• mohamedhassaneltay

ديالكتيك الحق وكشف المحجوب: في البحث عن جيلو بونتيكورفو في غمرة الإحراق المستمر (1 -2)


بقلم: مُحمّد فَرح

كاتب من السّودان

أخطر الماركسيين، شاعر ماركسي


لم تُخطِئ الناقدة السينمائية الأمريكية بولين كايل حينَ وصفت المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو بأخطر الماركسيين. فهو مخرج سينمائي فريد يتميز بحس شاعري عالٍ ويلتزم تصورًا ماركسيًا ثوريًا في تحليله الصراع الطبقي وإشكاليات الاجتماع الإنساني، بالإضافة لبعد جمالي عالٍ في أفلامه سَهَّل تلقي تصوراته الثورية بين صفوف الجماهير الكادحة والمجموعات الثورية المنظمة.


على حد توصيف بولين، دشن المخرج جيلو بونتيكورفو بفيلم معركة الجزائر ١٩٦٦ موجة سينمائية جديدة مُؤطِّرة الفيلم السياسي الثوري بصورة لم يشهد لها مثيل في الساحة السينمائية منذ زمن الرواد السوفيت بودوفكين وأيزنشتاين عشرينيات القرن المنصرم. أتى هذا الفيلم إلى الوجود نتيجة لقاءٍ بين ياسف سعدي (قائد الجناح العسكري لجبهة التحرير في القصبة) والذي كان يبحث عن مخرج سينمائي متمكن ليصنع معه فيلم عن ذكريات مشاركته في حرب المدن خلال معركة الجزائر العاصمة (١٩٥٦-١٩٥٧) الواقعة خلال حرب التحرير الجزائرية. اِلتقى ياسف بالمخرج جيلو بونتيكورفو، وكاتب السيناريو فرانكو سولينا اللذين كان لديهما فكرة مسبقة للعمل على مشروع فيلم روائي عن حياة جندي مظلي فرنسي شارك في حرب الهند الصينية. ينتقل بعدها المجند السابق للعمل في الصحافة ويشارك في تغطية المعركة المحتدمة في الساحة الجزائرية ويشاهد بعينه ما تبذله السلطة من عنفٍ لإخماد الحراك الثوري ضد الاستعمار الفرنسي. كانت فكرة الصديقين الإيطاليين المناهضين للاستعمار أنْ يجري إبراز التناقضات التي تواجه المجند المظلي السابق في ظل فترة زمنية مضطربة تشهد فيها إمبراطورية فرنسا نهايتها وتبرز فيها أزمة الفرد الأوربي في زمن تصفية الاستعمار.


لحسن حظنا حصل اللقاء بين سعدي والرفيقين جيلو وفرانكو قبل بدء مشروعهما فتحولا للعمل على فيلم معركة الجزائر بناءً على ذكريات ياسف عن معركة الجزائر كمثال وتجسيد لنضال الشعب الجزائري في الانعتاق من قهر الاستعمار الفرنسي. أثمر التعاون تحفة سينمائية من أعلى ما يكون جسدت آلام المخاض لشعبٍ باسل بذل الغالي والنفيس في سعيه لتصفية الاستعمار وتحرير الذات. كانت لحظة خلق فيلم معركة الجزائر مفصلية في خلق موجة سينمائية على خط سياسي ملتزم بقضايا الثورة والتحرير ودشنت الطريق لجيل جديد من المخرجين المشغولين بقضايا الخلق؛ فألهم الفيلم أغلب مخرجي ما اصطلح على وصفه "بالسينما الثالثة" سينما المستضعفين في جنوب العالم الجغرافي من أمريكا الجنوبية، الى آسيا وإفريقيا. كما فتح الفيلم الطريق لموجة جديدة من المخرجين الأوروبيين الملتزمين بالخط التقدمي ككوستا غافراس وفرانشيسكو روسي وغيرهم. ولم يقتصر تأثير الفيلم على المجال السينمائي فحسب بل جاوز صالات السينما وساحات المهرجانات السينمائية ليكون رفيقاً للجماهير في غمرة سعيهم ونضالهم للانعتاق من الاستعمار وأشكال القهر المختلفة فكان مركزياً في جلسات التثقيف لثوريي العالم من الفهود السود في أزقة كومبتون وشيكاغو إلى المغاوير في أمريكا الجنوبية والفدائين في معسكرات المقاومة الفلسطينية، وكان من أول الأفلام المعروضة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، إذْ كان ممنوعاً من العرض في ظل حكومة الشاه. أدركت قوى الهيمنة خطورة الفيلم فكان بالاضافة لفيلم حالة حصار لكوستا غافراس من المقررات الرئيسية لقوات مكافحة التمرد وخبراء الاستخبارات العاملين على قمع انتفاضات المستضعفين في أمريكا الجنوبية وحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وفي الأحياء المهمشة داخل أراضي القوى الاستعمارية الجديدة.



