حياة العربية في لهجاتها: اللهجات العربية بين مطرقة العَصبيَّة وسندان الشُّعوبية

مادة لـ عبد الرحمن الطويل


في اليومِ العالميِّ للُّغة العربية لا أطمحُ لحديثٍ نمطيٍّ عن العربية الفصحى، خاصة تلك الأحاديث التي تنزع منزعًا عاطفيًا أو دينيًا فتُفرغ النظر إلى اللغة من مضمونه اللُّغوي، وأجدني مدفوعًا بالنظرة الواسعة إلى اللغة العربية، والنظرة إلى العربية لا تقع موقعًا صحيحًا إلا إن كانت واسعة، ومدفوعًا باختزال مساحة تصحيح لسيل من المنشورات غير العلمية والأفكار غير الصحيحة التي تُرمى في الفيسبوك بغير رامٍ ومن غير واعٍ، أجدني مدفوعًا للحديث عن مظهر ثري نابض من مظاهر حياة اللغة العربية، هو اللهجات العربية الحديثة. لعقود طويلة خلال القرن الأخير وقعت اللهجات العربية الحديثة بين مطرقة جامدِين متعصبين للفصحى تعصب المرض والجهل يُحقِّرون من شأن اللهجات العامية وفنونها متعامين عن أنها صور حية نابضة من اللسان العربي، وسندان شعوبيين متعصبين ضد الفصحى والعروبة يقرأون تاريخنا بعين واحدة وتغافل عن الواقع المتجذر مُتخذين من اللهجات العامية هُويَّات لُغوية قُطرية، ومحاولين بشكل عبثي نسبتَها إلى اللغات القديمة التي كانت متكلَّمة في البلاد العربية قبل العربية، متعامين أيضًا عن أنَّ هذه اللهجات لهجات عربية وصور حية نابضة من اللسان العربي!

والحقيقة أن (التعصب ضد) وإن توافرت له أسبابه أو اصطُنعت اصطناعًا، لا يزدهر إلا في وجود (التعصب لـ) فكلا الطرفين مسؤولان عنه بنظرة قاصرة وعاطفة موجهة إلى ما هو بعيد عن الواقع ومغالط له. مِن سيل العبث الذي راج على الفيسبوك أخيرًا منشور تكرر على عدد من الصفحات التي ليس أي منها مختصًّا باللغة ولا باللغويات عموما، يصف العربي في لهجات شمال إفريقيا بأنه قليل، وهذه مغالطة بنت جهل، ويتحدث عن اللهجة المصرية فيورد قوائم بالألفاظ الدخيلة فيها من لغات أجنبية ليجعل هذا دليلًا على أن العربي فيها قليل، وليصل إلى اكتشاف مذهل مفاده أن اللهجة المصرية مزيج من 13 لغة، وكأن هذه اللغات متساوية النسب في إمداد اللهجة المصرية بالمفردات، غافلًا عن أن اللهجة المصرية هي في البداية والنهاية لهجة من لهجات اللغة العربية، وأن دخول ألفاظ من لغات أخرى لا ينفي كونها لهجة عربية، الأغلبية الساحقة من مفرداتها عربية، ومن أنظمتها الصوتية والصرفية والنحوية أيضًا.

هذه الحقيقة الأولى التي يمكن الوقوف عندها في هذا الصدد، اللهجات العربية الحديثة كلها لغة عربية غير مُعْرَبة، أي غير مضبوطة الأواخر، سقط الإعراب من أواخرها تطورًا من العربية الفصيحة بتغليب حالة الوقف على حالة الوصل، طلبًا للتسريع والتخفيف، تبعًا لقانون السهولة والتيسير من قوانين التطور اللغوي، وأنها موافقة للعربية الفصحى في معظم قوانينها الصوتية والصرفية والنحوية ولم تختلف إلا في الأقل منها.

وللوقوف على هذه الحقيقة بشكل سهل عليك اختيار أي نص بأي لهجة عربية حديثة والبحث عن مفرداته في المعجم العربي، ولك أن تتشدد في اختيار نص موغل في الشعبية لتضمن أن قائله لا يتفاصح، فهذا يضمن أيضًا قلة الدخيل فيه من اللغات الأجنبية الحديثة، وستكون النتيجة أن الأغلبية الساحقة من كلمات أي نص لهجي هي كلمات عربية موجودة في المعجم العربي القديم، وأكثرها مستعمل في العربية الجاهلية.

