• raheeldandash

الوعي والأيديولوجيا والتحرر الاجتماعي العربي: حوار شامل مع المفكر عبد العزيز لبيب

حاوَرَتْهُ: رحيل دندش

مرّ عقد على الأحداث التي هزّت العالم العربي، أحداث حملت في بدايتها تفاؤلاً جارفاً بقرب تحقق الأمل بدول العدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال؛ لتكشف في سياق تطورها عمقَ الأزمات السياسية والاجتماعية، والهوّة بين ما يريده الناس وما تريده الثورة المضادة.

ما جرى أعاد إلى البحث والتفكير جملة من المسائل والقضايا مثل سؤال العدالة الاجتماعية ودور اليسار العربي والديمقراطية وسواها. تهتم المُتَلَمِّس بمتابعة هذا النقاش. لهذا الغرض، نستضيف المفكر التونسي عبد العزيز لبيب.

والدكتور لبيب هو أستاذ الفلسفة للتعليم العالي في جامعة تونس المنار. وأستاذ زائر بجامعات ومدارس عليا أوروبية. اشتغل أيضاً بمؤسسات عربية في مجال الترجمة والبحث والتدريس. تتمحور اهتماماته وكتاباته حول الفلسفة الحديثة ومنها فلسفة الأنوار تحديداً. كما تعالج بحوثه استقبال التنوير لدى رُوّاد الحداثة الفكرية العرب كالطهطاوي والكواكبي، ولدى أصحاب «الفكر الحرّ» كأديب اسحق، وفرح أنطون. من بين نصوصه المنشورة يُشار إلى: المؤتلف الإنساني الكوني: خواطر في رهانات المفهوم وفي مفارقاته (2020). عود على بدء: "دخول العرب المغربَ" بين كوارثية الكتابة التاريخية وإنسيّة السرد المخيالي (2017). العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدولية (2014). روسّو بلسانٍ عربيّ (2013). نظرية العقد من هوبز إلى روسو (2013). بالإضافة إلى الكثير من الترجمات والمشاركات في مؤلفات جماعية باللغة الفرنسية، وله أيضاً حوارات ومحاضرات في الثقافة والفلسفة والثورة والفكر السياسي. يُشرف حالياً باعتباره منسقاً علمياً ومحرراً على ترجمة قاموس الإستطيقا وفلسفة الفن.

1) نُعاينُ اليومَ كيفَ أنَّ أجهزةَ رأسِ المال الأيديولوجية تصوغُ الوعيَ الفرديَّ وتدجِّنه. أما في بلدان الجنوب، فنحن لا نعاني تأثير هذه الأجهزة وحسب، بل يزيدُ عليها شرط التبعية ونمط إنتاج تابع، ما يُفضي إلى غرس وعي زائف ومقلوب، أو، بعبارة أخرى، إلى خلقِ ذاتٍ مستلَبة. ومن بين ذلك، الإحساس بانسحاق الذات إزاء الآخر غير العربي. مقالك الأخير في موقع أسطرلاب يتناول الفكرة نفسها. هل يمكنك تقديم المزيد من الشرح لهذه الظاهرة؟

ينطلقُ المقالُ الذي تشيرين إليه من حادثةٍ يوميَّةٍ ليتناول مشكل "المحاكاة" (التقليد) كما تفعل فعلها في بعض النخب التونسية (والعربية كذلك). هناك قانون أنثروبولوجي للمحاكاة يكشف عنه ويصفه رونيه جيرار. فما علاقته بالوعي "المزيّف" أو "المستلب" (المغترب)؟ يمكن القول، إجمالاً وتبسيطاً، إنَّ للوعي المُزيف بعضاً من خصائص اللّاوعي، ومنها كونه محكوماً مثله بـ«ميكانيكا المحاكاة». من لا يدرك شروط الاستلاب الفردي والجماعي ولا ما "يرغب فيه"، تنطبع تصوراته وأعماله وسلوكياته بطابع حركة ميكانيكية بحيث ينقلب وجوده الإنساني إلى وجود شيئيّ. ولذا يتكلس الوعي المزيّف في هيئة قانون مُسْتَبطَن لا نتحكم فيه، ولكن له، بحكم ارتباطه بعلاقات السيادة والعبودية، من دهاء الإخفاء والتشبيه ما يوهمنا بحيازتنا الوعيَ والإرادةَ الحرة. هكذا، يزداد الاستلاب بقدر ما يزداد تجليلُنا لموضوع الرَّغبة والإعلاء من قيمته، وهو ذلك الآخر الذي تتحدثين عنه، فنزيد في التقرّب إليه بتقليده تقليداً لا يدرك مطلبه أبداً، وهكذا دواليك... حتى نصطدمَ بسور الصين العظيم فننكسر، وقد نتحول إلى عبيد الأزمنة القادمة الجدد، هذا إذا لم ننقرض.

واليوم، يصل بنا الأمر إلى تقديم العطايا والأضاحي لذلك "الآخر" مقابل ما نكسبه منه من "قيم" و"صور" و"ظلال" و"تمثّلات". ألا تعبرّ هذه العلاقة الفارقة والعجيبة وشبه الدينية عن علاقتنا نحن بالغرب؟ ها نحن في صلب سؤالك! غير أن السيكولوجيا والأنثروبولوجيا لا تفسران كل شيء. لا بدّ من الدائرة السياسية بكل ما يحفّ بها من دوائر متحدة المركز (اقتصاد، اجتماع، قدرة عسكرية وتكنولوجية، ثقافة ومعارف، إلخ...). لماذا الدائرة السياسية هي الأهم في نهاية المطاف؟ لكونها دائرةَ الوجود الحيّ والراهن والفاعل دوماً خلافاً للأنثروبولوجيا المنشغلة أكثر برواسب الماضي ورفاته! عند هذا الحد، ننتقل إلى الدائرة التي تنطوي على علاقات القوة التي تفترضها السياسة، فهي المقود الرئيس والعنيد. لا مهرب لنا من ذلك. والهروب لا يزيد الوضع إلا استفحالاً بإيغالنا في الوهم. إنّ العاملَ السّياسي والسِّيادي هو ما يفسر حالة الضعف والوهن المتفشّيَيْن بين العرب قبل غيره من العوامل الثقافية؛ وهذه الأخيرة لها دور مؤثر فظيع إذا كانت ثقافة الضعف والتبعية؛ والضعف والوهن يفسران الزيف والاستلاب المتفشّيَيْن في الجسم الاجتماعي؛ وإلا فبِمَ نفسر كيف أن بلداناً عربية غنية مالياً ورافهة اجتماعياً تراها ضعيفة سيادياً، بحيث لا يقلّ فيها الوعي المزيف والمستلب عن بلدان عربية فقيرة، اللَّهمَّ من حيث مرجعيات الاستلاب ومقاييسه الكمية أو الاستهلاكية؟ لذا، ففيما يخصّني، أتجنب التعميم والغرق في عالم الصور والمُثل؛ فأقول بكل بساطة: مُحالٌ علينا تجاوز الاستلاب و"الوعي المقلوب" إلا بقلب علاقات القوَّة مع الغرب على جميع الأصعدة وقلب علاقة التابع بالمتبوع داخلياً وخارجياً. إذا قلتِ هذا قيل لك إنك ضد الانفتاح على الآخر! لكنَّ الانفتاحَ لا يعني التسليم بوضع التابعية. مع ذلك، لا تغيير للعلاقة مع الآخر / "الهو" إلا بتغيير العلاقة داخل الذات/ "النحن". لكنْ علينا أن ندركَ جيداً أن الذَّات (العرب في هذه الحالة) ليست كتلةً متجانسةً بل يشقُّها النِّزاع فتكون هي بدورها ذواتاً أو إذا شئتِ ذاتاً متعدِّدة. كذلك هو الآخر (الغرب في هذه الحالة) ليس كتلةً متجانسةً، بل هو متعدّد. في نظري، هناك أوجه في الغرب أقرب إليَّ من الشرق من بعض الوجوه. إذن، فالمسألة مسألة تمييز ونقد. لا تفي الفلسفة والتحليل النفسي لوحدهما بالمطلوب رغم مساهمتهما الكبيرة. يلزمُ أيضاً الاقتصاد السياسي. لذا فلأجل فهم ظاهرة الوعي المستلب، منظوراً إليه على صعيد جمعي، يجب استحضار نظرية "النُّمو غير المتكافئ" و"تقدُّم التّخلف"، ونظرية "التابع" (السّيبَلْتارْن) ونظرية "المركز والهامش". وهي نظريات يمكن أن تعضدها الماركسية الجديدة والنقدية لكي تكتسب قيمة عملية، أخلاقية وسياسية. وإن ابن خلدون، إذا أحسنّا قراءته منظورا إليه في عصره الخاص ودون تشويه مقاصده ، يكون لنا فيه أيضاً سند تاريخي نقدي، فلقد أدرك بفضل نظر منهجي لا سابق له ما صار يُسمى اليوم بوضع التابعية مُقدِّماً لوحة مدهشة في عصره عن كيف أنّ "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب...". المغلوب يضاعف من وضعه المستلب فيفتل قيود عبوديته بنفسه عندما يخيّل إليه أن مصدر الغلبة ليس من شروط وجودية معينة، ومن موازين قوى متحولة دائماً، وإنما مَأتاها من كمالٍ هو من طبْع الغالب، أي أن الكمال جوهري في "الآخر"، بلغة عصرنا. وأخطر ما يتضمَّنُه الاستلاب هو انعدام الوعي به، فالمستَلب يأخذ وضعيتَه التاريخيَّة على أنَّها وجودُه الطَّبيعيّ والسَّويّ ومصيرُه العادل! غير أنَّنا نرى للأسف بعض فلاسفتنا في هذا الوقت لا يتناولون مسألة الغيرية (الآخرية) من حيث يجب، بل يأخذونها وكأنَّهم إزاءَ أيقونةِ السَّيدة العَذراء، مطلقة خارج المجتمع والتاريخ والحق وعلاقات القوة.

