top of page

عَينٌ على السُّودان: حِوارٌ مع الكَاتب مَحمُود المُعتَصِم

تاريخ التحديث: ١٩ ديسمبر ٢٠٢٠


حاوَرَهُ: أَنَس الأَسْعَد

توطِئة:


إِشتعلَتِ

المظاهراتُ في جُمهوريَّة السُّودان، أواخرَ ديسمبر 2018، بدايةَ الأمر، كانت نقاطُ الاحتجاج أكثر التهاباً في مُدن الولايات، من عطبرة شمالاً إلى رَبك جنوباً، ولكنْ سرعانَ ما تلقَّفتِ العاصمة بمركزيَّتها السِّياسيّة والاقتصادية الأصداء، وبَلورتها في خطاب مُناهض للسلطة التي يقودها حزب المؤتمر الوطني ذو الخلفيّة الإسلاميّة أيديولوجيّاً، والحاكمُ البلادَ منذ الانقلابِ العسكري الذي قادهُ العميد – حينها ــ عُمَر البشير، مُطيحاً بحكومة الصَّادق المهدي، بما سيُعرَفُ لاحقاً بـ"ثورة الإنقاذ" حزيران/ يونيو 1989.


لكنّ السلطة التي دخلت عالم الثورية تشظَّت بعد عشر سنوات من الانقلاب، وتمايزت أطرافُها، ليُطْلَقَ في الأدبيات الدَّاخلية للجبهة القومية الإسلامية، على تلك المرحلة "أعوام المُفاصَلة" بين قُطبي الجبهة، المؤتمرين: الوطني والشَّعبي. استهوتْ أفكار المُنظّر الإسلامي الشهير حسن الترابي، الانقلابيين، لكنَّهم بعد سَنواتٍ عَشْر حيّدوه من ثمّ اعتقلوه مِراراً، قبل أن يقطعوا ردحاً من الزمن دونه، ثم ليعودوا إلى أنصاره من جديد، بعد وفاتِه في آذار/ مارس 2016، عبر بوابة الشَّراكة الحكومية بين الشّعبي (أنصار الترابي) والوطني (أنصار البشير) وهي الحكومة الأخيرة التي أسقطتها جموعُ السّودانيين في نيسان/ أبريل 2019، وَدَكَّتْ كلِا القيادتين في الزَّنازين.


احتضنَ سودانُ التّسعينيَّاتِ شخصياتٍ راديكاليَّة متناقضة من أمثال: كارلوس في أقصى اليسار، أو أسامة بن لادن في أقصى اليمين، لم تمرَّ الشخصيَّتان في الجغرافيا السُّودانية مروراً عابراً، لكنَّ مثلَ تلك المواقف غابتْ عن سودان الألفية الثالثة، ولم تعُد لتجذبَ الحكومة بعد انقضاء مرحلة الفتوّة الإنقاذيّة أوائل التسعينيات، والجنوح شيئاً فشيئاً نحو مشروع سياسيٍّ ريعيٍّ.


تابعتِ الجمهورية تشظيها، ولم تقوَ على لمّ شتاتِها حتى تستوعبَ أسماءً تضاعفُ الأعباءَ السِّياسية، ولمَّا تضعْ أطولُ الحروب الأهلية في أفريقيا أوزارها، التي كانت مُشتعِلة في جنوبيِّ السُّودان، إلَّا مع فصلٍ أخير انتهى باستفتاء لتقرير المصير كانت نتيجتُه ولادةََ دولة جنوبِ السُّودان تموز/ يوليو 2011، والانفصالَ التامَّ بين الخرطوم وجوبا.


لم يكتبِ الانفصالُ المشهد الأخير في رواية الاقتتال الأهلي، كما كان يؤمِّلُ مناصروه في الجنوب، فالحرب شمالاً ظلّت مستعرة في أقاليم أخرى غير الجنوب، أبرزها: إقليم دارفور غربيّ البلاد، وإقليم جنوبي كردفان (الحركة الشعبية شمال ــ فرع عبدالعزيزالحلو)، أمّا الجار الجنوبي الجديد فانشغلَ بحرب أهلية، وقودُها الأَعراقُ، والتّركةُ السّياسية الحَرِجَة، لــ(زعيم الحركة الشعبية جنوب) جون غرنق الذي مات بحادث تحطُّم طائرة غامض عام 2005، أُعِدَّتْ لخليفَتيه الهَزِيلَي الحضورِ والقيادة، سالفا كير ميارديت، ورياك مشار.


تحوَّلتِ الحرب، مع الوقت، إلى رافعة لظهور قوى جديدة في الشّمال اتَّخذتها الحكومة المركزية في بداية الأمر، يداً ضاربة ضد الأطراف، وضدَّ الجغرافيا المُنقطِعة التي يعسُر على الجيش النظامي اقتحامها، هذه القوى وبشيء من المَكْر ستواصل العَومَ على وجه السَّاحة السِّياسية، حتّى تجدَ لنفسها موطئ قدمٍ بديلٍ اليوم، عن سلطة قديمة رَعَتْها أمس!


عليه، صار يترّددُ اسم "قوَّات الدَّعم السَّريع" في أروقة السياسة، فمن ملعب الحروب المحلية إلى ملعب الحرب الإقليمية ــ الخليجيّة ضد اليمن وشعبه، وصولاً إلى قمع الجمهور في مجزرة القيادة العامة في قلب العاصمة الخرطوم (3 - يونيو - 2019)، ومحاولات بسط النفوذ على المجلس السّيادي الذي يحكم البلاد اليوم، وليس انتهاءً بالسّعي لمَحوَرةِ البلاد في السياسة الرّامية لوأد التطلعات الشعبية الديمقراطية، والانتظام بالنهج التَّطبيعي الإماراتو-إسرائيلي.