بناء متصدع


"أوروبا لا يمكن الدفاع عنها واليوم تتلى لائحة الاتهام"

إيميه سيزار


كانت فترة الحرب العالمية الثانية مركزية جداً في تبيان الكم الهائل من التناقضات المستبطنة داخل النظام العالمي القديم في بنيته الاستعمارية الكلاسيكية. ودشنت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة أفول الإمبراطوريات الأوروبية وسقوط هيبتها. كان جيلو من الجيل المثقف الأوروبي الذى وعى بعين البصيرة ومشاهدة العيان صيحة شاعر الزنوجة ونبيها إيميه سيزار، وإنْ لم يقرأ له مباشرة أو يسمع منه. فكل فظاعات النازية والفاشية التي حطمت أسرة جيلو الصغيرة على وجه الخصوص، ودمرت بنى المجتمعات الأوروبية على وجه العموم ما هي إلا امتداد طبيعي لأيديولوجيات الغطرسة الاستعمارية التي سمحت لأوروبا باستعباد العالم واستغلال موارده لأكثر من قرنين من الزمن. فكان تبني معاداة الاستعمار نتيجة حتمية لأفكار جيلو المناهضة للفاشية وتاريخه كمقاوم ضمن كتائب المقاومين الشيوعيين الإيطالين ضد فاشية الدوتشي. استمر جيلو كعضو في الحزب الشيوعي الإيطالي ولم يخرج من الحزب إلا في منتصف الخمسينات بعد موقف الحزب الايطالي التابع للحزب الشيوعي الروسي من قضية المجر. واستمر يدعم القضايا التقدمية بعد خروجه من الحزب ولم ينتكس انتكاسة العديد من المثقفيين اليساريين، ممن ينقلبون ضد كل القيم التي دعموها سابقًا بمجرد خروجهم على المؤسسة الحزبية الرسمية، والأمثلة على ذلك كثيرة.


يذكر المثقف الباكستاني المناضل إقبال أحمد كيف أنَّ بداية تعرفه على جيلو بونتيكورفو والمخرج اليوناني الفرنسي كوستا غافراس كانت خلال عملهم على تقديم الدعم لجبهة التحرير الجزائرية خلال حرب التحرير. ركز جيلو في أعماله على قضايا التحرر والنضال وتمثلاتها المختلفة فتناول أشكال النضال العمالي في فيلميه جيوفانا ١٩٥٥، وفيلم الطريق الأزرق الواسع ١٩٥٧، كما جسد معاناة ونضال يهود أوروبا ضد النازي في فيلمه كابو ١٩٦٠، وبلغ أوج المجد السينمائي مع فيلم معركة الجزائر ١٩٦٦.


في بيت الأفاعي قلعة رأس المال


"الرأسمالي سيبيع لنا الحبل الذي سنشنقه به"

لينين


شكل فيلم كيمادا "أُحرِقَت" التعاون الوحيد بين جيلو بونتيكورفو واستديوهات هوليوودية أمريكية. من أجل صناعة هذه التحفة السينمائية العالية استطاع جيلو بدهاء وحنكة استعمال جشع رأس المال الهوليودي الساعي للكسب المستمر فقام بتوجيه العمل ليخلق منه تجسيدًا مكثفًا للنظرية الثورية ونقدًا حادًا للأشكال المحدثة والتمثلات المختلفة للأنساق الاستعمارية الجديدة المختلفة بنيوياً عن الأشكال التقليدية والكلاسيكية.