2) ولكنَّ القرنَ الماضي كان زاخراً بالمشاريع الفكرية والثقافية ناشداً التَّحرر من الاستلاب! ومنها على سبيل الذِّكر مشروع الجابري وعبدالرّحمن بدوي وعبدالوهّاب المسيري وحسين مروّة وهادي العلوي وغيرهم كثير. فلماذا لم نعد نشاهد اليوم حركةً مشابهة؟ وبرأيك كيف تفسِّر هذا التَّراجع وهذه الاستكانة رغمَ تزايدِ المؤسّسات الثقافيّة والأكاديمية مقارنةً بالقرن الماضي؟

تتساءلين عن تراجع المشاريع الفكرية العربية وانحدارها في الحقبة الحالية مقارنة بالقرن الماضي؟ وإذْ إنّ جوابي مجملاً هو بـ"نعم" و"لا" في وقت واحد، لزمَ تفريعُ القضيَّة إلى ثَلاثِ دوائر متّحدة المركز:

- فأولاً، نزعة التَّراجع مسّت مجموع العالم ولو بدرجات متفاوتة القوّة. وإلا فبِمَ نفسّر "البريسترويكا" و"الغلاسنوست" إذا أخذنا بلداً كان قوة عظمى مثل الاتحاد السوفييتي سابقاً؟ فإيّانا أن ننسى أن العالم قد تغيّر وشهد منذ أربعة عقود منعطفاً حادّاً جاء مصحوباً بما وصفه بعضهم بـ"نهاية الإيديولوجيات". وهو وصف مجانب نسبيَّاً للواقع مثلما يتبيّن لنا اليوم، بل يندرج في باب البروباغندا التي غايتها أن تحجبَ عن وعي الناس انفرادَ الأيديولوجيا الليبرالية ومشتقاتها بالهيمنة على العالم، وانفراد لغة واحدة بالحق في الكلام، وهي لغة رأس المال الصمّاء. ورأس المال يدخر على نفسه جهد الإيديولوجيا، مادام هو بذاته وثناً إيديولوجياً معبوداً، وخصوصاً في مستوى الاستهلاك والإشهار والميديا. إن "النسق بما هو العالم" هو هو على حاله من حيث جوهره الاقتصادي والاجتماعي، عالم الاستغلال والظلم والتّفاوت الفاحش والقهر بالشدة حيناً، والاصطناع بالليّن أحياناً، عالم الامتثالية الثقافية والرمزية المعمّمة غرباً وشرقاً لولا بعضُ المقاومات في بعض بقاع من العالم. اليوم بالتحديد وبفضل السيد ترامب نفسه، ينكشف العالَم لأكثرية الناس وكذلك لمن كان مغفّلاً من النُّخب في شكل عالم فظّ، عالم الكلبيَّة الأخلاقية والسياسية. لكن ربّ ضارة نافعة، إذْ من شأن الكلبية أن تبدّد ذلك اللون الوردي الذي يزين وجه العالم وأن تشكك في تبشيرية الخطابات العولميّة. كثير من النخب، هنا وهناك، تخلَّت عن مواقف النِّفاق والتمويه السابقة، مثل مناصرتها سابقاً للديمقراطية، استعطافاً للغرب، فتراها اليوم ومنذ الأحداث الثورية التي افتتحتها تونس في المنطقة العربية، تنقلب على المطلب الديمقراطي. وهي الآن تبحث عن بلاغة جديدة.

في هذا العالم الذي لا تنفكّ تحكمه علاقات القوة وعلاقات الغالب والمغلوب فإن ما تغيّر بالأساس هو صورة الناس عنه، أي طريقة تأويلهم له، خصوصاً وقد تكاثفت فيه التقنيات الافتراضية والميديولوجية. هكذا تبدل سياق التفكير وتغيرت أسبابه المحركة وطرق تبريره. إنّ هذا هو ما يلزم، في رأيي، إدراكه معرفياً بصرف النظر عن "ما العمل؟". ولن يُقيَّضَ للعمل أن ينجحَ دون معرفة كافية ومناسبة لموضوع العمل. الأزمة الحالية تدعونا إذن إلى إعمال الفكر بكل رويّة. وسلاح الفكر والنقد هو ضرب من الفعل والعمل. وربما العالم الكلبي المحيط بنا يحفّز على ابتداع فكر قد يكون مخَلَّصاً من الأوهام الحالية.

- ثانياً، أعلام الفكر العربي المعاصر مِمَّن أشرتِ إليهم في سؤالك كان يحدوهم التفاؤل. كانت فترة الستينيَّات والسبعينيَّات من القرن الماضي زاخرةً بالمشاريع. فأكثر البلدان العربية كانت وقتئذ قد خرجت حديثاً من الاستعمار في صيَغه القديمة. وحركات التَّحرر لم تكن قد فقدت بعدُ عنفوانها، رغم تفاوتها الشديد من حيث نفَسها الراديكالي والمضمون الوطني لمشاريعها. كما أنّ الحرب الباردة كانت عاملاً خارجياً مُواتياً لحركة الاستقلال ولبناء السيادة. لا مُشاحَّةَ في أنَّ تجارب الستينيّات والسبعينيَّات الوطنية والاشتراكية زودت الفكر العربي بقضايا عَدَّتها بعض الفئات مصيريةً وأمِلَت فيها غالبية الناس. لكن أينَ نحنُ اليوم من قضايا الاشتراكية والقومية والتحرر الوطني والتنمية وعدم الانحياز، إلخ... لقد تهافت كل ذلك، وبان طابعها الديماغوجي والديكتاتوري وآلَ إلى تحوُّل بعض فئات الطبقة الوسطى إلى مواقع رأسمالية تابعة. لكن تلك الأفكار والقيم لم تكن، في حد ذاتها، وهماً، كما يقول البعض؛ فمجرد التسميات مؤشر هام على أنّ لها جذوراً في واقع الناس، علماً وأن "الواقع" يُعادُ بناؤُه عقلياً ومخيالياً باستمرار، إذْ لا وجود في عالم الإنسان لواقع خام مستقل، أو لواقع وضعي! لقد كان "نظام الأفكار" ملازماً لـ"نظام الأشياء" تلازماً وظيفياً بنسب معينة وعلى نحو من الأنحاء، ولو بالمقلوب. لكنْ خلافاً للصينيين، مثلًا، لم يستغلَّ العرب أحسن استغلال تلك الفترة التي تعادلت فيها القوى بين الشرق والغرب إثر الحرب العالمية الثانية إلى أن تبدّل نظام الأشياء بالكامل منذ ذلك الوقت فتهافتت معه تصورات النخب العربية للعالم ولقضاياها المصيرية، قضاياها هي بالذات نُخَباً. ألم نشاهد كيف أن المثقف العربي أصبح بعد سقوط جدار برلين يتأبط "إنجيل" فوكوياما تحدوه فكرة "ختم التاريخ" بعد أن كان، قبل سقوط الجدار، "يقرأ" ماركس وماوتسي تونغ آملاً أن يساعداه على "افتتاح التاريخ"؟ هكذا، ويا لبؤس الفكر والثقافة! تفتتحُ نخبنا التاريخ ثم تختمه في بضعة عقود معدودات. في حين أن فوكوياما يتحدث عن تاريخ آخر أكبر، رغم بؤس نظريته من عدة جهات. ولكن ما يغيب عن إدراك غالبية الناس بحكم الإيديولوجيا السائدة وأبواقها هو أن المسائل المعيارية لا نقيسها بالواقع القائم، ففي مجال الأخلاق والسياسة لا تعني هزيمة مشروع الانعتاق وغلبة مشروع الاضطهاد والتَّبعية بُطلانَ الأول وصلاحية الثاني، وذلك لأن موازين القوة ليست معياراً للحكم في الأحقية. وأكبر مثال لنا على ذلك في محيطنا العربي هو انفراط العقد من حول قضية فلسطين وفشل الثورات العربية، علماً وأن مجرد انفجار تلك الثورات "من تحت" هو حدث عظيم لن تخبو معانيه في أفئدة أصحابه من المعذبين في الأرض.

- ثالثاً، ما حصل بالخصوص هو انكسارات عالمية في المشاريع المرتبطة بفكرة "التقدم"، وهو مفهوم يقود مثقفينا مثله مثل ضرير يقود مبصراً ضعيف البصيرة. مفهوم التقدم غير صالح من حيث أنّ الرأسمالية هي التقدم عينه، فمحال عليه أن يخرج بنا من أفقها! والرأسمالية "التقدمية" بدأت تصطدم بالتقدم لأن جميع موارد العالم قابلة للنضوب وجميع الطاقات البشرية والطبيعية آيلة إلى الأنتروبيا (فَقْد الطاقة) باستثناء فكرة التقدم نفسها في بعض الأدمغة! لذا أدعو التقدميين العرب إلى مراجعة هذا المفهوم ونقده من أساسه بكثير من التؤدة والتبصر تمييزاً بين التقدم الاقتصادي والتقدم الأخلاقي المدني كما ذهب إلى ذلك جان جاك روسو وكثير من مفكري ونقاد اليوم من أصحاب الفكر الحر الرافضين للامتثالية الفكرية شرقاً ثم غرباً، جنوباً ثم شمالاً.

وتلك الانكسارات العالمية تكون وطأتها أشد على الفكر العربي لأن الأزمة الجذرية والشاملة حلّت به قبل أن يستكمل مشروع نهضته. وهو فكر لا يشتغل وفقاً لمراكمة التجارب فيظل عاجزاً عن النَّقد. وإن فكراً لا يعرف التراكم لن يتوصل إلى بناء ضرب من النَّسق المتماسك. هناك إذن تواصل، وهو تواصل أزمة الفكر العربي وأزمة المثقف العربي، وهي التي كانت موضوع توصيفات في القرن الماضي. وأظن هذا النمط السائد من المثقف ما يزال ينظر إلى العالم بعدسات قديمة، الجديد فيها هو الغشاوة الليبرالية التي صارت تكسوها.

