• Alaa B.H

فرانكو موريتي ودومينِك بيستري: لغة البنك -لغة تقارير البنك الدولي (1 من 2)

تم التحديث: 6 يوليو 2020



ترجمة: علاء بريك هنيدي

من المترجم:
تنشر لكم المُتَلَمِّس هذه الدراسة على جزأيْن، إذْ أتت بالأساس في قسمين يتناول أولهما الدلالات (Semantics)، فيما الثاني يتناول الأنماط النحوية. مع ذلك، فلئن أتاح لنا هذا التقسيم الثنائي نشرَها على جزأيْن، إلّا أنَّه من الواجب قراءتهما معًا لكي تكتمل الفكرة التي اشتغل عليها الباحثان. ومرد هذا التقسيم، لا يقع في ورود الدراسة في قسمَيْن، بل يقع في اعتباراتٍ تقنية وهذا أولًا، وثانيًا في أنَّ نص الدراسة طويل ومجهد قد يصرف القارئ عن متابعة قراءته، فبنشرها على جزأيْن ستكون أسهل وأيسر للمتابعة. 
هذه الدراسة تستقي عنوانها من تعبيرٍ صاغه جورج أورويل في روايته 1984 ألا وهو "اللغة الجديدة" "Newspeak"، حيث يجري تطويرها [أم أقول مسخها؟] لتُوصِل إلى متلقيها رسالةً يُريدُ واضع هذه اللغة [أي السلطة] إيصالها، وبما أنَّ اللغة وعاء الفكر فينتج بالمعية أنَّها تقولب فكر ووعي مستخدمها في شكلٍ اختِيرَ له سلفًا. على هذا الأساس وافتراقًا عن عالم الرواية، ولكن اختراقًا لعالم المؤسسات الدولية، يزيل الباحثان عن أعيننا غشاوةً، فعلًا وحقيقةً، إذْ كُنا غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْا عَنا غِطَاءَنا فَبَصَرُنا الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
لا يسعني، أخيرًا، إلّا أنْ أؤكد مرةً أخرى على ضرورة قراءة الجزأيْن، وعدم الاكتفاء بأحدهما دون الآخر، فهذه الدراسة تستحق عناء المعافرة والنزول إلى النهر والتقاطها... 

نُشِرَت هذه الدراسة في موقع نيوليفت ريفيو، لقراءتها باللغة الإنكليزية اضغط هنا

__________________________

ماذا بوسع التحليل اللغوي الكمي أنْ يخبرنا عن عمليات ومنظور المؤسسات المالية الدولية؟ للوهلة الأولى، تُعطي الكلمات الأكثر استخدامًا في التقارير السنوية للبنك الدولي انطباعًا بالتواصل غير المنقطع[1]. حيث تتربع على القمة سبع كلمات: ثلاثة أسماء –

البنك؛ القرض/القروض؛ التنمية[2]– وأربع صفات: مالي[3]؛ اقتصادي؛ تمويلي[4]؛ خاص[5]. ينضم إلى هذه السباعية حفنة من الأسماء: البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD)؛ البلدان؛ استثمار/ات؛ الفائدة؛ برنامج/برامج؛ مشروع/مشاريع؛ دعم،[6] بالإضافة إلى –وإنْ بشكلٍ أقل تكرارًا– إقراض؛ نمو؛ كلفة؛ دَيْن؛ تجارة؛ أسعار[7]. ثمَّة أيضًا مجموعة أخرى وأكثر حيادية من الصفات –آخر؛ جديد؛ مثل؛ صافي؛ أول؛ أكثر؛ عام– إضافةً لـ زراعي، وقد استُبدِلَت جزئيًا منذ التسعينيات بـ ريفي([8])([9]). إذن، فالرسالة واضحة: يُقرِض البنك الدولي الأموال لغرض تحفيز التنمية، سيما في الريف الجنوبي، ولذا فإنَّه ينخرط في القروض والاستثمارات والديون. ويعمل البنك من خلال البرامج والمشاريع، ويَعتبِرُ التجارة المورد الرئيسي للنمو الاقتصادي. ويتعامل البنك، بالنظر لكونه يُعنَى بالتنمية، مع كافة أشكال المسائل الاقتصادية والتمويلية والمالية، وهو على اتصال بالأعمال التجارية الخاصة. يا لها من رسالة جد بسيطة ومباشرة.