هذا كان حال القوى السِّياسية الحاكمة، مقابلَ ذلك، لم يكن واقع القوى السودانية المُعارِضة أفضل من حيث التَّنظيم والنّهوض بالواقع السِّياسي، إلا بعد تفجّر المظاهرات أواخر 2018 في عموم البلاد، التي راح ضحيتها الآلافُ من الشهداء والمُغيَّبين في عدة مجازر، ومع بناء جسم ائتلافيّ جديد اتَّخذ لنفسه اسم قوى الحرية والتغيير/ قحت، لنراهُ يقود البلاد اليوم، بوصفه مكوّناً مدنياً في المجلس السّيادي.

لكن هذا التجمع يعيش الآن أزمته الداخلية أو "المُفاصَلة" إنما على طريقته الخاصة؛ نَظَراً للفوارق السّياسية التي تعصفُ بين الأحزاب السودانية: الشيوعي والأمّة والاتحادي والمؤتمر السُّوداني... الخ، وبين عدد من القوى النّقابية الجديدة مثل "تجمّع المهنيين السودانيين"، ولجان مقاومات الأحياء، كل هذه القوى والأحزاب لا يبدو أنّها تعيش أيام الوئام والشعارات التي سادت قُبيل أو/ وبعيد الإطاحة بحكم عمر البشير في أبريل 2019.

فما الطريقة التي يُمكن أن نقرأَ بها الواقع السوداني الرَّاهن؟ وأيّ المفاتيح ستساعدُنا في فكفكة هكذا خريطة؟

 

تستضيفُ

صحيفة المُتَلَمّس، محمود المُعتصِم: طبيب سوداني، من مواليد الخرطوم 1990، يُقيم حاليّاً في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو مُسَاهِم يساريّ في دعم لجان مقاومات الأحياء إبّان الثورة، تنصَبُّ كتاباتُه على نقد الفكر الحداثي والإسلام السّياسي والتجديد في النظرية وأشكال التنظيم. وذلك استقراءً من المُتَلَمِّس لموقع الثَّورة السُّودانية، في التاريخ الوطني المحلي خاصّة، والأفروعربي عامّة. يُحدّثنا المُعتَصِم من داخل بيت الثورة الاجتماعي، عن رؤيتِه لواقع الصِّراع في الجمهورية، وعليها، وعن أشباح الانقلابات العسكرية التي تتهدّدُ مسارَ التَّغيير والمرحلة الانتقالية.


1. عاشَ السودان ثورتين في تاريخه المعاصر بعد الاستقلال، أكتوبر 1965 ضد الجنرال إبراهيم عبّود (نهاية الديكتاتورية الأولى وبداية الديمقراطية الثانية)، ثم أبريل 1985 ضد الجنرال جعفر نميري (نهاية الديكتاتورية الثانية وبداية الديمقراطية الثالثة)... ماذا عن هذه الأيام التي تشهدها الجمهورية من ديسمبر 2018 إلى حين يقرأُ القارئُ هذه السطور، كيف يُمكن وصفُ أثرها في رسم صورة الكيان السّوداني؟ وهل يجوزُ الحديثُ عن مراحلَ كُبرى وتمفصلات دقيقة، عن نجاح وفشل، نقد وأخطاء، خلال هاتين السَّنتين؟


أعتقدُ

أنَّ ما جرى خلال العامين كان تلقائيَّاً بصورة تكاد تكون مُمِلَّة. فليس هنالك دروسٌ. ما كُنا نعرفه يوم الثلاثين من يونيو 2019 هو نفسه ما نشاهده الآن. لذلك سأبدأ من نقطة أخرى.


ذكرتم في المقدمة استضافة السُّودان لشخصين "راديكاليين"، أحدهما كارلوس الشخص ذو التاريخ الشائك يمكنكَ أن تعتبره مناضلاً يسارياً متطرفاً، والآخر هو أسامة بن لادن، الإرهابي اليميني المتطرف. أودُّ هنا أن أدلف إلى شرح فكرة أن المشكلة في السياسة السودانية هي مشكلة "شكلية" مشكلة في شكل الممارسة السياسية وليس مضمونها، وهو الأمر الذي ظهر قبل وبعد الثورة.


استضاف السودان مناضلين آخرين في الفترة بعد الاستعمار، كلاهما بدأ حياته السياسية مناضلاً ضد الاستعمار، وكلاهما قتلتهما الحكومة المحلية في طورين من وجودها، طورها العلماني والآخر الديني. المناضلان اللذان، وأنا أصر على الكلمة، "استضافهما"، السودان هما: محمود محمد طه، المحرّر الراديكالي الديني، القائد الروحي التقدمي، مؤسس "الحزب الجمهوري وزعيمه"، والمناضل الشيوعي عبد الخالق محجوب. وكلاهما ليسا "مثقفَين" أو "أفراد"، فتحتَ كلٍّ منهما نمَت حركة اجتماعية راديكالية، حركة مرتبطة بصورة عضوية بجماهير وقاعدة ولها قدرة فعل: في حالة عبد الخالق كان الارتباط مادياً على الطريقة الماركسية مع مزارعي الجزيرة وحلقات الموظفين الصغار، وعمال السكة حديد في عطبرة، وفي حالة محمود محمد طه كان الارتباطُ عضوياً بدخوله على منظومة الأفكار الدينية السائدة وتحقيقه اختراقاً ولو كان سلبياً، بحيث لم يوجد بيتٌ سوداني إلا ونوقشت فيه أفكار "الأستاذ" كما يسميه تلاميذه.