لذا لزم التوجُّه إلى الطاقات الفكرية الشَّابة والمبدعة. وهي طاقات موجودة وبصدد صياغة قضايا جديدة بوسائل جديدة، لكنها ما تزال تتلمسُ طريقها بصعوبة في حقبة ضبابية، حقبة موت القديم وولادة الجديد فلا نتبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وهذا أمر محتوم. فلا يجب أن نُفْرِط في خوفنا من أن نرى مسوخاً وشواذَّ يولدون في وقتنا هذا بكثرة تزيد عن ولادة الأسوياء. فما عساها تفعل حشود هائلة من الشباب المتعلم والذكي والمتوقد وقد قذفت به المدارس والجامعات بلا عمل ولا أمل، يلاحقه على قارعة الطريق التهميش والقمع المهين والاحتقار الاجتماعي والجهوي والعرقي والطائفي والجندري؟ هل الحل هو الخنوع والاستكانة للذّل؟ أم هو راديكالية جماعات عنيفة مضادة للسيستام؟ أم هو ثورة الجموع "الجمهورية"؟ النُّور الوحيد الذي شق الظلمة هو الثورات العربية التي تتابعت منذ عقد من السنين وأعلنت عالياً عن بداية القطع مع "اليد من فوق" (النخب بأصنافها السياسية والفكرية والاجتماعية والعسكرية...)، ومع "اليد من خارج" (أشكال الوصاية والتابعية والاستعمار الجديد الخارجي والداخلي...). هناك أغبياء ومغرضون كثر من يسارنا العربي المصاب بعدوى الليبرالية يتخيَّلون الثورة شجرة ثمارها طازجة يكفيهم خلخلتها لتسقط في سلتهم هم بالذات لا في سلال غيرهم! ولذا، انطلاقاً من هذا التزلزل الثوري يجب أن يبدأ فكر عربي جديد. والأرجح أن حالة الجزْر التي يشير إليها سؤالُكِ هي حركة نسبية، وهي من ذلك النوع الذي يسبق المدّ من جديد.

3) يسودُ اليوم نموذج التكنوقراط ويقدَّم إلى الصدارة حتى في السياسة، وتسود معه مقاربات إتش آرية [نسبةً لـHR] في معالجة قضايا الفرد والمجتمع والأداء الاقتصادي. بحكم أنَّ هذا النموذج يأتي من خلفية أكاديمية، فكيف وأنت الأكاديميً بدورك تقيّم أثر هذا الأمر في وضع العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

الفئات الاجتماعية والنخب وقوى الإنتاج الاجتماعية لها وظائفُها الخاصة بها. من هذا المنظور، فإن ما يعرِّف التكنوقراط بالأساس، في رأيي، هو كونها قوة إنتاج فائقة التأهيل والكفاءة. ويمكنني أن أضيف سلسلة من الصفات الحسنة، ولكن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً، فإنها تظل قوة إنتاج حتى ولو لعبت دوراً رئيساً في التصور والتخطيط والإدارة؛ بل إن العكس هو الأصح، وهو تحوّلها باستمرار إلى جزء من رأس المال المنتج. ما يحرك فئة التكنوقراط هو "التجديد من أجل التجديد" و"النمو من أجل النمو"، وما يصاحب ذلك من حذلقة وطلاسم "رقمية" تباركها مؤسسات وصناديق النقد الدولية، فهي لا تنظر إلى قضايا الناس إلا من ثقَب ضيقة، من منظور النمو الاقتصادي والتراكم التكنولوجي وأرباح الشركات العابرة للقوميات، غير عابئة بالبعد الإثيقي (الأخلاقي) والإيكولوجي (البيئي)، ولا بقضايا الناس الاجتماعية، ولا باستقلال الأوطان وسيادة الدول. حتى الدول القوية صارت تهدد سيادتَها وديمقراطياتِها تلك المؤسسات الدولية الاستبدادية التي للتكنوقراط نفوذ فيها (مثال سلوك الاتحاد الأوروبي مع بلدان جنوب أوروبا ثم مع المملكة المتحدة سلوكاً معادياً لإجراءاتها الديمقراطية الداخلية). أما في بلدان أخرى، فيبلغ الأمر حداً أقصى عندما تُستخدَم فئة التكنوقراط خلال الأزمات والفترات الانتقالية المتأزمة عائقاً أمام مد وطني واجتماعي جديد يروم الانعتاق والتحرر، أو تُستخدَم بديلاً عن القوى السياسية الفاعلة (مثال تونس). هكذا، مثلاً، ما أن تمّ للثورة التونسية نجاحٌ سياسيٌّ أوّل بالإطاحة ببن علي حتى هبّ إلى تونس "أصحاب الكفاءات العليا" في أوّل رحلة طيران؛ هبّوا إليها من مساقط رأسهم التكنوقراطية، هبةً واحدة، وكأنه نودي بالنفير أو نفخ في الصُّور. فقد يؤدي التكنوقراط في وضعيات خاصة وظيفة صك الغفران أو قارب النجاة الذي يعتليه السَّادة وأصحاب الامتياز عندما يستشعرون خطر فقدان السلطة نهائياً. وأما "الموارد البشرية"، هذه التسمية المقتبسة من قاموس السوق، فهي وفقاً للتصور المالي التكنوقراطي مورد من بين سائر الموارد، فيمكن الاستعاضة عنه بآخر يُعَدُّ أصلح، أو الاستغناء عنه وفقاً لقواعد "الحوكمة" و"الإدارة": هكذا، فإن قوى الإنتاج البشرية وقد صيغت في قالب "موارد"، يكون من الجائز أكثر تقديمها كبش فداء لتحولات رأس المال ودورات أزمته. وإذْ إنّ الأمور تجرى على هذا النحو، فأيُّ معنىً للحياد السياسي الذي يدّعيه التكنوقراط أو يدّعيه لهم غيرهم؟ إن كانت لهؤلاء مزيَّة في سياسة الشأن العام فهي إدراكهم الإشارات المشفرة التي ترسلها "َيدُ السوق اللامرئية" والعمل بها. هؤلاء هم أصحاب الكفاءات، وتلك هي وظيفة الحكومات التي يشكلونها ويرأسونها. فلا عجب أن نرى، ويا للمفارقة الظاهرية، كيف أن أكثرهم في البلاد العربية يسعون إلى تجاوز الحدود الضيقة في تكوينهم الفكري وما تؤول إليه من قولبة ذهنية صلبة (فورماتاج) فيحاولون تلطيفها بالتشرب السهل وغير النقدي لأشكال ثقافية وروحية ليّنة، ليبرالية كانت أو دينية أو شبه دينية. هكذا ينقلب الخبير التكنوقراطي إلى داعية.

هذا بالضبط ما يقودني إلى المجال المعرفي المقابل، وهو علوم الإنسان والمجتمع. إن النهج الليبرالي السائد اليوم في غالبية بلدان العالم بوتائر وبنغمات مختلفة يعمل على تقويض العلوم الاجتماعية ويرسكل (Recycle) ركامها لتوظيفه في الإيديولوجيا الاستهلاكية: كن كما شئت، ولا تفكر، وإن فكرت فإن لي فَكَّيْ عملاق واسعين ما يمكّنني من احتوائك. المهم هو أن تنفق فأنفق! وإذا كان الاختلاف الثقافي عامل إنفاق فاختلف لأصنع لك، مثلاً، لباساً أفغانياً إذا شئت!

معلوم أن علوم الإنسان والمجتمع هي منبع الفكر النقدي المستقل؛ ولذا نراها مبتخسة في بلداننا، أو نرى بعض اختصاصاتها منتقاةً بعناية وفقاً للحاجة، هنا علم الاجتماع وهناك علوم التربية وعلم النفس، إلخ... بل وحتى الفلسفة نرى الدولة توظفها لأغراض وقائية وتلقيحية على النقيض تماماً من مقاصدها البدئية ومن مسارها التاريخي الطويل، وهو كونها "مشروعاً إنسياً للنقد والتحرر" (كورنوليوس كاستورياديس).

رغم ذلك، ثمّة محاولات جادة وواعدة في مجال الفكر واللغة والترجمة والأدب والفن. ولقد قلصت وسائل التواصل الجديدة ووسائل النشر الإليكتروني المسافات بين المؤلفين من جهة، وبينهم وبين جمهور القراء أو المشاهدين من جهة ثانية. وهذا ينطبق على المنطقة العربية التي تقاربت أطرافها بدرجة وسرعة لم يشهدهما التاريخ سابقاً حتى في عهد الامبراطوريات المركزية. من المحتمل جداً أن تساعد هذه النزعة على ولادة إنسية جديدة. ولا يفوتني هنا أن أشير إلى إرهاصات فكر جديد يستأنف الإرث النقدي، والإرث العربي النهضوي، والإرث الاجتماعي الماركسي، ويغذي هذه العناصر الثلاثة بجملة من التصورات والقضايا المستجدة مثل الدراسات بعد الكولونيالية ودراسات التابع والعلاقة بين الطبقة والعرق والجنس، والعلاقة بين المركز والهوامش، إلخ... وهي قضايا بالغة الأهمية لا على مستوى النظر فقط بل على مستوى العمل أيضاً، وبالخصوص في دائرة السياسة. إذا ثبت هذا التوجه فإن الفكر العربي يمكنه أن يتجاوز الإثنينيّات العقيمة التي تحكمت فيه منذ قرنين، وخصوصاً منذ الحقبة الاستعمارية وما تلاها. وأظن أن الثورات العربية الأخيرة لها دور بالغ في هذا التوجه الجديد وإن كان أثره إنما يظهر شيئاً فشيئاً وعلى المدى الأطول كما هو معلوم في مجال التأثير المتبادل بين دائرة الفكر ودائرة التحولات التاريخية. ولذا فإن للعلوم الاجتماعية والإنسانية دوراً ومستقبلاً.