بيد أنَّه وراء هذا الاتساق المزيف جرى تحولٌ كبير. إليكم كيف وصفَ تقريرُ البنكِ الدولي العالمَ في العام 1958:

"إنَّ منظومة النقل الحالية في الكونغو موجَّهة بالأساس للتجارة التصديرية، وتقوم على الملاحة النهرية والسكك الحديدية التي تصل بين الموانئ النهرية والمناطق المُنتِجة للمعادن والسلع الزراعية. تمتد أغلب هذه الطرق على مسافات قصيرة من المدن مؤمِّنة الاتصال بين المزارع والأسواق. وقد ازداد الازدحام المروري في السنوات الأخيرة بسرعة مع نمو السوق المحلي، وتحسين طرائق الزراعة."

وههنا تقرير آخر بعد مضي نصف قرن، في العام 2008:

"تحقيق المساواة بين الجميع في القضايا العالمية
تبرز بلدان هذه المنطقة كأطراف رئيسية بشأن قضايا هي محل الاهتمام العالمي. وتمثّل دور البنك في مساندة جهود تلك البلدان عن طريق تكوين شراكة من خلال مرتكزات مبتكرة للحوار المستنير والعمل على أرض الواقع. بالإضافة إلى مساندة التعاون فيما بين بلدان الجنوب[10]."

تكاد تكون لغةً مختلفة، على مستوى كل من الدلالات والنحو. وكما سنرى، فإنَّ الانقطاع الرئيسي يقع بين العقود الثلاثة الأولى والعقدَيْن الأخيرَيْن، من منعطف التسعينيات، حين غدا أسلوب التقارير أكثر ترميزًا وإحالةً لذاته ومفصولًا عن اللغة اليومية. على هذا، ستكون لغة البنك “BankSpeak” بطلَ الصفحات التالية من هذه الدراسة.


تحولاتٌ دلالية

تحتل الأسماء موقعًا محوريًا في تقارير البنك الدولي. ويمكن إجمال الأكثر تكرارًا منها خلال العقدَيْن الأولَيْن، 1950-1970، في مجموعتَيْن رئيسيتَيْن. تشمل أولهما، بطبيعة الحال، الأنشطة الاقتصادية للبنك: القرض/القروض؛ التنمية؛ الطاقة (بمعنى الكهرباء)؛ برنامج؛ مشاريع؛ استثمار؛ معدات؛ إنتاج؛ تشييد؛ مصنع[11]؛ يتلوها الشركات؛ تسهيلات؛ صناعة؛ آلات[12]؛ ثم تُتبَع بسلسلة من المصطلحات الملموسة على شاكلة ميناء؛ طريق؛ فولاذ؛ ري؛ كيلوواط/ساعة؛ نهر؛ طريق سريع؛ سكة حديد[13] –ومن ثمَّ الأخشاب؛ اللباب؛ الفحم؛ الحديد؛ البخار؛ الصلب؛ القاطرات؛ الديزل؛ الشحن؛ السدود؛ الجسور؛ الإسمنت؛ المواد الكيميائية؛ الآكرات؛ الهيكتارات؛ تصريف المياه؛ البذار؛ الماشية؛ الثروة الحيوانية[14]. كل هذا مناسب وملائم تمامًا لبنكٍ يقدم القروض والاستثمارات (المصطلح المالي الوحيد في هذه القائمة الطويلة) للتشجيع على مجموعة متنوعة من مشاريع تنمية وتطوير البنية التحتية[15].

