• Anas Ad

طوائف مكّة الوثنيّة | «محطّة فريدة مع الباحث زكريّا مُحمد»

تاريخ التحديث: يونيو 26


مادة لـ أنس الأسعد

توطئة

كثيرٌ هو الكلام عن وثنية العصر الجاهلي، لكنّ تلك الكثرة لم تكن يوماً بحثاً أنتربولوجياً مُهذّباً في أسس الديانة وطبائعها، سوى القول بفوضى الأصنام، وعشوائية التعبّد، وكلام متفرّق عن الكعبة وسجع الكهّان والأحناف وصولاً إلى إبراهيم. إذاً كيف يمكن الحديث عن النظام؟ وإذا ثَبُتَتِ الديانة فما هي طوائفها؟ وهل وجود طوائف حينها دلالة على وجود نظام؟ أيّ رابط؟. هذه هي أسئلة الباحث الفلسطيني زكريا محمد (1950،...) التي ينشدها في كتابه: ديانة مكّة الجاهلية، كتاب الحمس والطّلس والحلّة. الأهلية للنشر، 2012، 326 صفحة.


يُشكّلُ الكتاب قَفلاَ مُحكمَاً لبناء السّرد التاريخي عند الباحث زكريا محمد، فهو الجزء الثالث والمتمّمُ لكتابين سابقين، فالكتاب الأول عبادة إزيس وأوزريس في مكة الجاهلية، والكتاب الثاني ذات النحيين الأمثال الجاهلية بين الطّقس والأسطورة، يمكن اعتبارهما حدّي المثلث المتكامل مع كتابه هذا المخصص للحديث عن الطوائف الوثنية الثلاث طائفة الحمس وطائفة الحلة وطائفة الطلس.


منذ البداية يضعنا الكاتب أمام مفارقة، إننا نتكلّم عن دين وثني كثيراً، لكننا نتحاشى أو نجهل أو ربّما لقلّة المصادر أحياناً الحديث عن طوائف جاهلية وثنية. وبالتّالي فإن ما يريد الباحث قوله أولاً وآخراً: إنّ الدين الوثني كان متشعباً إلى طوائف إذ لا يمكن الحديث عن دين بلا طوائف. طبعاً الكتاب لا يكتفي عند هذا الحدّ فصاحبُه يحفرُ ويتتبّع الطّرق خلف طقوس تلك الطوائف الثلاث، ولمّا كان الرأي الشائع أنّ مكّة لا يوجد فيها سوى طائفة واحدة هي الحمس، فإنّ الكتاب ينقض هذا القول كلّياً.


يرتقي الكتاب بعناوين فصوله الثلاثين لحدود الشاعرية؛ وهذا طبيعي كون كاتبه شاعراً قبل أن يكون باحثاً ويُتقن التّزوّد بالأحمال الميثولوجية بشكل فنّي. لكن مع ذلك ففي الكثير من الزوايا نجد الكتاب قد أشكلَ على القراءة وتنحّت سلاسته وجفّت عروقُه، بالرّغم من احتفاظ كاتبه بتنظيم وتسلسل في طرح الأفكار، وكأنّه يريد أن يعكس أو يتمثّل بفكرته التي يريد برهانها ألا وهي نقض مقولة "فوضى الأصنام" وسائر النظرة النمطية للديانة الجاهلية الوثنية غير المنتظمة أو العشوائية.


مع هذا القدر من المنهجيّة والتوسّع، فنحن مع أوّل كتاب في المكتبة العربية يتحدّث فيه صاحبُه عن تلك الطوائف بشكل خاص وواسع، إذ حتى في الاشتغالات التراثية القديمة ومنذ بداية عصر التدوين العربي، في القرن الثاني الهجري، لن نجدَ كاتباً بعينه قد ألّف مؤلّفاً خاصاً عن هذه الطوائف ولو انّ أخبار هذه الطوائف قد تكون متفرقة على شكل شذرات في بطون أمهات كتب التراث، مثل كتاب الأصنام لابن الكلبي، في حين أنّ كتاب الحمس لمعمر بن المثنى لم يصل إلينا في عصرنا الراهن، وهو كتاب ضائع للأسف!


لا ديانة بلا طوائف

عند الخوض في فصول الكتاب، نجد أنّ الفصول الثلاثة الأولى هي فصول تمييزية على المستوى اللغوي بين الطوائف الثلاث من جهة، وتدليل من جهة ثانية على أنّ مفهوم الطائفة الوثنية مُعشّقٌ اجتماعياً بمفهوم القبيلة؛ وبالتالي فإنّ قطبا الديانة (الحمس والحلّة) هما في ذات الوقت أقطاب مغروسة في لحم ودم القبيلة، فحلفُ المُطيبين من ناحية هو حلف الحلّة، كما أنّ حلف لعقة الدّم هو حلف الحمس على الضّفة المقابلة. لكن بين هذين القطبين تظهر عندنا طائفة أخرى ألا وهي الطلس التي تشكّل حدّاً ثالثاً بين قطبي الديانة الوثنية. ولأنّ الديانة الوثنية هي ديانة الإله الكوني بوجهيه الفيضي واللافيضي فإّن عملية التناوب بينهما تلتبس بهاتين الطائفتين الرئيستين في المجتمع المكي.