4) الظاهر لنا أنَّ اليسارَ العربيَّ السائد، إنْ جاز لنا تسميته هكذا، لا يتناول القضايا المَحلِّية الرَّاهنة اليوم بشكلٍ مناسب، إضافةً لاهتراء العلاقة بين النَّظرية والممارسة، كما أنَّه لم ينجز مراجعةً فكرية لممارساته ومواقفه، ما أدخله في وضع جمود أفقده التَّأثير في الرَّأي العام وشلّ حركته في المجتمع. فكيف تقيّم -انطلاقاً من الحالة التونسية- دورَه في الثَّورة والثورة المضادة؟ هل يمكن الحديث عن أسباب بنيوية لتفسير أزمته وأفوله؟ وما علاقة ذلك بصعود الإسلام السياسي؟ هل ما يزال لديك أمل في مستقبل لما يُسمّى باليسار؟

سؤالك، وبالأحرى أسئلتك مثلها مثل الدُّمى الروسية يحوي بعضُها الأكبر بعضَها الأصغر؛ ولذا سأرتّب إجابتي في نقاط:

- تسمية اليسار لم تعد تناسب الحقبة التي نعيشها. فهي ما انفكَّت منذ قرنين تجري مجرى المواقع المتحركة التي تحتلُّها تيارات وأحزاب دائبة على التطور وعلى تغيير أولويّاتها وتحالفاتها. ومعلوم أنّ الاسم لكي يكون وافياً لا بُدّ له من مُسمَّى عينيّ يشير إليه حقيقةً. والمُسَمَّى أمسى اليوم مشكوكاً فيه لا في العالم العربي وحسب، وإنما في العالم أجمع أيضاً. وهذه تسمية فضفاضة جداً بحيث تدل على كلِّ شيء وعلى لا شيء. يكفيك، مثلاً، أن تقولي اليوم إنك عَلمانية لتصنَّفي تقريباً في صف اليسار التونسي بينما العَلمانية صفة يشترك فيها الليبرالي والفاشي والقومي والاشتراكي فلا تصلح لأي تمييز سياسيّ اللهمّ أن تكونَ مدخلاً سهلاً إلى التحالف مع اليمين الاجتماعي وحتى مع الديكتاتورية السياسية التي لها ماض غرامي مع العَلمانية سواء في أوروبا أو في العالم الإسلامي (تركيا، إيران، تونس، وما إلى ذلك، وهو ما يفسر سقوط الدَّلْو في البئر مجدداً، وفي هذه البلدان بالذات!).

للفظ اليسار إذن دلالة مزدوجة، فهو من جهة كيان سياسي فكريّ انحسر ظله انحساراً تَبْطُل معه صلاحيةُ تلك التَّسمية؛ وهو، من جهة مقابلة، حركة اجتماعية قوية وشبه عفوية تحرّك سواكنَ المجتمع من جذورها الشعبية. هكذا، بين يسار سياسي تقليدي منقبض ويسار اجتماعي حيّ ودينامي ومتجدد، هناك طلاق شبه تام، بل وأصبح طبيعياً. زد على ذلك الطابع الخلافي لهذه التسمية؛ فهي مشحونة بأحكام القيمة عندما تَتَشَيَّأ في شكل أصنام تتنازع بينها صلاحيةَ العبوديّة والطقوس. هذا هو الموجود. أما المنشود، فالأفضل هو بناء حركة مضادة للرأسمالية وقيمها الليبرالية السّائدة، أي قوةُ مقاومة ونضال جديدة من أجل الانعتاق السياسي الاجتماعي.

- إنّ لليسار العربي تراثاً فكرياً عريقاً وتاريخاً طويلاً من النِّضال. فإذا أخذنا بعض تجاربه النَّوعية، وهي قليلة، نرى النادر منه قد انتهج طرقاً مبتكرة ومستقلة نسبياً (الحزب الشيوعي السوداني، الحزب الشيوعي اللبناني، بعض اليسار المغربي، وغيرهم). بيد أنَّني أكتفي هنا بخلاصة آراء تتعلق باليسار التونسي لما لديّ من دراية نسبية بتجربته.

- ففي تونس، ومنذ الربع الأول من القرن العشرين، تزامنت نشأة اليسار السياسي (الحزب الشيوعي) ونشأة اليسار الاجتماعي (جامعة عموم العملة التونسيين). ولكن التزامن لا يعني التضايف. ففي أثناء الكفاح من أجل الاستقلال الوطني، حصلت تقاطعات ولقاءات ثرية ومنتجة بين هذين الطرفينْ، لكنها لم تكن مستمرة ولا حاسمة. وأظنّ أن التاريخ أشدّ مكراً من إرادة الناس ومن نواياهم الطيبة، عندما يُصاب السياسيُّ بالحَوَل البصري في رؤية الوضع وتحليله، فيظلُّ البعدُ السِّياسي والبعدُ الاجتماعي متوازييْن لا يلتقيان، على العموم. ودام هذا التوازي غير المنتج على حاله إلى يوم الناس هذا بالتقريب. ومن ذلك أنه لمّا تأسس الاتحاد العام التونسي للشغل في نهاية الأربعينات، وهو قوة نضالية هائلة، انخرط في معركة الاستقلال وقدم شهداء من بين زعمائه. وإذا كان من الطبيعي، والحال كما ذكرت، أن تميل النقابات "يميناً" صوب الحزب الحر الدستوري الجديد قبل الاستقلال وإثره لكون هذا الحزب قاطرة الاستقلال وبناء الدولة بعد الكولونيالية، فاللافت أن ينخرط اتحاد الشغل في الاتحاد الدولي لنقابات العمال الحرة (ICFTU). هذا الخيار المتَبَرِّم من الأفكار الاشتراكية لم يحصل لأسباب ثقافية وإيديولوجية وحسب، وإنما أيضاً وبالخصوص لضعف اليسار وضعف تجذره في القرى والأرياف وبين الفلاحين، والحال أن تونس ليست بلداً مصنعاً حتى تتشكل فيه طبقة عاملة بالمعنى الاجتماعي والرمزي والمعنوي الذي لها في أوروبا أو في الولايات المتحدة. وهكذا آل الأمر بالحزب الشيوعي التونسي العريق إلى الهامشية السياسية والثقافية وإلى الظهور في مظهر أنتلجنسيا، أي نخبة مثقفة فاضلة لأجل نفسها تذكّرنا — في أحسن الحالات — بحلقة من قدامى الحكماء الرّواقيّين أو بوُعَّاظ السلاطين.

ثم إنه في الستينات نشأت حركة "برسبِكتيف" (آفاق) في وسط شبابي وطلابي أساساً، ومنها تفرعت في السبعينيَّات وفي الثمانينيَّات عديد المجموعات ذات النَّفَس الاشتراكي والثوري وذات الميولات الماوية بالخصوص، وبعضها كان قومياً عربياً. لكن القمع الهائل الممنهج الذي مارسته السلطة على تلك الحركة، ومحدودية الأفق الفكري السياسي حَبَساها في تلك الحدود النُّخبوية التي ذكرتها سابقاً. صحيح أن الفكرَ عدسةٌ نقرأ بها ما يسمى بالواقع، ولذا فالواقع المقروء هو بنفسه بناء ذهني! وهذا ما يوجب أن تُعاد قراءة الفكر ومراجعته بواسطة الواقع العيني باستمرار! هذا لم يحدث، اللهم قليلاً بعد الثورة التونسية. عوضاً من ذلك يلجأ اليسار إلى ما يسمى — ويا للبؤس! — بالنقد الذاتي للتَّسلي به عن الخيبات المريرة ولارتكاب أخطاء سياسية أسوأ من سابقاتها. وكأننا بإزاء قساوسة يؤنبهم وعيهم المسيحي الشقي فيَجُبُّون خطيئةً بأخرى، أو فقهاء مسلمين يستحدثون الفتاوى على قياس كل حالة عارضة. صحيح أيضاً أن خيبة اليسار محلياً وافقتها خيبته عالمياً. ولكن، خلافاً لما حصل في عدد من بلدان الشمال والجنوب حيث انحسر اليسار بعد أن حقق درجة نوعية من التأثير السياسي الذي يترجمه تغلغله الاجتماعي في الأوساط الشعبية، فإن انطلاقة التجربة الجديدة لليسار التونسي منذ أكثر من نصف قرن كانت تحمل بذور إعاقة دائمة على صعيد التَّصورات الفكرية والمعرفية وما صاحبها من وهْم في إمكان ترجمتها إلى برنامج سياسي. فلم يكن الاجتماعي — وبلغة أرسطو — "علّة فاعلية" في التنظيمات اليسارية التونسية وإنما "الثقافي" و"الإيديولوجي". وإذن نشأ اليسار وشبّ وهو يعاني من تشوّه أصلي في تكوينه الجنيني.

على هذا الصعيد، يمكن القول إن إنجازَ اليَسار التونسي الهائل — الذي أقدّم تاريخه مجملاً ومبَسَّطًا — هو رسم الشرخ الايديولوجي، أي "خط التباين" الإيديولوجي مع البورقيبية ومع شعار الوحدة "القومية" (الوطنية)، لكن التباين حصل في قضايا فقط دون غيرها. ولذا، فإن الأفق الما وراء-إيديولوجي (الميتا-إيديولوجي) الذي هو النواة الصلبة غير المرئية في تفكير اليسار، لم يتجاوز أفق البورقيبية فكرياً وثقافياً وقيميّاً. وفي المقام الأخير، يبرز الميتا-إيديولوجي على أنه المحدد السّياسي السَّردي الأكثر حسماً في المعارك الكبرى: التقدم، التحديث، العلمانية، المرأة، بل وحتى الاشتراكية التي كان النظام يدَّعيها لنفسه في الستينيَّات. فيتهاوى كل شيء بطريقة لا واعية، ولا يبقى سوى الحنق أو الاستياء من الذات أو معارضة تدور أساساً حول قضية الحريّات العامة وحرية التعبير والتنظيم السياسي؛ كأننا باليساريين لا يطالبون إلاّ بتمكينهم من وسائل ناجعة لكي يحقِّقوا بها قيم البورقيبية مضافاً إليها لون اجتماعي مختلف وتسويغ إيديولوجي مختلف. ولذا لم يخطئ أحد مؤسسي منظمة "برسبِكتيف" عندما أطلق عبارته الشهيرة قائلاً بأن اليساريين هم "أبناء بورقيبة غير الشرعيين".