ولستُ بحاجة إلى بحث نسبة الكلمات العربية في نص عربي دارج، لأنها في كثير من هذه النصوص ستصل إلى 100%، بل الذي بحاجة إلى تحقيق نسبته في النص الواحد هو الكلمات الدخيلة من لغات أخرى، التي قد ترد وقد لا ترد، ولا يُعد ورودها مهما كثرت مطعنًا في عروبة اللهجة وعربيتها، لأنه لا لغة أصلا تخلو من الكلمات الدخيلة، إذ لا لغة تحيا إلا بأن تتطور، ولا تتطور إلا بأن تتفاعل مع اللغات الأخرى، فالادّعاء بالكلمات الدخيلة للطعن في هوية لغة أو لهجة من لهجاتها جهل بالواقع اللغوي العام، ولا يصدر عن لغوي مختص.

والحقيقة أنه لم يصدر عن لغوي مختص قط، بل صدر عن بعض دارسي التاريخ والحضارات القديمة، الذين تحول اهتمامهم العلمي بها إلى شغف غير علمي، ينتج نتائج عاطفية غير علمية، فإذا كانت الحضارة المصرية القديمة ـ مثلا ـ حضارة عظيمة علمت العالم يفخر بها كل عربي، فإن هذا لا يجعلها هُوية مصر المعاصرة وإن كانت مكونًا أساسًا فيها، ولا يجعل لغتَها لغةَ مصر المعاصرة وإن كانت من أهم روافدها. لكن الخلط بين العلمي والعاطفي، وبين الدراسة العلمية والشغف الشخصي، والحكم على التاريخ كله انطلاقاً من التقوقع في مرحلة واحدة منه مع الجهل المدقع بما عداها يُنتج نتائج مثيرة للسخرية. على أن هنا كلمةً ينبغي أن تقال بصراحة ووضوح، إذا كان أصحاب النعرات القُطرية والشعوبية يجدون في الحضارات القديمة موردًا سهلًا لتغذية نعراتهم، من خلال القراءة المجتزأة لتواريخ الأوطان واللغات، فإن المختص علميًا في الحضارات القديمة لا يصح أن يقع في هذا الفخ، فاختصاص إنسان في التاريخ القديم غايته أن يُعلَّمنا التاريخ القديم لا أن يُحييه، وأن يُبَصِّرنا بآثاره في تكوين هويتنا المعاصرة لا أن يجعله هويتنا المعاصرة، فإذا تجاهل الهوية المعاصرة والتاريخ الوسيط والحديث فقد خرج من العلمية إلى العاطفية وصار يُعرِّف الأشياء كما يعجبه لا كما هي. اللطيف أن العوام ـ عودًا إلى اللغة ـ أدركوا دائمًا أن اللهجة التي يتكلمونها هي (العربي) فإذا قال لك أحدهم: كلمني عربي. فإنما يقصد لهجته العامية لا سواها، وإذا قصد العربية الفصحى سماها (النحوي) فعاميته هي عربيته الأساسية التي يفهم بها الفصحى المضبوطة بالإعراب الذي يُدرس في النحو، لذا هما ببساطة (عربي) و(نحوي). اللهجات العربية الحديثة بنت اللهجات العربية القديمة باب مهم من أبواب فهم الاختلاف بين العربية الفصحى واللهجات العربية الحديثة، أن العربية من أقدم عصور روايتها الشفاهية وهي لهجات، وأن القبائل العربية في الجاهلية كانت تتحدث لهجات قديمة مختلفة، ومتفاوتة الاختلاف عن العربية الفصحى/ المعيارية = عربية الشعر، وأن كثيرًا من اختلافات لهجاتنا الحديثة عن الفصحى هي امتداد لاختلافات اللهجات القديمة عنها، وأن لهجاتنا العربية الحديثة بنت لهجاتنا العربية القديمة. فالجيم القاهرية من لهجة اليمن القديمة، وقلب لام التعريف ميمًا في (امبارح) من لهجة اليمن أيضا، وكسر أول المضارع كما نقول (نِعمل) (نِضرب) (تِفرح) لهجة قبيلة بهراء، وكانت منتشرة في قبائل أخرى لكن بهراء بها أشهر، واشتقاق اسم المفعول من الفعل الأجوف دون إعلال كما نقول (مديون) و(معيوب) هو لهجة تميم، وتسهيل الهمز لهجة الحجاز، وأمثلة كثيرة تُنظر في كتب فقه اللغة. وهكذا فإن كثيرًا من الانحرافات الصوتية والصرفية عن العربية الفصحى في لهجاتنا الحديثة موروث عن لهجاتنا القديمة، التي كانت علاقتها بالفصحى تُشبه علاقة لهجاتنا بها في كثير من أحوالها، ومن هنا نفهم أن لهجاتنا هي بنت العربية القديمة لكن لا يُشترط أن تكون بنتَ الفصحى دائمًا، فهي في كثير من الأحيان بنت اللهجات العربية القديمة، وهذه عربية وتلك عربية والفصحى عربية، وهذا الباب في فهم اللهجات العربية الحديثة لا يصل إليه إلا دارس للغة مطلع على فقه العربية، فكيف لقوم ليس اختصاصهم اللغة من الأساس أن يفتوا في اللهجات وهي من اللغة! والأعجب منهم من يدرس اللغة دراسة سطحية لا تتجاوز النحو والبلاغة فيعادي اللهجات كما لو كانت أجنبيات وفدن علينا من وراء البحار!

لغاتنا الشقائق من الأساليب الساذجة التي لجأ إليها أصحاب النعرات القطرية لضرب صلة اللهجات العربية الحديثة بلغتها الأم، ونسبتها إلى اللغات القديمة التي كانت سائدة في المنطقة قبل العربية، سرد قوائم بألفاظ مستعملة من اللهجات الحديثة يردونها إلى اللغات القديمة، ولا يخلو هذا الرد من تكلف في بعض الأحيان، على أنه كثيرًا ما يكون صحيحًا غير متكلف، ورغم صحته وعدم تكلفه فإنه بمنطق العقل والرياضيات حُجة فاسدة على ما يُريدون، وغاية ما يثبت منه أن اللغات القديمة رافد أساس من روافد لهجاتنا العربية الحديثة، وهو ما لا يخالف فيه أحد، أما أن يُراد به أنها المُكوّن الأساس فيها فهو عبث بالعلم واستخفاف بعقل المتلقي، إلا إذا كان خفيفًا من البداية! فإذا استطاع مستطيع مثلًا أن يُعد قائمة بخمسمئة كلمة من المصرية القديمة والقبطية ما تزال مستعملة في اللهجة المصرية المعاصرة ـ وأنا أضرب هذا الرقم جزافًا، فإن غيره يستطيع أن يُعد قائمة بعشرة آلاف كلمة عربية مستعملة فيها ـ وأنا أضرب هذا الرقم يقينًا، فبمعيار العدد الذي لجأ إليه أتكون اللهجة المصرية الحديثة لهجة عربيةً أم شيئًا آخر؟ تتناثر المنشورات من هذا النوع على الفيسبوك، وهي في الواقع مغالطات بائسة، والأشد منها بؤسًا وإغراقًا في الجهالة وبُعدًا عن العلم والعلمية هو تجاهل حقيقة أن لغات العالم العربي القديمة كلها لغات شقائق ترجع إلى أصل واحد، مهما تفاوتت في التطور والاختلاف عن بعضها بمؤثرات من داخلها أو خارجها. وهنا يفوت أصحابَ هذه المغالطة أن القسم الأكبر من كلمات اللغات القديمة المستعملة في لهجاتنا المعاصرة ـ التي يتخذونها حُجة على نسبة هذه اللهجات إليها ـ هو ألفاظ عربية أيضًا، مستعملة في العربية الجاهلية، في قلب الجزيرة العربية الذي لم يختلط باللغات الأخرى اختلاطًا قويًا قبل الإسلام، لأنها دخلت اللغة العربية ودخلت معها المصرية القديمة والقبطية والسبئية والآشورية والآرامية والسريانية والكنعانية والبونية والأمازيغية من مصدر واحد، ولو حدث أنها دخلت بعض هذه اللغات من بعض فإن هذا حدث قبل الإسلام بقرون حتى استوت عربية قبل أن تنشأ لهجاتنا الحديثة، فمن أين تكون دخلت لهجاتنا الحديثة؟ أمن العربية مصدرها المباشر؟ أم من اللهجات الأخرى؟ العقل هنا يُقدم تعريفًا لطيفًا للعبث: تجاهل المصدر القريب والبحث في المصدر البعيد. ولنشير اختصارًا إلى عبثية هذا المسلك أحيل المهتم إلى قائمتين مختصرتين أعدهما إمام علماء المصريات في القرن العشرين الدكتور عبد الحليم نور الدين للألفاظ المتوارثة من المصرية القديمة في الفصحى والعامية (في كتابه اللغة المصرية القديمة صـ339) بلغت القائمة المختصرة للكلمات المصرية القديمة المتوارثة في الفصحى 85 كلمة، بينما لم تتجاوز قائمته للمتوارث في العامية 25 كلمة، وهذا الفارق الكبير بين الكلمات التي صنفها فصحى والتي صنفها عامية راجع إلى دقته العلمية في التناول، فلو أنّ هاويًا يكتب منشورًا في ذات المضمون على الفيسبوك لجمع الكلمات كلها ونسب بها العامية إلى المصرية القديمة دون تمييز، على أن نصف الكلمات الخمس والعشرين التي أوردها نور الدين في قائمته للألفاظ العامية هي عربية فصحى فاته تحقيقها في المعجم العربي، فكلمات (إدي، بح، بطط، بطح، حبة حبة، شبابة، قوق، كركر، مقهور، همهم، ململ) هي كلمات عربية لا يعسر على باحث العثور عليها في المعجم العربي، وتُعدل تعداد القائمتين إلى ست وتسعين كلمة للكلمات الفصحى، وثلاث عشرة للعامية. السؤال البسيط الواضح عقلا: هذه الكلمات الست والتسعون دخلت اللهجة المصرية الحديثة من العربية أم من المصرية القديمة؟ سنعيد الجواب: من العبث تجاهل المصدر القريب والبحث في المصدر البعيد، والعبث الأكبر تجاهل أن هذه الكلمات مستعملة في جميع اللهجات العربية ولا تختص بها اللهجة المصرية، لأنها ببساطة دخلت إلى اللهجات العربية الحديثة من اللهجات العربية القديمة والفصحى. احتمال أن تكون دخلت العربية الفصحى من اللغات القديمة هو قضية أخرى، قضية لا يُختلف عليها، وهي التي حملت نورَ الدين على التفريق الدقيق بين ألفاظ الفصحى والعامية في قائمتين، أن لغات العالم العربي كلها لغات شقائق أمد بعضُها بعضًا واستمد بعضها من بعض، واستمدت كلها من أصل واحد، فهذه الكلمات ليس متوارثة من المصرية القديمة في العربية إلا باعتبار أن الأولى أقدم في التدوين والشواهد التاريخية. على أن قائمة الدكتور عبد الحليم نور الدين قائمة مختصرة، وتبحث في الموضوع من زاوية اختصاصه في المصريات، أما البحث المتوسع في هذه القضية فيقتضي الزاوية المعاكسة، زاوية بحث المختصين بالعربية في ألفاظ المصرية القديمة، إنَّ الوقوف على عتبة هذا البحث يُبين لنا مدى ثراء نتائجه إذا اكتفينا بنظرة سريعة على أسماء الآلهة المصرية القديمة بعد تخليصها من اللواحق اليونانية، لنرى أصولها في اللغة العربية وامتدادها في العقائد العربية قبل الإسلام (أتوم: الأتم من تم) (حور: الحر، ومن معاني الحر في العربية الصقر) (أوزير: وزير/ عازر ودلالتا المادتين تلتقيان في معنى المساندة) (بتاح: من مادة بتح = فتح، التي اشتُق منها في العربية فتَّاح) (إيزت التي جعلها اليونانيون إيزيس، وكيف تطورت عند العرب إلى العزى بتحول علامة التأنيث من التاء إلى المقصورة) مع بحث التطورات الدلالية التي يمكن الوقوف بسهولة على منطقيتها في إطار التحولات التاريخية. ولئن ركزت في هذا المقال على علاقة المصرية القديمة بالعربية ردًّا على منشورات غير علمية تناولت اللهجة المصرية على الفيسبوك، فهذا لا يعني تجاهل بقية العائلة اللغوية الآفروآسيوية، فكلمة (خمنت) التي تعني ثمانية أيام في المصرية القديمة، والتي يتصل بها اسم مدينة خمنو التي صارت (الأشمونين) لأنها كانت مركز ثامون الآلهة المقدس الذين سمُّوا بالمصرية القديمة (خمنيّو) بإضافة ياء النسب وواو الجمع المشتركة بين اللغتين، تقابل (ثمانية) العربية، ويتصل الجذر المصري القديم (خمن) بالجذر العربي (ثمن)، وبينما تحول الخاء في الجذر العربي إلى ثاء تحولت في اسم المدينة إلى شين، وهو ذات التحول الذي حدث في العبرية التي تسمي الثمانية (شيمونا) وإلى تاء في الآرامية (تمانيا) وإلى سين في الآشورية (سمانات) والحبشية (سمانيتو). وكلمة (جبع) التي تعني في المصرية القديمة الإصبع ، وفعل الطبع والخَتم باعتبار أصله البصم بالإصبع، تنزهت في العربية لتأخذ جيمها صورتين، الصاد وتستقل بدلالة إصبع اليد، والطاء وتستقل بدلالة الطبع الذي تطور في العربية الحديثة إلى العملية الآلية المعروفة، ونطقها بالطاء هو الذي دخل الآرامية والسريانية بمعنى الختم. والفعل (حسب) حسابًا، هو بنطقه في المصرية القديمة والعربية سواء، بينما هو في السريانية (حشب) وفي الحبشية (حزَبَ). وجميع هذه اللغات تؤنث بالتاء، وتنسب بالياء، وتجمع بالواو أو الياء، وتشتق، وتستعمل الميم لكثير من المشتقات. طبعًا هذه العلاقات يصل إليها بالأساس المعني بالبحث عنها، والمعني بالبحث عنها يُثقف نفسه في كل اطرافها، أما أصحاب النعرة القُطرية والدعوى الشعوبية فلا يصلون إليها ولا يبحثون عنها لأنهم بالأساس مستغرقون في طرف واحد، وإن وجدوها أخفوها وتجاهلوها، ويصطف إلى جانبهم أصحاب العصبية الدينية الجوفاء والعصبية اللغوية العمياء ممن لا يرون لحضاراتنا القديمة شأنًا، ويرونها كُفرًا ووثنية، ويستمتعون بالجهل بها، ليصل بنا الطرفان إلى نتيجة واحدة، عزل هويتنا الحضارية القديمة عن هويتنا العربية، وعزل هوياتنا اللغوية القديمة عن هويتنا اللغوية المعاصرة، واتخاذ هذا العزل مطية للنَّيْل من هويتنا العربية المعاصرة، وكلها في الحقيقة مُكوّنات ممتزجة في هُوية واحدة. إنَّ العربية اليوم، ومنذ ألف عام، وارثة هذه العائلة اللغوية، ومرآة ما اندثر منها، العربية الفصحى، بنت هذه اللغات وشقيقتها، وأم اللهجات ورحِمُها، وحافظة الثراء الحضاري لهذا الإقليم الواحد، وهذه الأمة الواحدة، مهما أبى عليها متعصبون يزعمون الانتماء لها فيحرمونها إرثها الشرعي لتُراثنا السحيق، وشعوبيون ضيِّقون، يهيمون بالهويات الصغيرة الضيقة التي تظل تنقسم على بعضها حتى لا يبقى منها إلا هوية فرد ينقسم إلى خلايا، ويتحلل في باطن الأرض! كل عام وأمنا العربية بألف خير، بفُصحاها ولهجاتها، كل عام ولغاتنا القديمة بألف خير، بما بقي من حياتها في اللغة العربية، وبازدهار العربية التي تُمثلها في الخريطة اللغوية العالمية. كل عام و(الأرض بتتكلم عربي).