أتى التعاون نتيجة مجهود المنتج الإيطالي ألبرتو غريمالدي الذي سعى لفترة طويلة للعمل مع جيلو بونتيكورفو على إنتاج فيلم سينمائي، خصوصاً مع النجاح السينمائي الكبير الذي حققه جيلو بفيلم معركة الجزائر وقبلها بفيلم كابو، ففوزه بجائزة الأسد الذهبي لمهرجان فينيسيا عن فيلم معركة الجزائر وترشحه مرتين لجائزة الأوسكار جعل منه محط النظر داخل الساحة الفنية الإيطالية.

في فترة نهاية الستينات برز الويسترن الأوروبي "سباغيتي ويسترن" بالتعاون مع هوليود كصرعة جديدة في عالم السينما وبرزت أسماء مخرجين إيطاليين صنعوا أفلام ويسترن تجارية بمسحة يسارية كدماينو دامياني، سيرجيو كاربوتشي، والأشهر سرجيو ليوني الذي أنتج له غريمالدي الجزئين الثاني والثالث من ثلاثية رجل بلا اسم بطولة كلينت ايستوود التي حققت نجاح منقطع النظير على شباك التذاكر.


دعم غريمالدي عمل فرانكو سولينا رفيق كفاح جيلو على عدد من سيناريوهات أفلام الويسترن. وكان تصوره أن يقوم جيلو بإخراج أحدها لكن ارتباط جيلو العميق بتصوره عن سلطة الحقيقة وضرورة الارتباط بالواقع والتزامه الأيديولوجي تجاه قضايا التحرير وتصفية الاستعمار لم تسمح له بخلق ملائمة توفيقية بين تصوراته وبين صورة سينمائية تجارية غايتها الكسب المادي.


تأثر الحس السينمائي لجيلو في فترة تكوينه بمدرسة الواقعية الجديدة. كما أوضح هو نفسه أن مشاهدته لفيلم بايزان ١٩٤٦ لروسيلني شكلت نقطة فاصلة في حياته رأى فيها الطريق الذي يريد سلكه في عالم السينما. شكل تأثره بالواقعية الجديدة وأنساقها المنبعثة من وقائع الحياة اليومية بالإضافة لحدية تصوراته عن العمل الفني، وعن التصور النهائي للعمل المترسم في مخيلته، المراد تجسيده في عالم الرسم بالنور حاجزًا تجاه الانغماس في عالم السينما التجارية. لم تسمح له حديته في التصور وسعيه الدائم لمصداقية الحقيقة إنتاجَ أعمال سينمائية تجارية بغرض الربح المادي البحت. وفي النهاية، جرى الاتفاق على أن يعمل جيلو على إخراج فيلم سينمائي قريب من الأسلوب السردي لأفلام السباغيتي ويسترن بالتركيز على شخصيتين محوريتين في سياق الفيلم يدور بينهما صراع في فترة تاريخية منصرمة مع السماح لجيلو بحرية الحركة في خلق تصور للصراع والفترة الزمنية المختارة والأبعاد المختلفة للصراع في الفيلم. كتب سيناريو الفيلم كل من فرانكو سولينا وجيورجيو أرلوريو وتولى غريمالدي الجانب الإيطالي من الإنتاج بينما تولت استوديوهات الفنانون المتحدون الجانب الأمريكي من الإنتاج.