أما الشرخ الاجتماعي بما يعنيه من أزمة في نمط التنمية ومن استفحال في الفوارق الطبقية والجهوية، فترجم عنه الاتحاد العام التونسي للشغل وتوّجه بإضراب عام في جانفي 1978. وكان ذلك حدثاً عظيماً. لكنه لم يخلُ في الوقت نفسه من نزعةٍ سياسيَّة عُمالية ذات حدَّين: حدّ سالب يضيّق على اليسار ويقدح— موضوعياً — في أهليته وفي مشروعيته السّياسية وفي الحاجة إليه؛ وحدّ موجب من حيث دخول القيادة النقابية أو قسم رئيس منها جزءاً من الصِّراع الطاحن الدائر بين أجنحة السلطة في ذلك الوقت. ومن المفارقة أن تلك القيادة كانت قريبة من الجناح البورجوازي المتشبِّه بالليبرالية السياسية!

وأمّا الشرخ السياسي، وكان من قَبلُ يختمر في الشرخين السابقين، فعمّقه الإسلام السياسي بداية من منتصف الثمانينيَّات وعمّمه بأن نقل النزاع السياسي إلى "الجسد الاجتماعي" وزرعه في الجهة، وفي المدينة، وفي الحي، وفي المدرسة، وحتى في الأسرة.

وإذْ إنّ اجتماع تلك التباينات الثَّلاثة — الإيديولوجي والاجتماعي والسياسي — هو شرط لتحول أي حركة إلى قوة فعّالة ومؤثرة، فإنَّ غيابه بين فصائل اليسار يفسِّر بقاءها في مراهقة سياسية شبه دائمة، ويفسر سهولة تحول بعضها إلى مواقع مخالفة لقناعاتها الأولى المعلنة. ولن نندهش من ذلك عندما نعرف أن التباين الإيديولوجي مع السلطة يظل محدوداً لولا القمع وغياب الحريات اللَّذان كانا يدفعان إلى المعارضة، علماً وأن الخلاف الإيديولوجي كان أكبر بين صفوف اليسار منه مع السلطة. ولذا هبّت أطراف يسارية واصطفت وراء "بيان السابع من نوفمبر" (1987) الذي أعلنه زين العابدين بن علي يوم انقلابه على بورقيبة، مُبشِّراً بعهد من الحريات والتداول على السلطة، فحولت تلك الأطراف اليسارية سلاحها صوب الإسلاميين بقدر ما ساهمت في إضفاء درجة من الشرعية على "العهد الجديد"، شرعية كان بن علي في أمسّ الحاجة إليها. لم يَدُرْ في خَلَدِ تلك الفصائل اليسارية بأن بن علي كان يهيّئ لإقامة الديكتاتورية وإلى العبث بأكثرهم بجعله ديكوراً يزين قصر قرطاج.

ولمَّا جاءت الأيام الثورية (17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011) كشف الواقع عن الحقيقة الصارخة التالية: ففي خضم المعركة من أجل الكرامة برز يسار اجتماعي جديد نقابي وغير نقابي، فلم يعثر "اليسار السياسي التقليدي" على صورته فيه إلا استثناءً قليلاً يؤكّد القاعدةَ العامة. بالمقابل، لم يعثر اليسار الاجتماعي على صورته في اليسار السياسي. فظلَّ ذلك التوازي بين السياسي والاجتماعي قائماً. وأفضل موقف تراجيدي كوميدي يعبر عن الغربة وعن الاستلاب هو ذلك الذي عبر عنه أمين عام حزب يساري عريق سألته الصحافة عن سبب فشل حزبه الذريع في أحد أحياء العاصمة الأكثر فقراً (حيّ التضامن) بمناسبة أول انتخابات حرة في تونس (2011) فأجاب — ويا لهول الإجابة! — بأن السبب هو ديكتاتورية زين العابدين التي كانت تحجب البؤس الاجتماعي عن حزبه!

هكذا، فإنّ المشهد اليساري في تونس، وإنْ عرف تلوينات وتغيرات مال أغلبها صوب اليمين واللّبْرَلَة، ظلَّ هزيلاً ما دفع بقياداته إلى أغرب التقلّبات والتحالفات. من شبّ على شيء شاب عليه إذْ لم يغادر اليسار التونسي المتردَّمَ الأوّل، ولم يفقد معالم البدايات، وهو كونه أنتلجنسيا ثقافية بالأساس، هي اليوم، مثلما كانت قبل عدة عقود، تقدّم خط التباين الإيديولوجي والثقافي على خط التباين الاجتماعي، تقديماً يضمن لها امتيازاتها من حيث هي نخبة، بل ويفتح الباب أيضاً أمام من ليس له "وضع اجتماعي" مناسب أو من لم يسعفه الحظ بشهادات علمية عليا، لكي يصعد اجتماعياً ويكتسب وجاهة سياسية! لذا فإن الأمل ليس في "النقد الذاتي" ولا في "المراجعات"، وإنما في بدء جديد يكون راديكالياً فلا ينطلق من "النظرية الرمادية اللون"، وإنما من "شجرة الحياة الخضراء الغضّ"، كما يقول شاعر ألمانيا الكبير، غوته. وتلك الشجرة هي الثورة التونسية التي لا يمكن ولا يجب أن يكون ما بعدها معاودة لما قبلها، لأن الثورة هي بعينها مطلق الجديد وفقاً لرأي حنّة آرندت.

5) تناولتَ في دراسة لك قبل سنوات موضوع "العدالة في وضع استثنائي" وذهبت إلى أنَّ الولايات المتحدة تنهج ما يمكن نعته بـ"الأمر الإمبراطوري" (Imperium) على نحو ما كانت تنهج روما قديماً مع مقاطعاتها وأطرافها البعيدة، فهي، في رأيك، لا تكتفي بفرض سياسة القوة، بل تريد أيضاً وبالخصوص "الاستفراد بالقرار" وسيلةً للسيادة على الصعيد العالمي، فنراها تعمد إذا لزم الأمر إلى تعميم "النزاعات" الدولية، واختلاق "الأزمات" الإقليمية لفرض "الوضع الاستثنائي". فلو أضفنا اليوم إلى ذلك "قانون قيصر" الذي أصدرته الولايات المتحدة مؤخراً لفرض حزمة من العقوبات على السوريين فهل لك أن توضح، أولاً، وبشيء من التبسيط، جملة تلك المفاهيم المتصلة بالوضع الاستثنائي؟ وهل ترى، ثانياً، أن "قانون قيصر" يندرج في إطاره؟ وهل يمكن الحديث عن عدالة في هذه الحالة؟

1. في شهر أكتوبر من عام 2001، أي ما يربو قليلاً عن شهر بعد أحداث 11 سبتمبر الأليمة، خرج نظام الولايات المتحدة الأمريكية على المجموعة الدولية وعلى شعوب العالم، وعلى مواطني أميركا بالخصوص، شاهراً قانوناً لا سابق له، وهو قانون باتْرِيُوتْ للولايات المتحدة الأمريكية ( (USA Patriot Actالذي صدَّق عليه الكونغرس على عجل ودون نقاش يُذكَر. وأمَّا ما ينفرد به هذا القانون فهو ابتداعه مقولةً جديدة في تعيين العدو وتسميته، وهي مقولة "العدو المقاتل اللاّشرعي". وهذا الضرب من العدو يمتنع عن التصنيف، فيُفْعَل به ولو على وجه الشُّبهة أو الظنّ، أكان مسلحاً وفي ساحة فعلته أم لم يكن. وتطال الشبهة من قاربه أو حاذاه أو بادله شيئاً بعلمه أو من دونه. ولا تميز هذه الشبهة بين الأجنبيّ والمواطن الأميركي، ولا بين مجموعة إرهابيَّة وبين دولة عضو في الأمم المتحدة تقدِّر أمريكا أنها راعية للإرهاب.

2. كيف يمكن إذن تطبيق القانون الدولي المنظم للعلاقات بين الدول على المجموعات الخاصة كما هو حال "المجموعات الإرهابية" التي ليس لها طابع الدولة ما ينزع عنها صفة العدو الشرعي بجيشه النِّظامي ورايته وزيه وقادته، وإنما ينطبق عليها القانون الجنائي أصلياً؟ لذا لزم تأويل "الدولي" على أنه لا يقتصر على الدول، بل ينسحب على كلّ ما يُعَدّ تهديداً "خارجياً" حتى ولو لم يكن يقصد احتلال الأرض وتغيير هيئة الدولة، فيشمل بهذا الشكل المجموعات الخاصة والأفراد. ووفقاً لهذا التأويل، تُحجَب صفة الدولي لتأخذ مكانها صفة "الشأن الداخلي". وهو ما يعني — وفقاً لجولي سعادة (وهي فيلسوفة قانون فرنسية من أصول تونسية) — أن الحرب التي هي بالتعريف علاقة قوة بين دولتين أو أكثر، يتم تطويعها بفضل التحذلق السياسي المدعوم بالقوة لتصبح شأناً داخلياً لا لزوم فيه لا إلى قرار أممي ولا إلى استشارة الأصدقاء. مع ذلك يمكث "الدولي" في دائرة الظل لكي يُستخدَم عند اللزوم ما دام يمكن لدولة عدو أن تستخدم تلك المجموعات الخاصة أداة لعدوان غير مباشر على الولايات المتحدة. على هذا النحو، ينتصبُ الوضع الاستثنائي ما أن تُطلَق التسمية، أي ما أن تُنعَت تلك المجموعات على أنها "العدو المقاتل اللّاشرعي" (وهي تسمية من ابتكار الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001). وتنبني التسمية على مفارقة كبرى: فالمجموعة الإرهابية هي من جهة "عدو مقاتل" بحيث تُصَنَّف في صنف الحرب، فلا يصدق عليها القانون الجنائي بما يستلزمه من إجراءات تتعلق بمعاملة المجرمين الخواص، وهي من جهة ثانية " مقاتل لا شرعي"، فلا يصدق عليها قانون الحرب بين جيشين نظاميّيْن وما يفترضه من إجراءات ومن حقوق إنسانية ( (jus in belloبصرف النظر عن وجاهة القضية أو فظاعة الوسائل المستعملة في الحرب.