 رغم وضوح هذا الانقسام وحدّته، فقد ظلّ بلا تأثير فعلي على دراسة العرب قبل الإسلام. فلا أحد من العرب المعاصرين، أو من غيرهم من الأجانب، انطلق منه لكي يدرس هذه الدّيانة. لم يرفضه أحد، بالطّبع، لكن لم يأخذه أحد مأخذ الجد، بالفعل. وبمعنى ما، فقد بدا وكأن هذا الانقسام بلا تأثير على معرفتنا بديانة العرب قبل الإسلام. إذ ظلّ الباحثون يتحدثون عن هُبل والعزى، وعن اللات ومناة وذي الخلصة وغيرها من الآلهة من دون أن يكون لكل هذا أي علاقة بالحمس والطلس والحلة. (الفصل الأوّل، الطوائف الثلاث ص11).

بالانتقال إلى فكرة أخرى حول مكّة، ففي حين تنتشر مقولة شائعة: إنّ مكة هي خالصة لوجه الحمس دون غيرهم من الطوائف على اعتبار أنّ قريش كلّها حمسية المذهب، فإنّ الكتاب هنا ينقض هذا الاعتبار، ويذهب إلى تفكيك ذلك من خلال البرهنة على أنّ قريش كانت مأخوذة بين هذين القطبين؛ بدليل أنّ أهم شخصية في تاريخ قريش ومؤسس الدّين السماوي الثالث، محمد بن عبدالله، هو وعشيرته الأقربون، كان قد وُلِدَ ونشأ في كنف الطقوس الحلّية، وهذا نقضٌ لكل ما يُقال على أنّ محمد بن عبدالله كان حمسي المذهب، شأنه في ذلك شأن قريش قبيلته التي ينتمي.


بالعودة إلى عملية التبادل بين وجوهي الإله ميثولوجياً، فإننا سنقول: هل هي إلا تبادل طقوسي واجتماعي بين الحمس والحلة؟، تبادلٌ هو صراع مستبطنٌ بشكل أو بآخر، أمّا مراوحة طائفة الطلس بين بين، فهذه ضَربٌ من التثليث الوثني بين اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

ولا طوائف بلا طقوس

مع الفصلين: الرابع (طواف العري) والخامس (دخول البيوت من ظهورها) يتعمّق الكتاب أكثر في الفروق الطقسية للطوائف الوثنية، وعلى هذه الأرضية تدخل شخصية النبي لتلعبَ دوراً تأسيسيّاً حاسماً مع الديانة السماوية التي تجبّ الديانة الوثنية. فإلى أيّ الطوائف تنتمي؟ وهل كان الإسلام توفيقاً طقوسياً بين هذه الطوائف أم ماذا؟


تضع المصادر التراثية النّبي في خانة الحمس بناء على قرشيته، وأنّ الحلّة هم سائر العرب، في حين ينقض الباحث زكريا محمد هذا التّصنيف، ويضع النبي في خانة المذهب الحلي. ويمكن جدولة الفوارق بين الطائفتين بالترسيمة التالية:


طبعاً استعارة الثياب عند الحلة هو نوع من التخريج، أو الحيلة الفقهية (بلغة الإسلام) إذ من غير المقبول طواف الإنسان عارياً، فجاءت الاستعارة كنوع من الحلحلة لهذا الأمر. مع العلم أنّ هناك حالات قد اضطرّت للطواف بلا ثياب. وهنا يتطرّق الكاتب لمسألة من هو الحرميّ الحمسي (الذي يُعير الثياب) للنّبي الحلّي (الذي يستعير الثياب)، أم أنّ النبي كان حَرمياً مُعيراً للثياب على اعتبار أنّه حمسي، حسب التراث ومصادره. أمام فرضية الكاتب على حلّية النبي فيذهب للقول إنّ لفظة الحرمي تستوعب المعنى وضده، وإنّ مصادر التراث اعتبرت النبي حمسي المذهب لأنها لم تستطع أن تستوعبه خارج ما كانت عليه قبيلته، وبالتالي فإنّ النبي هو الحرمي المستعير من عياض المجاشعي لا العكس.


شيء آخر يمرّره الكتاب عند الوقوف أمام ترسيمة الدوائر هذه، على أنّ مفهوم الأمة الوسط "وكذلك جعلناكم أمّةً وسطاً لتكونوا شهداء على النّاس" البقرة 143، التي قُرِأت مراراً وتكراراً أنّها وسطية بين اليهودية والمسيحية في حين أنّ زكريا محمد يقول إنّ الوسط هو توفيق بين الطقسين الحلي والحمسي.