مع مارلون براندو

كيمادا أحرقت مرة وما زال الحريق مستمر


حبكة الفيلم قائمة على تجريد متخيل يكثف فيه التصور النظري للنظرية الثورية الناقدة للاستعمار الجديد بتعريته وتشريحه وكشف جذوره التاريخية. تدور أحداث الفيلم في جزيرة متخيلة من جزر الكاريبي تستعمرها مملكة البرتغال، أُطلق عليها اسم كيمادا (تعني أُحرِقَت كإشارة لآلية الاخضاع التي استعلمت في بداية الغزو، والتي بسببها فرضت هيبة للقوة الاستعمارية مكنت السلطة البرتغالية من السيطرة على الجزيرة لقرون من الزمن). لم يكن اختيار مملكة البرتغال الخيارَ الأول للمخرج، وإنما كانت مملكة إسبانيا، لكن اضطر فريق الإنتاج للتحول إلى البرتغال نتيجة ضغوطٍ من حكومة الدكتاتور فرانكو. جرى تصوير الفيلم في دولة كولومبيا وكان التصور أن يتم اختيار المملكة الإسبانية كنموذج للاستعمار الكلاسيكي؛ بما أن المملكة الإسبانية كانت تحتل أغلب جمهوريات أمريكا الجنوبية. لكن في تمثل واضح لاستمرارية البنى القديمة وديمومة أثر التاريخ الحاضر في وجودنا، ضغطت حكومة الدكتاتور فرانكو على استوديوهات الفنانون المتحدون وهددت بمنع عرض الفيلم في إسبانيا بحجة أنَّه يسئ لتاريخ المؤسسة العسكرية الإسبانية العريق. فتغيّر أنموذج مملكة الاستعمار الكلاسيكي من إسبانيا إلى البرتغال في إدراك من جيلو لغباء الطغمة العسكرية الإسبانية ومثيلاتها من الطغم وعدم إدراكهم أنَّ الفيلم تكثيف مُركَّز للنظرية يمكن إسقاطه بدرجات مختلفة على أغلب تمثلات البنى الاستعمارية الأوروبية. لم ينسَ جيلو صعوبة الإشكالات التي سببتها حكومة فرانكو لعملية إنتاج الفيلم وعاد لينتقم في آخِر أعماله الروائية "العملية أوغرو" عن اغتيال منظمة الباسك الثورية "إيتا" لكاريرو بلانكو رئيس وزراء حكومة فرانكو والذي كان يرشح لخلافته.


يُتبَع...

بطاقة:


ولد جيلو بونتيكورفو في العام 1919، العام الذي شهد أيضا انعقاد مؤتمر باريس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. مؤتمر باريس الذي أخمد آمال الشعوب المستعمرة بتحقيق مصيرها بعد أن أخلفت الولايات المتحدة وإمبراطوريات أوروبا وعدها لشعوب المستعمرات بمساعدتها في ذلك. ولد جيلو لأسرة برجوازية من صغار ملاك المصانع، تنحدر من أصول يهودية لكنها فقدت صلتها بجذورها وبالتراث اليهودي بعملها المستمر على اكتساب هوية أوربية منسجمة مع هوية الأغلبية المهيمنة على المجتمع في سبيل سعيها للاندماج. كانت لحظة صعود الفاشية مركزية في تشكل الوعى السياسي لجيلو مثله مثل أبناء جيله ممن نشأوا في فترة ما بين الحربين العالميتين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وصعود قوة النازي والفاشية في إيطاليا اضطر جيلو مغادرتها إلى فرنسا. كانت فترة إقامته في فرنسا مثمرةً، تعرف خلالها على مجتمعات الإيطاليين المنفيين واحتك بالأفكار اليسارية بصورة جدية. فتأثر بشدة بأطروحات غرامشي والتقى بالعديد من المثقفين والفنانين المنفيين من بلدانهم كبيكاسو. قُتِل والدي جيلو أثناء محاولتهم الهرب من قبضة النازي بعد تعاون حكومة موسوليني الفاشية مع النازيين في إرسال يهود إيطاليا إلى معسكرات الاعتقال النازية لتطبيق الحل الأخير "المحرقة". عاد جيلو إلى إيطاليا وأنخرط في صفوف المقاومة المسلحة المناهضة الفاشية. هنا، شكلت فترة العمل الثوري المسلح مرحلة مفصلية في حياة جيلو وتركت أثرها وبصمتها في كل أعماله السينمائية.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020