3. وهَهُنا تُصاب العدالة في الصميم، وذلك بالتعدي على القانون الجنائي. ينبغي لأجل ذلك نقل العدو الحربي بما له من حقوق وواجبات من دائرة العلاقة العدائيّة ذات الطابع الجيو السياسي والعسكري في المقام الأخير إلى دائرة الجريمة، ولكن دون التفريط، في الوقت نفسه، في طابع العمومية الذي يتصف به الشأن السياسي والحربي من حيث يندرج في باب "المعقولية" الخصوصية التي للمقاصد العامة. يتبع ذلك أن "محور الخير" يجعل من العدو "محور شر" لا يمكن تعيينه ولا تعريفه مسبقاً. من هنا يُفهم تفنّن النظام الإمبراطوري الجديد في اختراع تسميات أو شعارات كافية شافية في تقديره هو. والسائد منها في أيّامنا هو "الإرهاب الدولي" و"الإرهابيون الدوليون"، وأشياء أخرى من هذا القبيل؛ وهي تسميات هلاميّة. إنّ هذا الطابع المُبهَم الذي يلفّ الإرهابَ —على صعيد سياسي حقوقي— يُفْصِحُ عن حقيقة الطابع المبهم الذي يلفّ النظامَ الإمبراطوري العوْلميّ. إنهما إذن توأمان مهما بلغت العداوة بينهما أشُدَّها. أضف إلى ذلك، من ناحية أخرى، أنّ "تنظيم القاعدة" ومشتقاتها وأشباهها − من حيث هي تنظيم متحرك وقابل للتّذرّر الجغرافيّ وللتبيئة الجيو سياسة، − يتبلور بتبلور النزعة الإمبراطورية. لذا نرى كيف أنّ مكافحة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب تستسيغ التسميات الهلاميّة بقصد استراتيجي، وهو سيادة العالم في كل مناطقه. ولمّا كانت الحرب تستسيغ فنّ البلاغة، فليس هناك أفضل من اختراع عبارات من قبيل "الحرب على محور الشرّ" أو "الحرب على الإرهاب الدولي" للإشارة إلى عدوّ لا يُراد تعيينه وتحديد مكانه، ما يساعد القوة الإمبراطورية على أن تتصرف وكأنها نسر يطارد ظلّه. ومقصد أمريكا من اجتنابها الإشارة إلى كيانات مرئية في مجال الحرب، إنّما هو صناعة القوالب النمطية وتغذية الخوف المستديم من عدو لا مرئي. ومفاد الأمر أن سياسة التعميم والهلامية وتحويل ما يمكن وقوعه إلى واقعة قائمة تنقض مبادئ أساسية في التشريع: وهي اليقين من تحقق الجريمة، وتحديد هوية المذنب، وتناسب العقاب، كما يذهب إلى ذلك أحمد فتحي سرور. أما المساس ولو بواحد منها فهو مساس بالعدالة.

4. نرى في هذه الحالة أن السياسة هي التي تحدد المعايير وتصنف المخاطر وتقدِّر الأحكام وليست العدالة؛ وندرك كيف أن قانون باتريوت بلغ هدفه السياسي، ومسّ جوهر العدالة، وغيّر وضع القانون الجنائي والجزائي بأن شرّع لإقامة اللجان المختصة والمحاكم العسكرية وأجاز لها ما ليس من اختصاصها؛ وهيأ للسلطة التنفيذية الشكل القانوني لممارسة الخروقات، إذْ عطّل العمل بالمبدأ الأنغلو ساكسوني في إجراء العدل، وهو مبدأ عريق يقول بـ"حضور الموقوف بشخصه المادي أمام القاضي" (habeas corpus) مخلّصاً الموقوف من "السجون السوداء" ومن "حفر أو آبار النسيان" وراعياً لحقوق الإنسانية الدنيا في المشتبه فيه. عكساً لذلك، يعيد قانون باتريوت المعتقلَ إلى تلك السجون: من سجن غوانتانامو إلى سجون أخرى "سرية" و"طائرة" و"مُبْحِرة" أقيمت في بقاع كثيرة من العالم، واستقبلتها بلدان موالية للولايات المتحدة، وخصوصاً في أوروبا الشرقية التي لم تتحرر من عبودية إلا لتنتقل إلى أخرى. لذا فإن كبار المفسرين لقانون باتريوت رأوا فيه تفكيكاً للحريات وللحقوق وتنصيباً للدكتاتورية و"صيغة معيارية مواتية لعقلية الحرب"، مثلما تذهب إلى ذلك أستاذة القانون الكبيرة فاندا ماستور.

5. على ذلك النحو الذي رأينا، يختل التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية لصالح هذه الأخيرة فتحوز على ما تنشده، وهو تحقيق ذاتيّتها السياسية وإراديّتها الحربية فتحتكر حق القرار النافذ في نهاية المطاف. وهذا تحديداً هو المنشود من الوضع الاستثنائي: القرار النافذ. فلا يعود السؤال: "ما هي الوضعية الموضوعية الذي تبرر الاستثناء من القاعدة؟"، وإنما: "مَن الذي يقرر الضرورة التي تتجاوز القوانين الجارية؟" ينبغي، إذن، أن تتدخل ذاتية صاحب القوة والسلطان في إعادة تعريف واعتبار ما هو ضروري. إن صاحب السيادة هو الفيصل في تحديد الاستثناء: فليس سيداً بحق إلا من يقَدّر وحده الوضع الاستثنائي ويقرره؛ أما من يشاركه الغير في اتخاذ القرار فتكون سيادته منقوصة، على نحو ما كان يرى كارل شميت أحد منظري السيادة الكبار قبل عهد النازية، وفي أثنائه، وبعده.

لبلوغ هذه الذاتية الديكتاتورية (وتجاربها في البلاد العربية كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: "من أنتم؟" و"زنقة زنقة") هناك صيغ عدة: "الضرورة تجري مجرى القانون" أو "إنّ للضرورة أحكاماً" أو "ليس للضرورة من قانون البتة" ملثما يقول المثل الحقوقي اللاتيني (Necessitas legem non habet)، وما إلى ذلك. ويشتغل مفهوم الضرورة على أنه مطلق "بداهة " في حد ذاته. بهذا المعنى، يكتسي الوضع الاستثنائي طابعاً اضطرارياً مسوَّغاً موضوعياً، فينصب نفسه في مقام أبعد من الحق والقانون والعدالة. لكن كيف له أن يتحقق في هذه الحالة ومن يحققه؟ إنه لا يتحقق إلا بواسطة بداهة ذاتية وهي تلك التي يجسّدها صاحبُ القرار لما له من قوة الحدس وسرعة الفصل وقوة التنفيذ: هتلر مثلاً أو بوش أو بوتين. هكذا مثلاً، بذلت الولايات المتحدة الأمريكية كل جهدها من أجل استبعاد أي تفويض من مجلس الأمن لشن الحرب على العراق. ولقد ساعدها في ذلك الفرنسي دو فيلبان، وأرجح شخصياً أنه بقصد منه، عندما هددها مسبقاً باستخدام حق الفيتو! فأمريكا كانت تريد إقرار سيادتها الكونية باتخاذ قرار الحرب وحدها ولا تريد من سائر الدول إلا أن تصطف وراءها توابعَ ومقاطعات ملحقة بمركزها الإمبراطوري، وهذا ما حصل فعلاً في تلك الحرب. وكان كارل شميت من بين الفلاسفة المقروئين حينئذ في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، وهو القائل: "ليس صاحب سيادة إلاّ من يحسم القرارَ". وشيئاً فشيئاً، لم يعد الاستثناء تأكيداً للقاعدة، بل صار الاستثناء هو القاعدة، وصار العالم كلّه محكوماً بالاستثناء، وبات خرقُ القانون "مصدراً اعتيادياً لإنتاج القانون" كما يذهب إلى ذلك جيورجيو آغامبان. وهَهُنا يكتسي الاستثناء طابع "الأنوميا" أو"اللاّناموس" (anomie)، أي حكم "اللاّقانون". وللقارئ الكريم أن يدرك أن المقصود من ذلك ليس تعليق العمل بالقانون والتوقف مثلاً على محاربة الإرهاب، بل المقصود أيضاً، وهذا هو الأهم، تعليق وحقوق المواطن في الداخل، وحقوق الشعوب والمضطهدين في الخارج، وحقوق الإنسانية بعامة، وإعادة صياغة مفهوم العدالة بالكامل بناء على ذاتية القوة وحدها.

في هذا الإطار الواسع يأتي "قانون قيصر" منافياً لقانون الحرب الدولي نفسه: دولة عدو لدولة أخرى تسنّ قانوناً ينزّل عقوبة جماعية على شعب يعاني من ويلات حرب أهلية ومتعددة الأطراف الأجنبية، ويتحمل فيها نظام تَعُدُّه تلك الدولة عدواً قسماً من مظالم الحرب.