والحق أنّه لا يمكن فهم معنى جملة الوسطية من دون ربطها بالموضوع الذي جاءت في سياقه، ألا وهو موضوع تغيير القبلة. "سيقول السّفهاء من النّاس ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" البقرة 142،... وتغيير القبلة إلى مكّة كان مسألة تخصّ العلاقة بين المُسلمين ومشركي مكّة أي يخصّ الحمس والحلة لا اليهود والمسيحيين (الفصل السابع والعشرون، الأمّة الوسط، ص268ـ 269)

ولا طقوس بلا ميثولوجيا

يرتبط الكتاب أيضاً بعدّة مفاهيم ميثولوجية (الفصل السادس عشر: حركة الماء العذب في الكون) وعلاقة هذه الحركة بالإله الوثني ذي الوجهين، بمعنى أنّ التعددية الجاهلية "الشِّرْك" هي فهم محايثٌ لهذا الكون وعناصره، فالوجه الأول لهذا الإله هو الوجه الفيضي، أمّا الثاني فهو اللافيضي، وارتباطهما منعكس على توزيع المسؤولية في مناسك الحج من الرفادة والسقاية، توزيعٌ لا يتم إلا على أرضية المسرح الاجتماعي. ومن خلال هذه الكلمة بالذات "المسرح" يمكن أن نحلل ألغازاً أخرى خارج الحج أيضاً، مثل لغز عام الفيل الذي يعتبره الكاتب أنّه عام دوري ديني مُعادٌ خلقُه، لا عاماً ثابتاً قارّاً في زمن واحد.


إنّ تمثيل أسطورة أصحاب الفيل يقتضي وجود عدّة دائمة للتمثيل، من بينها حجارة من نوع ما، يجب أن تُلقى من الأعلى على الفيل المفترض في إعادة تكرار المسرحية الكونية. (الفصل الثالث والعشرون، أصحاب الفيل، ص223)

وفي الفصول الأخيرة من الكتاب، تمتد الرحلة الميثولوجية لتتجاوز وضع محمد الطائفي نحو الجذر الإبراهيمي للديانة السماوية، أي إلى شخصية إبراهيم ذاته هذه المرة. فمن هو هذا الجد الأعلى لمحمد وللعرب؟


يخترق الباحثُ التأصيل الإيماني عن علاقة إبراهيم وإسماعيل بالعرب من خلال اجتراح جديد وغير مسبوق في تتبُّع ما يمكن تسميته بشراكة النّسب السامي بين اليهود والعرب، فشجرة النسب حسب الباحث، هي شجرة دينية ولسيت صلةَ دمٍ يمكن تأصيلها والبناء عليها أنتربولوجياً. لكن ما القصد بالشجرة الدينية بالضبط؟ وأيّ جديد جاء به الكاتب في قوله هذا؟.


عند الرجوع في جينالوجيا الشعبين فإننا لا نعثر على خيوط تشتبك في النهاية عند منبع أساسي، بقدر ما هي خطوط متوازية تقلّد بعضها في بناء الطبقات وبالتالي ستختلف في المصدر الذي خرجت منه. النتيجة الأخطر هنا أننا أمام شخصيات موازية اسماعيلين لا واحد، وإبراهيمين لا واحد، إذا لم نقل أكثر من ذلك بكثير من يدري؟


ثمّة شجرة نسب عربية، تعادل الشجرة التوراتية تماماً. ولو كان الحديث يجري عن نسب بشري، لكان من العبث افتراض أن تتطابق شجرة نسب عربية مع شجرة نسب عبرية – يهودية. إذن فلا مفر من الاستنتاج أنّ الحديث يجري عن أشجار نسب ديني.أشجار تعادل بعضها بعضاً، ويكون المفهوم فيها واحداً، وليس الرّقم في الشجرة فقط. الاختلاف الوحيد يقع في اللفظ. وهكذا، فـ(معد) أول الشجرة العربية يساوي نبيت أول الشجرة العبرية. أي أن معدّاً العربي = نبيت التوراتي. يساويه مساواة مفهومية... وقد كان هذا الأمر مفهوماً لدى المصادر العربية فهي تعرف أنّ كنعان العبري هو يام العربي... ويمكن مع قليل من الجهد الوصول إلى شجرة فارسية مساوية لهاتين الشجرتين. فكيومرت الفارسي هو آدم(الفصل الثامن والعشرون، إبراهيم كبش القطيع، ص280- 281) 

أخيراً، إنّ ارتحالَ الكاتب ما بين نشوء الإسلام في القرن السابع الميلادي وبين العودة إلى أعماق التاريخ الإبراهيمي، يضع اللغة العربية على نسق مع السريانية والآرامية والعبرية القديمة واليمنية البائدة والنقوش الصفائية واللحيانية وغيرها، بعيداً عن الاكتفاء الضّيق والأمّي (هذه مني وليست من الكاتب) برأس جبل الجليد أو الإطار التأسيسي للغة العربية في القرن الثاني الهجري وبدايات عصر التدوين. الأمر الذي أكسب الباحث سبقاً مهماً وفتحاً جديداً يُضاف ويثري المكتبة العربية ودارسيها.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020