للحوار المستنير والعمل على أرض الواقع. بالإضافة إلى مساندة التعاون فيما بين بلدان الجنوب.

القضايا؛ أطراف؛ جهود؛ مرتكزات؛ الحوار؛ أرض الواقع... يقول [جورج] أورويل في مقالته "السياسة واللغة الإنكليزية"[1]: "الميل العام في النثر الحديث بأكمله يتجه بعيدًا عن الملموس"، تظل كلماته هذه صحيحة اليوم كما كانت في العام 1946. يشدد البنك على أهمية ما يقوله [باستخدامه صفات مثل] –الرئيسي؛ العالمي؛ المبتكر؛ المستنير– لكن تظل كلماته مبهمة. ما الذي يحاول قوله فعلًا –أو إخفاءه–؟

  • "كمية كبيرة من الكلمات اللاتينية تسقط على النص"[2]

يصعب فهم الإبهام أو الغموض، لذا سنفصِّله إلى وحدات أصغر، مبتدئين من تحركه "بعيدًا عن الملموس". تنتمي المصطلحات (عمل وتعاون) الواردة في المقتطف من العام 2008 إلى فئة من الكلمات تُعرَف بـ "الصيغ الاسمية"[3] أو "الأسماء المجردة المشتقة"؛ وفي هذه الحال هي مشتقة من الأفعال: لـ"يفعل"، لـ"يتعاون"[4]. يمكن التعرّف على هذه المصطلحات في اللغة الإنكليزية من نهاياتها إذْ تنتهي بـ "-tion, -sion, -ment" (تنفيذ/تطبيق "implementation"؛ إرشاد “extension”؛ تنمية “development”)؛ لذا استخرجنا من التقارير كل الكلمات المنتهية بهذه النهايات وفحصنا يدويًا أعلى 600 كلمة (لاستبعاد كلمات "محطة" و"إسمنت"[5] وما شابه). يعرض الشكل رقم (7) النتائج. حيث إنَّ متوسط تكرار الصيغ الاسمية المشتقة من أفعال في النثر الأكاديمي، وفقًا للغويات المدونة الحاسوبية “corpus linguistics”، تساوي 1.3%. بينما في تقارير البنك الدولي فإنَّه يقرب من 3% منذ البداية –مع بلوغه الذروة حوالي العام 1950– ويواصل الارتفاع، ببطء ولكن بثبات، ليستقر على 4% بين 1980 و2005، ثم ينخفض قليلًا بعد ذلك.

يجري استخدام فئةٍ بعينها من الكلمات بأكثر من مرتبن، أو ثلاث أحيانًا، مقارنةً بالخطابات المماثلة[6]. لِمَ؟ ما الذي تفعله الصيغ الاسمية بحيث يستخدمها التقرير بمثل هذا الإلحاح؟ إنَّها تأخذ "الأعمال/الأفعال والعمليات" وتحوِّلها إلى "موضوعات مجردة"، مطبقين تعريفًا لغويًا قياسيًا[7]: أنت لا تدعم البلدان التي تتعاون مع بعضها؛ بل تدعم "التعاون فيما بين بلدان الجنوب". إنَّه تجريدٌ حيث الزمن مُلغىً فيه. يورِد التقرير السنوي لعام 1990 ما يلي "...تقديم الخدمات الاجتماعية، والدراسات التقييمية القطرية والخطط القطرية التي تساعد في صياغة السياسات والمشروعات الرامية إلى تخفيض عدد الفقراء"[8] –تخلق الصيغ الاسمية الخمسة نوعًا من التزامن بين سلسلة من الأفعال المختلفة عن بعضها البعض في الواقع. تقديم الخدمات الاجتماعية (الفعل الأول) التي تساعد (الفعل الثاني) في صياغة السياسات (الفعل الثالث) الرامية لتخفيض الفقر (الفعل الرابع): يستغرق القيام بهذا وقتًا طويلًا جدًا. لكن بلغة التقرير، فقد انكمشت جميع هذه الخطوات إلى سياسةٍ وحيدة يبدو وكأنَّها أتت إلى الوجود دفعة واحدة. إنَّه السحر.

–يتابع مؤلفو كتاب اللغويات المدونة الحاسوبية– إنَّ الأفعال والعمليات في الصيغ الاسمية "تنفصل عن الأناس المشاركين"[9]: التعاون، وليس الدول التي تتعاون مع بعضها. يندب تقريرٌ آخر صدر مؤخرًا "التلوث وتعرية التربة وتدهور الأرض وإزالة الغابات وتدهور البيئة الحضرية" مع غيابٍ صارخ للفاعلين الاجتماعيين. كل هذه التطورات المشؤومة –وما من أحدٍ مسؤول؟ تدخل "إيلاء الأولوية" إلى التقارير حين تحوم أزمة الديون؛ وهذا يعني، بكل بساطة، أنَّ الدائنين لن يعام