وكان من شأن الثورات العربية أن تقتلع الإرهاب من جذوره وأن تغير الأنظمة بالنضال الاجتماعي الديمقراطي والسلمي. لذا، نظرت القوى المضادة للثورة وفي مقدمتها أمريكا والحلف الأطلسي وروسيا والتوابع في المنطقة العربية وخاصة في الخليج، نظرت بعين الرضى للجماعات المتطرفة والمسلحة لسحق تلك الديمقراطية الاجتماعية.


6) أخيراً، في ظل الهبَّات والانتفاضات التي تشهدها الساحة العربية يعود "سؤال الاجتماعي" إلى مركز الصدارة. وفي الحالة السورية واللبنانية والعراقية، على وجه الخصوص، يرتبط سؤال الاجتماعي بسؤال التحرر الوطني. ولقد سبق لك أنْ كتبت في أحد أعداد مجلة الوفاق، صادر في العام 2006، قائلاً: "إن من يتوقف فهمه عند العمامة السوداء لزعامات المقاومة اللبنانية لا يفقه شيئاً في سياسة الشأن العمومي". لكن يرى البعض أنَّ هذا الصّف المقاوم قد وقف من السؤال الاجتماعي موقفاً "رجعياً" حامياً متصلّباً لنظام المحاصصة، وناقضاً لموقفه "التقدمي" في سؤال التحرر الوطني. وإذا أشرنا هنا إلى المقاومة اللبنانية فإنما على سبيل المثال لا الحصر. فكيف صرت تقَيّم اليوم هذه المسألة في ظل غياب كيان تقدمي يؤلّف بين الاجتماعي والوطني في برنامج واحد، والحال أنه قد مرت على مقالك حوالي 15 سنة؟

الجديد في ما ينعته هذا السؤال بالهبّات والانتفاضات وأنعته شخصياً بالثورات هو أنها تجاوزت المطلبية الاقتصادية والاجتماعية بعيداً إلى مطلب الكرامة والحرية بما في ذلك حرية الضمير لا حرية المعتقد فقط (تونس)، وإلى مطلب الديمقراطية والمؤسسات المنتخبة والمشاركة المواطنية، ونادت برحيل النظام موجهة جام غضبها واحتجاجها إلى رموزه السياسية الاستبدادية ورموزه القمعية المباشرة والمرئية. في تونس، صرخت "خبز وماء، والزّين لا!" (زين العابدين لا!)، ولوّحت بتلك الحركة اليدوية، الرمزية والسلمية، أمام وزارة الداخلية وسط العاصمة، والتي تعني "إرحل!" (ديغاج!) والتي صارت شعار المحتجين في العالم. في مصر، عرّى المحتجون عن صدورهم لمواجهة البلطجية. في اليمن، كتب الأطفال على محيّاهم كلمة "إرحل"، وكتبها الكبار نساءً ورجالاً على ألواح من طين "بدائي" إيكولوجي جميل. وفي درعا، أضيئت الشموع ورقص الشباب مطالباً بالحرية. لكأننا بالجموع تودّع بتلك الطريقة عشيراً مزعجاً استأنست الأجيال المتوالية بشروره قروناً طويلة، وهو الاستبداد الكريه الذي يرى في ضحاياه، أي في مجموع الشعب، مجموعة "جرذان". هذا مشهد ثورات تبدأ سلمية قلّما شهدها تاريخ العالم. وهذا بالتحديد ما أقضّ مضاجع القوى المضادة للثورة في الداخل وفي الخارج فكشرت عن أنيابها، ويحدث لها في الأثناء أن تنهش بعضها بعضاً وهي قد اجتمعت كلها مجتمعةً تنهش الثورة. وكانت الأنياب أحدّ وأكثر وحشية في سوريا منها في سائر العالم العربي وفقاً لاستراتيجيا سياسية وجيو سياسية ماكرة تجرّ الوضع نحو العنف ليكون فيصلاً في الوضع وفي المآل. فالأنظمة غير الشرعية لا تحتمل طويلاً أصوات الحشود الصارخة لأنها تسقطها كما تسقط خلخلةٌ ثمرًا فَسُدَ في غصنه، فإما أن تستسلم وإما أن تقاوم بالعنف الشديد.

ولكن البورتريه "النمطي" الذي كان المتَخيَّل الغربي العامّي يصطنعه عن العربي "النمطي" يصوّره إمّا جائعاً عنيفاً، أو إرهابياً يحلم بقضية خاسرة، أو أميراً يفني أمواله في اللهو والمجون، أو مهاجراً يُعكِّر نقاء المشهد الثقافي والذوقي، أو غنيّاً شرهاً يتزوج أربع ويجلدهن وينجب منهن الأطفال بلا حد اللهم ما تفرضه الطبيعة، أو ذلك العدوّ الرمزي الآتي من غور تاريخ الحروب الصليبية، إلخ... وفي ذلك البورتريه نرى أيضاً المجتمع العربي أو المسلم مجتمعاً ساكناً ولا ديناميّاً، ما يجعل منه "استثناء" من القاعدة العامة التي تحكم المجتمعات السّويّة الدائبة على التطور والتغيير والتقدم ولها القابلية للتأوْرَب التي كان أدموند هوسَّرل، في الثلث الأول من القرن العشرين، يرى فيها المصير الكوني للإنسانية قاطبة.

والنخب العربية جميعها تقريباً، يمينها ويسارها، علمانيُّوها وإسلاميّوها السياسيّون، مجمعون على استبطان ذلك البورتريه يستنسخون من خطاطته، كلّ بطريقته الخاصة ولمقاصده الخاصة، قواعدَ المعرفة وتعاليم العمل! والثورات العربية الأخيرة هي التي حرّكت السواكن تحريكاً عميقاً وقوياً فشقّت سكون ذلك البورتريه بالذات وغيّرت المشهد لنرى فيه كيف أنّ هذه المجتمعات بالذات هي التي تفتتح عصر الثورات الإنسية الجديدة في العالم وتصدرها إلى سائر المعمورة مبرهنة على بطلان أطروحة "نهاية التاريخ". وهكذا تنقلنا الثورات العربية من استثناء سلبي إلى استثناء إيجابي، إذا أخذنا طبعاً بمنطق الاستثناء الذي لا أستسيغه شخصياً في هذا السياق. وحتى في هذه الحالة، فإنّ الاستثناء السلبي هو الذي تولّد من أحشائه الاستثناء الإيجابي أيام "الربيع العربي". ونسمع هنا وهناك لغطاً كبيراً: أنظروا ما فعلت "ثورة البَرْويطة (العربة)" التونسية! أنظروا ما فعل "الخريف العربي" بالدولة الوطنية! والحال أن الثورة المضادة هي التي ساعدت على توليد جزء من المصاعب والعراقيل الاقتصادية، ونفخت في رماد النّعرات البالية، الجهوية أو الطائفية أو القبلية، وفرضت العنف بالراجمات، واستدعت بطريقة غير مباشرة الحلف الأطلسي، ونظرت فلولها وأحزابها وأجهزتها إلى الإرهاب بعين من يرغب في الانتفاع منه سياسيّاً وممّا يخلفه من فوضى، ومن شعور بانعدام الأمن وبعدم الأمان، ومن حيرة في النفوس ضارباً بذلك مسار الثورة الاجتماعية ومطلبها الديمقراطي. ثم إن الثورات المضادة، وقد انتصرت في أغلب البلدان العربية، سجلت بيدها جميع المصائب وجبر الضرر ودفع "الحساب" على لوحة الثورة!

تصطدم السياسات العربية منذ قرنين بمأزق مأساوي يمكن نعته بمأزق «الإمِّيّة» التي لا تترك للناس خياراً حقيقياً: «إمَّا» ديمقراطية ... و«إما» استقلال؛ وهو ما يعني: «إما» حرية في الداخل مصحوبة بتبعية للأجنبي... و«إما» استقلال وطني مصحوب بديكتاتورية. فيتبين الأمر في كلتا الحالتين على أنه لا يعدو أن يكون نوعاً من الدّجل لأن العرب يعيشون ديكتاتوريات بلا استقلال حقيقي، ويعيشون ضروباً من التبعية بلا ديمقراطية حقيقية. أما الاستثناء من ذلك فنادر. وفي العموم، لم توفق السياسات العربية، فكراً وممارسة، في الجمع بين مطلب الاستقلال ومطلب الديمقراطية.

وأضيف للذين لهم هواية خاصة بالمقارنات أنّ تاريخ الغرب يبيّن كيف أن الفعل الذي يُجري الاستقلال القومي، والفعل الذي يُجري الديمقراطية هما في واقع الأمر فعل واحد. فمن السويد حتى إيطاليا وقفزاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يتراكب الفعل الوطني والفعل الديمقراطي في حركة واحدة منسجمة ولئن ظهرت توترات وانزياحات بين هذين التعبيرين المتلازمين عن السيادة الوطنية من جهة، وعن السيادة الشعبية من جهة أخرى. خُذي من بين الأمثلة الكثيرة مثال الولايات المتحدة الأمريكية ومثال حرب استقلالها عن العرش البريطاني، فسترين أن الدستور الذي أعلن الاستقلال هو نفسه الذي أسس الديمقراطية.