أما المجموعة الثانية فهي أصغر بشكل ملحوظ (دزينة من الكلمات وحسب)، وتصف كيف يشتغل البنك فعليًا. يقوم خبراؤه، في مواجهة المطالبات القائمة، بتحليل الأرقام، وعمل الزيارات، وإجراء الاستطلاعات، والقيام بمهام على الأرض؛ وهذه هي العناصر الكلاسيكية للمقاربة العلمية لحالةٍ متشابكة/معقدة، والتي تتطلب حضورًا فاعلًا للخبراء بغية جمع البيانات ودراستها. وفي وقتٍ لاحق، يقوم البنك بـ تقديم المشورة واقتراح الحلول ودعم الحكومات المحلية وتخصيص قروضها. من الناحية البلاغية، تُحدَّد البرامج الاستثمارية من واقع حاجات الاقتصاد المحلي وفقًا للفكرة القائلة بأنَّ الاستثمار في البنية التحتية سيؤدي إلى التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي. ويحدد البنك في نهاية كل دورة ما أٌقرِضَ وأٌنفِقَ ودُفِعَ وبِيعَ، ويصف تلك المعدات –السدود والمصانع ومنظومات الري– التي وُضِعَت قيد التشغيل. تُقامُ صلة واضحة بين المعرفة الإمبريقية والتدفقات النقدية والإنشاءات الصناعية: هكذا ترتبط المعرفة مع الوجود المادي في المكان، ومع الحسابات التي تتم في المقرات الرئيسية للبنك؛ تنطوي التدفقات النقدية على التفاوض على القروض والاستثمارات مع الدول؛ والنتيجة النهائية لهذه العملية ككل هي تشييد الموانئ ومصانع الطاقة وما إلى ذلك. ثمَّة في هذا التتابع الزمني البارز إحساسٌ قوي بالسببية يربط الخبرة بالقروض بالاستثمارات بالإنجازات المادية.

فيما عدا البنك، يظهر في نصوص هذه الفترة ثلاثة أنماط من الفاعلين الاجتماعيين: الدول والحكومات؛ الشركات والبنوك والصناعة؛ المهندسين والفنيين والخبراء. تؤكد هذه الأنطولوجبا الاجتماعية الرواية المعيارية لإعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب بوصفها صناعية وفوردية وكينزية. وأبطال النمو الاقتصادي هم رجال الأعمال والمصرفيون، حيث يعملون مع الشركات الصناعية والاقتصاديين والمهندسين لتنفيذ المشاريع ضمن إطار وطني تديره الدولة. وما ينبغي إدارته هو الاقتصاد –أي "البنية المغلقة أو كلية من علاقات إنتاج وتوزيع واستهلاك البضائع والخدمات داخل فضاء جغرافي معين"[16] كما كتب تيموثي ميتشل– والذي تحسَّنت نتائجه بفضل "الجهاز الحديث للحساب والحكم"[17]. وبمساعدة البنك الدولي، تضبُط الحكومات الاستثمارات والمؤشرات المالية بغية تحديث البلدان: بمعنى، جعلها بلدانًا صناعية، انطلاقًا من البنية التحتية الأساسية. إنَّ هذا إرث والت وايتمان روستو “Walt Whitman Rostow”، مؤلف كتاب مراحل النمو الاقتصادي: بيانٌ غير شيوعي (1960) The Stages of Economic Growth: A Non-Communist Manifesto”، ومستشارٌ سياسي رئيسي للإدارات الأمريكية من إيزينهاور إلى جونسون. تسير التنمية عبر مراحل، وتأتي "انطلاقتها" عبر إنتاج المواد الخام وخلق البنية التحتية وقطاعٍ زراعي موجَّه للتصدير.

لنتوقف قليلًا عند مقطعٍ محدد، من العام 1969، يرد في المقدمة العامة للتقرير السنوي، في قسمٍ خاص بالقروض الزراعية، ولغته بسيطة جدًا ويكاد يبدو رتيبًا: