عبد الفتَّاح كيليْطُو: لِهَذا نَقرَأ الأدبَ الكلاسيكيّ

أعدَّها: اسماعيل أزيات

هامش:

(1) نص المحاضرة القيّمة التي ألقاها الأستاذ عبد الفتاح كيليطو في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان ضمن أنشطة مختبر التأويليات والدراسات النصية واللسانية يوم الأربعاء 19 فبراير 2020. تخللت المحاضرة التي أدارها باقتدار رئيس المختبر الأستاذ محمد الحيرش، ثلاث مداخلات على قدر كبير من الإمتاع والإقناع، الأولى للأستاذ عبد السلام بنعبد العالي: "الكتابة بالقفز والوثب"، والثانية للأستاذ خالد بلقاسم: "القراءة بين القرب والبعد"، والثالثة للأستاذ خالد الزمراني: " نظرات في نثر كيليطو الحكائي"

_____________________________________________


ما الفائدة من قراءة القدماء؟ إنّهم ليسوا من عالمنا، ينامون بسلام ولا يريدون منّا أن نوقظهم. لندع الموتى يدفنون الموتى. قد نتردّد برهة في حكمنا ونفترض أنّ هناك، ربّما، منافع ومزايا يمكن جنيها من مرافقتهم، لكنّنا سرعان ما نشيح بوجهنا عنهم ولسان حالنا يقول: — ينبغي أن نقرأهم، لكنّنا لا نفعل. يظلّ الأمر أمنية غامضة، والغريب أنّنا، على الرّغم من أنّنا لا نقرؤهم، نتصرّف كأنّنا قرأناهم. وندّعي معرفة إنتاجهم. شخصيا، لم أقرأ الإلياذة؛ إلياذة هوميروس، لكنّني أعرف فحواها، وبالمناسبة، من يقرأ دون كيخوطي؟ من منكم قرأ دون كيخوطي؟ أغلب النّاس لا يعرفونه إلاّ من خلال رسوم الفنان غوستاف دوري أو عبر فكرة في صفحات كتاب مدرسي. ينطبق هذا على جلّ المؤلّفات التي تنعت بالكلاسيكية.


ماذا يعني هذا النّعت؟ قدّم إيطالو كالفينو في كتاب تُرجم إلى الفرنسية وعنوانه Pourquoi lire les classiques — ومن دون علامة استفهام — أربعة عشر تعريفا له، افتتحها بملاحظة أنّ الكتاب الكلاسيكي هو الذي يقول القارئ إنّه يعيد قراءته ولا يقول أبدا إنّه يقرؤه. معلوم أنّ لكلّ أدب تسلسله الزمني الخاص وتسمية فريدة لمراحله، كمثال بسيط، يطلق على الباحث الفرنسي في أدب القرون الوسطى نعت médiéviste [پول زمثور Paul Zumthor من الباحثين المتميّزين في أدب القرون الوسطى. لست أدري كيف يمكن ترجمة médiéviste إلى العربية؟]، هل يمكن إطلاق هذا النّعت على باحث مهتم بالنصوص العربية في الفترة ذاتها سواء كان عربيا أو غير عربي؟ [مثلا، هل يمكن أن نقول إنّ أندريه ميكيل médiéviste؟ لا أظنّ!]. يبدو لي أنّ هذا مستبعد، ذلك أنّ مصطلح القرون الوسطى لا يتلاءم مع التاريخ العربي ولا يتوافق مع ما نعرفه من تطوّر الأدب العربي. لكلّ أدب تقويمه وتسلسله الهرمي وكلاسيكياته وحتى عصره الكلاسيكي. كما هو معروف، العصر الكلاسيكي بامتياز بالنسبة للفرنسيين هو القرن السابع عشر. في الثقافة العربية، تبدو الأمور معقّدة لأوّل وهلة. أوّلا هل لكلمة classique ما يعادلها في اللغة العربية؟ يتمّ استخدامها أحيانا للإشارة إلى الأدب القديم، يُنعت بالأدب الكلاسيكي، ولكن غالبا ما يُشار إليه بالأدب القديم تمييزا له عن الأدب الحديث. يوجد متخصّصون في هذا أو ذاك، كما لو أنّنا أمام أدبين مختلفين، أمام عالمين متباينين، لكنّ الواقع أنّه عندما يذكر أحدهما، فإنّ الآخر يتبادر إلى الذهن على الفور. في كثير من الحالات يتمّ الحكم على الأدب العربي القديم من خلال ما جاء بعده، من خلال الأدب الحديث، وعلى العكس من ذلك، وكما يشير إيطالو كالفينو، فإنّ الكتاب الكلاسيكي يجعلنا نحدّد أنفسنا بالمقارنة معه، وربّما بمعارضته، أي يجعلنا نكتشف أنفسنا. مهما يكن، فإنّ من يدرس مؤلّفا عربيا كلاسيكيا يكشف حتما عن أصله ومحتده، نعرف توّا هل هو عربي، أو فرنسي، أو أمريكي مهما كانت اللغة المستعملة.

ما هي، فيما يخصّ الأدب العربي، الأعمال التي من الواجب قراءتها؟ نعثر على جواب في مقدّمة ابن خلدون. في حديثه عن "علم الأدب"، يقول مستشهدا بشيوخه "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أنّ أصول هذا الفنّ وأركانه أربعة دواوين وهي أدب الكتّاب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرّد وكتاب البيان والتبيين للجاحظ وكتاب النّوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها". إنّها مؤلّفات أساسية، لا غنى عنها، ولا يجوز للأديب المبتدئ أن يتجاهلها، إذ بالاطّلاع عليها يوطّد، بطبيعة الحال، معرفته باللغة العربية، بالأدب، بفنّ الكتابة ويصبح، من حيث المبدأ، أديبا مكتملا وقادرا على تأليف نصوص جيّدة أو لا بأس بها [قولي هذا إعلان للهواة الذين يحلمون بالكتابة باللغة العربية].


وصف نجيب محفوظ أحدهم — في رواية له، أظنّها زقاق المدق — وصف شخصا يطمح أن يصير مؤلّفا، ولتحقيق هذا الهدف قرأ، بكلّ عناية، الكتب الأربعة التي ذكرها ابن خلدون. ماذا كانت النتيجة؟ على الرّغم ممّا بذله من مجهود ظلّ عاجزا عن الكتابة. بغضّ النّظر عن هذا المثال، تبقى فكرة شروط ابن خلدون، مع ذلك، جديرة بالاهتمام. أهناك قارئ عربي لا يرغب في قراءة الأعمال الأربعة المتميّزة المشار إليها؟ فيما يخصّني أخذت العبرة من فشل الشخص الذي ذكره نجيب محفوظ، فلم أقرأ سوى البيان والتبيين للجاحظ، ولهذا السّبب، فإنّي لا محالة أديب ناقص.


ولكن هناك أشياء أخرى تدخل في الاعتبار، فإلى جانب الكتب المعتمدة، المثالية، الوطنية، دعوني أسمّيها كذلك، أقصد الكتب المرتبطة بلغة ما، توجد كتب عالمية معظمها يُقرأ مترجما، وحتما يبرز السّؤال: في أيّة ترجمة سنقرؤها؟ سؤال يطرح نفسه دائما حين يُرغب في الاطّلاع عليها [كتب مارسيل پروست يوما إلى صديق له سأله: "في أيّة ترجمة ينبغي عليّ أن أقرأ حكاية السندباد، في ترجمة أنطوان غالان أم في ترجمة الدكتور ماردروس؟"]. حين نقرأ ترجمة فإنّ اسم المترجم لا بدّ أن يبرز. نحن أمام اختيار. من المعروف جدّا أنّ الكتب الكلاسيكية تُنقل إلى عدّة لغات وتتواصل ترجماتها داخل اللغة نفسها [ما أكثر ترجمات ألف ليلة وليلة في اللغة الفرنسية]، تُترجم باستمرار فيتمّ تكييفها، بمعنى تُعاد صياغتها. ما تجدر الإشارة إليه أنّ مترجمي الكتب العربية المعتمدة معروفون، نعلم أسماءهم. إنّ ترجمة لا يرد فيها اسم من قام بها شيء نادر، بل لا يكاد يُتصوّر، وإن حدث يصير محلّ تساؤلات وشبهات وتخمينات. وإلى هذا أشار إرنست رونو حين قال: "إنّ الكتب الكلاسيكية هي تلك التي تُعرف أسماء مترجميها". هناك طبعا كتب لمْ تُتَرْجَمْ، ولكنّها مع ذلك، تعتبر كلاسيكية في سياقها المحلي، في هذه الحالة، حين تكون الكتب غير مترجمة، يُعرف شرّاحها، تُعرف أسماؤهم. الكتب الكلاسيكية هي التي تُعرف أسماء مترجميها، أو أسماء شرّاحها، وربّما أيضا أسماء ناشريها [وأؤكّد على ذلك. مثلا هناك ناشر فرنسي، ولعلّه أشهر ناشر، هو غاليمار، ولديه مجموعة يصدرها هي مكتبة لاپلياد. مكتبة تنشر الكتب الكلاسيكية لمؤلّفين كلاسيكيين، وطبعا تنشر أعمالهم بعد مماتهم، ولكنّ بعض الأحياء تسلّلوا إلى هذه السلسلة في حياتهم، ومن بينهم كونديرا!]. وعادة ما يكون النص الكلاسيكي مصحوبا بتعليق، وفي بعض الأحيان لا يفهم بدون تفسيرات في أسفل الصفحة، كما هو الشأن في المعلّقات. ومن علامات طابعه الكلاسيكي، أنّه يُشكل بالكامل، ليس وحسب بالنسبة للأشعار، وإنّما كذلك بالنسبة للنّصوص النثرية [مقدّمة ابن خلدون مثلا].


من يقرّر أنّ كتابا ما يمثّل لحظة حاسمة، منعطفا ذا شأن، وبالتالي يتعيّن إدراجه في التاريخ الأدبي؟ من يقرّر إدخاله في المقرّرات الدّراسية؟ هنا ربّما نصل إلى تعريف ليس بجديد، وهو تعريف قد يعتبر تافها لكنّه مريح؛ الكتاب الكلاسيكي هو ذاك الذي يدرّس في الصفّ المدرسي، في المؤسسات التعليمية.


مثل كلّ التلاميذ، التقيت بالأدب العربي في المدرسة الابتدائية. من المهم التّأكيد أنّ اللّقاء مع النصوص الأدبية هو لقاء مع اللغة العربية، وتحديدا مع الكتابة العربية، مع الفصحى. بمجرّد أن تشرع في تعلّم اللغة العربية، تكون قد وضعت رجلا في حقل الأدب. في المدرسة التقليدية، كما في المدرسة الحديثة، يتعلّم التلميذ اللغة العربية برسم حروفها [كما هو معلوم، النص الكلاسيكي هو المكتوب بالفصحى، وهو الذي يُدرّس تحت إشراف أستاذ، وأحيانا يلزم حفظه عن ظهر قلب]. كان الشعر فيما مضى — هل ما يزال؟ — تمرينا إجباريا [كان استظهار الشعر تمرينا مجدولا ومعتمدا في تنقيط الامتحان]. من جملة ما حفظناه قصيدة من سقط الزّند لأبي العلاء المعري، يمدح فيها نفسه، قصيدة فخر تعرفونها جميعا: "ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل/ عفاف وإقدام وحزم ونائل". وفيها يقول: "وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم/ بإخفاء شمس ضوءها متكامل". الرّفعة، السموّ، الأعالي، أبو العلاء.. يقارن نفسه بالشمس، هو الذي فقد البصر في سنّ الرابعة. لكن ما غاب عنّا وكنّا صغارا أنّه ألّف هذه القصيدة البديعة والمذهلة فنيّا حين كان في الخامسة عشر من عمره. كنّا نحن حينذاك في العاشرة أو في الحادية عشر. كان ذلك سنة 1956؛ سنة الاستقلال، وكان المستقبل مفتوحا أمامنا ومشرقا. كلّ واحد منّا كان مدعوّا إلى مصير استثنائي أو كان يتخيّل ذلك تماما مثل أبي العلاء. أليس هو من يقول: "وإنّي وإن كنت الأخير زمانه/ لآت بما لم تستطعه الأوائل". بماذا كان عليه أن يأتي؟ بفنّ شعري جديد، لا شكّ في ذلك. لم يقل المتقدّمون كلّ شيء. لا تزال هناك أشياء لم يكن بوسعهم قولها. يتحدّاهم أبو العلاء ويطرح أيضا تحدّيا على نفسه. بالإمكان إبداع قول جديد. وباعتبار ما حدث، فإنّ أبا العلاء لن يخلّ بوعده، أنجز شعرا أصيلا وربّما تفوّق على السّلف، سبقهم بمعنى ما. لكنّننا ونحن تلاميذ — عمرنا إحدى عشرة سنة — كيف تلقّينا هذا البيت المدوّي الباهر؟ هل فكّرنا، ونحن ننشده، أنّنا، على الرّغم من كوننا جئنا فيما بعد، وأنّنا متأخّرون سنفعل ما لم تستطعه الأوائل؟ ربّما فكّرنا في ذلك وإلاّ لماذا كنّا في المدرسة؟ ثمّ، وهذا أكثر أهمية، لماذا اختار معلّمونا تلقيننا هذه القصيدة بالذات، قصيدة فخر واعتداد بالنّفس؟ أغلب الظنّ أنّ الأمر لم يكن من قبيل الصدفة، فالأرجح أنّها اختيرت لتقدّم لنا كمثال يحتذى. بعد مدّة حفظنا قصيدة أخرى من نفس الديوان وهي التي مطلعها: "غير مجد في ملّتي واعتقادي/ نوح باك أو ترنّم شاد". تختلف نظرة الشاعر هذه المرّة، لم تعد نظرة غطرسة وشموخ، وإنّما نغمة كآبة مشوبة بمرارة، وبقدر من سخرية لاذعة. على عكس ما يشاع عنه أحيانا، لم يكن أبو العلاء بالمؤلّف الجاف، بل هو مؤلّف مرح يتحلّى بحسّ هزلي متميّز. لا شكّ أنّه، وهو يملي نصوصه، كان يضحك مع الذين كانوا يكتبون إملاءاته، كما كان يحدث لكافكا [كان كافكا يقرأ على أصدقائه قصصه وينفجرون جميعا بالضّحك]. في هذه القصيدة يتعلّق الأمر أيضا بالمتقدّمين، بالسّابقين، بالموتى. تبدو الأرض كمقبرة شاسعة، "قبورنا تملأ الرّحب"، إنّنا ندوس على أجساد الموتى دون أن ننتبه إلى ذلك. لنتعلّمْ بالتالي المشي بتواضع أو كما يقول أبو العلاء: "خفّف الوطء ما أظنّ أديم الـ /// أرض إلاّ من هذه الأجساد/ وقبيح بنا وإن قدم العهـ/ دُ هوان الآباء والأجداد". من الواجب أن نعتني بمن سبقونا، بأسلافنا، لا يليق بنا أن نتجرّأ عليهم ونستفزّهم، وإنّما نتعايش معهم في وئام. أكبر احترام لهم أن لا ننساهم وأن نستمرّ في الحديث إليهم. وتحقيقا لهذا الهدف، علينا، نحن الصّغار، أن نعمل على استمرار لغتهم، خصوصا أنّهم لا يفقهون لغتنا إلاّ بالكاد. من خلال تعلّم العربية الفصحى، سوف ننقذ الموتى من النّسيان ونضمن بقاءهم. يجب أن نتعلّم لغتهم من أجل التحاور معهم، وبهذه الطريقة سوف يتوهّمون أنّهم ما زالوا أحياء، فتخفّ معاناتهم وآلامهم، ذلك أنّ الموتى، إذا صدّقنا ما قال بودلير، في أزهار الشر يعانون من آلام كبيرة: "يعاني الموتى، الموتى المساكين، من آلام كبيرة". هل أنسب، بدون مبرّر، إلى أطفال من الماضي، تفكيرا غير قابل للتصديق في مجال الكلاسيكيات؟ بكلّ تأكيد، ولكن عند الفحص الدّقيق، ألم يكن يخطر ببالنا هذا النقاش في ذلك الوقت؟ ألم نكن نطرح على أنفسنا أسئلة دون أن نجرؤ على الإفصاح عنها؟ كانت تصلنا أصداء عن محاولات لتجديد الأدب العربي في القاهرة وفي بيروت. وبالفعل، كانت المناقشات بشأن المتقدّمين مثارة منذ وقت طويل، يمكن أن نقترح تواريخ مختلفة؛ من جهتي فإنّ التاريخ الذي أثبته هو 1855، تاريخ نشر الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق [ وأين نشر هذا الكتاب؟ في باريس!]. في معرض تقديمه لكتابه، يخبر القارئ أنّه سيتخلّى تماما عن السّجع [لا يمكن أن تحتفظ بالسجع وأنت في باريس!]، فضلا عن المحسّنات البديعية والصور البلاغية التقليدية. بانفصاله عن الكتابة النخبوية للحريري والزمخشري، دعا إلى كتابة موجّهة — على حدّ تعبيره — لأيّ قارئ كان. دفع الشدياق الأدب العربي إلى مسار مختلف.


يعلّمنا التاريخ الأدبي أنّ تجديد الشعر يحدث عندما يقف شاعر ضدّ أسلوب، ضدّ تقليد أو مدرسة [ربّما حين يدخل الفوضى في النّظام، خلافا لما قلت سابقا. قلت في خصومة الصور: "إنّ الأدب يدخل النّظام في الفوضى".]. ويكفي أن نتذكّر في هذا الصّدد تجربتي أبي تمام وأبي نواس، هذا أمر تعرفونه جميعا. بشكل عام، فإنّ الحيوية الأدبية رهينة بقوّة التغلّب على التقاليد وبتجاوز الخطابات السابقة. ماذا عن أبي العلاء المعرّي؟ لقد ذهب أبعد. ففي لزوم ما لا يلزم، لم يكتف بمخالفة الأسلاف المتقدّمين، بل خالف حتى نفسه، وخالف نفسه صراحة في مقدّمة اللزوميات. رفض موضوعات ومكوّنات الشعر التقليدي وتبرّأ بوضوح من ديوانه السّابق سقط الزّند. يمكن أن نذهب أبعد فندّعي أنّ تجديد الشعر يتمّ عن طريق الابتعاد الصريح عن الشعر برمتّه. هذا ما يستنتج من مقطع غريب في مقدّمة ابن خلدون: "كان الكثير ممّن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أنّ نظم المتنبّي والمعرّي ليس هو من الشعر في شيء لأنّهما لم يجريا على أساليب العرب". لنلاحظْ أنّ ابن خلدون لا يعمّم، فليس هناك إجماع لشيوخه بشأن الشاعرين، فقط يرى عدد لا يستهان به منهم أنّ نظم المعرّي والمتنبّي لا علاقة له بالشّعر، ليس شعرا لأنّهما حادا عن المسارات المتعارف عليها في الشعر العربي. النتيجة غير المتوقعة من هذا الحكم أنّ أكبر شاعرين عربيين لم يكونا شاعرين!. بيد أنّهما بتحرّرهما من الشّعر أنجزا ما لم يستطعه الأوائل، بتجاوزهما للتقاليد الشعرية، بتجاوزهما للشّعر، ابتكرا فنّا غريبا غير مسبوق وغير مسمّى.


لنعد إلى تلامذتنا الصّغار. قلت، من باب الافتراض، بأنّ أبا العلاء كان يدعونا ضمنا إلى أن نكون مختلفين عن المتقدّمين. من هم، يا ترى، هؤلاء؟ آباؤنا، أمهّاتنا في المقام الأوّل، كنّا بطبيعة الحال، نقدّرهم ونبجّلهم، لكنّنا كنّا نشعر أنّنا لن نكون نسخة عنهم، وأنّنا سنحقّق شيئا آخر، سنكون مختلفين. ماذا أقول؟ كنّا مختلفين بالفعل، وكنّا نعلم ذلك، ألم نكن نعرف — بالإضافة إلى اللغة العربية — لغة أجنبية هي الفرنسية، لغة لا يعرفها آباؤنا ناهيك عن الأجداد البعيدين؟ في ذلك الوقت، كانت نصوص في هذه اللغة مألوفة لدينا، كنّا قد اطّلعنا على قصائد لفكتور هوغو وقصائد لتيوفيل غوتيي، فتجلّى لنا حينئذ فرق واضح بين الأدب العربي والأدب الفرنسي. كنّا نواجه تقليدين شعريين لا يمكن التوفيق بينهما في العديد من الجوانب. إذا اقتضى الأمر، يمكن تخيّل قصيدة المعرّي التي تتحدّث عن الموتى، يمكن تخيّل هذا النص باللغة الفرنسية، لأنّ الموتى لهم نفس الآلام، بعبارة أخرى تُستساغ ترجمتها، لكنّ مديحه الذاتي لا يمكن تصوّره في الفرنسية. وبصفة عامة، فإنّ العديد من الأنواع الشعرية القديمة ومن مواضيعها وصورها كانت تبدو لنا، ونحن ننظر إليها من خلال الأدب الفرنسي، قد عفا عليها الزمن وغير لائقة. كان معلّمونا أحيانا محرجين، وعلى الرّغم من التّبريرات المهدّئة التي كانوا يقدّمونها، وجدنا أنفسنا تدريجيا، وبسبب التكوين المتّبع في ذلك الوقت، أمام أسرتين من المتقدّمين، أمام كلاسيكيتين، ماضيين أدبيين؛ ماضينا نحن أو ما كنّا نتخيّل أنّه ماضينا والماضي الأوروبي الذي حلّ عندنا فجأة.

وفي الختام، ماذا عن اليوم؟ ألا تتأثّر كلاسيكيتنا بالآخر؟ ألا تُستمدّ قيمة الأدب العربي من الأدب الأجنبي؟

________________________________________________