لقد كان من المأمول أن تؤذن الثورات العربية بانتهاج بديل غير مسبوق ولو كان مساره طويلاً متناقضاً ومتعرجاً؛ بديل يجمع بين الحرية إزاء الخارج (استقلال) والحرية في الداخل (الديمقراطية والتعددية السياسية والعرقية والفكرية والمذهبية...) بداية بالقطع في مرة واحدة مع سياسة "اليد من فوق" (النخب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية والدينية) ومع سياسة "اليد من خارج" (الاستعمار قديمه وجديده، التبعية، الاحتلال، الوصاية، إلخ...). الجديد إذن في كل ذلك الحراك الثوري "من تحت" الذي تتابع في المكان والزمان وما يزال سارياً إلى هذا اليوم (السودان، الجزائر، لبنان)، أنه يوقِف، ولو للحظة قصيرة، تسلّط اليد "من فوق" وتسلط اليد "من خارج". أليست الثورة كما يراها فالتر بنيامين إيقافاً أو تعليقاً لزمانية تاريخ الاضطهاد؟ وهي كذلك لأنها توقف أو تعلق "التقدم" الأعمى الذي يأتي على الأخضر واليابس بالحقيقة لا بالمجاز، استغلالاً واضطهاداً للبشر وفتكا بالطبيعة، فإن لم ينجح بديل الثورة فأقلّ الثورة أن تُخلّف إصلاحاً.

- أما في ما يتصل بالمقال الذي نشرته في العام 2006 بعنوان "خواطر متداعية بقلم عقلاني"، فتناولت فيه دور المقاومة اللبنانية في ذلك الوقت بالتحديد. ولو أعدت كتابته وفقاً لسياق تلك الفترة وعلى ضوء المعطيات نفسها لما بدّلت فيه شيئاً يذكر من حيث جوهر مضمونه. والمعنى العام والأساسي الذي استقصيته في ذلك المقال هو أن الحكم في القوى السياسية يجب أن ينبني على الوضع وعلى الموقف لا على المنطلقات الفكرية والإيديولوجية والدينية حصراً. ففي مجال السياسة على الأقل تُقيَّم النيات بالأفعال وبالنتائج. ولذلك قلت في ذلك المقال بأن للحرية دروباً غير مسبوقة، وبأن الشعوب وقواها الحية المحرّكة تبتكر دروبها الخصوصية في طلب الانعتاق. وفي سياق مثل ذلك السياق، سقت العبارة "إن من يتوقف فهمه عند العمامة السوداء لزعامات المقاومة اللبنانية لا يفقه شيئاً في سياسة الشأن العمومي"، والمقصود بالزعامات بعض القيادات الدينية الشيعية. والمعنى العام: من الغلط أن نستنتج الفاعلية التي تحبل بها القوى السياسية المشروطة اجتماعياً وتاريخياً ومواقعياً من التصنيفات النمطية الجاهزة، كأن نبني، مثلا، التمييز السياسي الاجتماعي علي التمييز بين العلماني والديني فحسب.

فإنّ علاقة السياسة بالفكر أو بالدين أو حتى بالإيديولوجيا العملية (مثال بعض الماركسيات الأرثوذكسية) هي من أشدّ القضايا تعقيداً. ولقد زاولتها، قدر المستطاع، مثلما زاولت الميتافيزيقا بحكم المهنة، فرأيت كيف أن العلاقة التي تربط العمل السياسي بمنبعه الفكري أصعب مراساً وأعسر على الحل من مسائل الميتافيزيقا واللاهوت النظري. وسببه أن الفكر النظري و"الإيديولوجيا" (علم الأفكار) يتحركان على مدى الفترات الطويلة ولهما من التجريد ما يكسبهما حدّاً أدنى من الثبات النسبي حتى ولو كان مزيفاً وخادعاً، بينما السياسية هي مخاطرة على مدى الفترات الصغيرة، وهي مرتهنة بمصالح متضادة وبآراء متنافسة وبموازين قوة متقلبة يتقلّب معها "الصديق" و"العدو". العلاقة هي إذن علاقة بين الثابت والمتحول. فهل هي ممكنة؟ وإذا كانت ممكنة، فهل هي يسيرة؟ أكتفي بالقول، في هذا المضمار، إنه ليس هناك أفضل من ردّ كاثرين الثانية قيصرة روسيا على الفيلسوف ديدرو الذي اقترح عليها مراراً خُطاطات مُثْلَى لإصلاح بلادها، فذكرت في سنة 1785 (إثر وفاته) أنها خاطبته «بصراحة» قائلة: «سيدي ديدرو... أنت تكتب أفكارك على ورق يحتمل كلّ شيء، ورق صقيل وبسيط كله، فلا يقيم عائقاً لا ضدّ مخيلتك ولا ضد قلمك، بينما أنا إمبراطورة مسكينة، أشتغل على الجلد البشري الذي له صنوف أخرى من التهيّج ومن سرعة الانفعال». ليست السياسة إذن كما يقال "فن الممكن" فقط، بل هي وبالخصوص "فن تدبير الإكراهات". والاكراهات تفرض على "القيم" المفترضة أن تنصاع لضرورات الفعل السياسي، وما على الخطاب الإيديولوجي إلا أن يتحذلق في تبريره.

غير أن الكثيرين من أهل السجال السياسي النظري والعملي، وخاصة في الوسط الميديائي، ينطلقون من النصوص، دينيةً كانت أو علمانية، لتفسير التاريخ والفعل السياسي في التاريخ. وهذا ما ينتهجه مثلاً الحداثيون العرب جنباً إلى جنب مع الأصوليين الدينيين، فأولئك مثل هؤلاء يعتبرون أن النص هو مبدأ كل شيء: الأصوليون يفسرون "انحطاط" مجتمعاتهم بترك النص ومعه تفاسير الأوائل، والحداثيون يفسرون "تخلفها" بالتمسّك بالنص وبتفاسيره القديمة! فأي فرق بين هذين الشكلين من التفكير؟ إني لا أرى فرقاً بينهما اللهم من حيث المحلولات الخيميائية التي تلوّن المضمون. لذا، فإن ما يحكم النص والتاريخ ليست علاقة استنباطية أو استنتاجية نستخرج بفضلها الواحد من الآخر استخراجاً مباشراً. يمكن لكل من النص والتاريخ أن يقرأ الآخر ويتأوّله بعدسته ووفقاً لشبكته الخاصة. وهذا أمر مختلف عن الاستنباط الآلي وعن نظرية الانعكاس. هكذا، على الأقل، حاولت أن أفهم أهمية حركة المقاومة اللبنانية في مواجهة إسرائيل والتي كانت تتزعمها قيادات دينية في لحظة خاصة هي الحرب على لبنان في عام 2006.

غير أن الأوضاع السياسية بدأت تنقلب منذ نهاية 2010 وبداية 2011 مع الثورة التونسية وما تلاها من ارتجاجات قوية وعميقة تعاقبت متسلسلة في نقاط من العالم العربي وهزت المواقع والتصورات والمتخَيَّلات الاجتماعية و"رأس المال الرمزي" فبدّلت، بل وقلبت بقوتها مواقف واستراتيجيات القوى الفاعلة يميناً ويساراً، ومسَّت وضع الفصيل الأبرز في المقاومة اللبنانية. فتبدَّل بذلك السياق برمته. والسياق ينزل بوزنه الثقيل على أدمغة الناس، خاصة في أثناء الثورات والزلازل التي تهز المجتمعات والبلدان والأمم بأكملها. وعلى محكّها قد يصبح التقدمي رجعياً، والمحافظ متلبساً بالثورة وبالتغيير عندما يجد فيها، بالرغم عنه، ملاذه أو قارب نجاته؛ قد يتَلَبْرَل الشيوعي، وقد يصبح الليبرالي فاشياً، إلخ... هَهُنا تنكشف الحدود الطبيعية التي ليس ممكناً للقوى السياسية أن تتجاوزها. إن القوى السياسية الفكرية الاجتماعية بالخصوص، مثلها مثل الأفراد، متعددة الانتماءات والأصوات. كل انتماء يتضمن إقصاءً وفقاً لقاعدة التمييز بين "داخل المجموعة" /"خارج المجموعة" (In-group / Out-group): الطائفة أو القبيلة، الحزب، الطبقة، الجماعة الوطنية، الدين، الأمة أو القومية، الإنسانية، إلخ... إنّ فضاء من هم في "داخل المجموعة" وفضاء من هم "خارجها" لهما حدود متحركة ومتبدِّلة باستمرار. ففي وقت القوة والمدّ، تنفتح الحدود ذهاباً من الانتماء الأضيق إلى الانتماء الأوسع. وعند الضعف والخوف، تنقبض الحدود إياباً من الانتماء الأوسع إلى الانتماء الأضيق.

وبالطبع، وفي أثناء الأزمات الجارفة، يبحث الانتماء الأضيق عن أضيق آخر شبيه به في العالم. بالنسبة لبعض الأحزاب والقيادات، كان الانتماء الأوسع، قبل الثورات العربية، ينشد الإنسانية فيراها مثلاً في فنزويلا وفي تشافيز؛ لكنه انكمش أثناء الأزمة الثورية فحلَّ محله الانتماء الأضيق الذي ينشد طائفته، وعاد إلي حضنه الأول، تحصيناً للنفس من التقلبات العاتية وعملاً بـ«قانون بقاء المجموعات الحيوي»؛ فأمسى الأفق الأضيق يكاد يحبس الإنسانية على إيران، والرمزَ على السيد خامنئي رافعاً إيّاه إلى مقام القدسية التي للإمام الحسين، بل وجرّد أيضاً هذا الأخير من وظيفته الرمزية العظيمة، التاريخية والحالية، ومنحتها لذاك.

ومفاد الأمر في الأخير عندي ليس البتة دينياً بل هو سياسي إذْ نرى كيف تُطوَّع القيمُ الدينية للإكراهات الموضوعية التي تحيط بالسياسة فتنصاع لها، مثلما ذكرت سابقاً على وجه التعميم لا التخصيص. وربّما حسنا ما فعلت الثورات العربية، ففي مثل هذه الأزمات والثورات تُختَبَر الأحزابُ السياسية في امتحان المصائر الحاسمة. والثورة إذا حدثت فعلت ما يفعله ناقد الدراهم عند قدامى العرب فأجْرَت النقد على السياسة، أي الغربلة والفرز بين الحقيقي والمزيف بعد طول نفَس ومجاهدة.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020