• Anas Ad

اللّيث من أُذنيه| تأمّلات في الآداب السّلطانيّة

أنس الأسعد


كان بإمكان بومبيوس أن يضعَ الجمهورية تحت قدميه لكنه لم يفعل، كبح طموحه، سرّح الجيش ودخل المدينة كمواطن عادي، كان يتطلّع لأن يكـون ديكتاتوراً لكن برضى الشعب... بـيد أنّ التـخلّـص من الحـليف لا يـقلّ صـعـوبة عن التخلّـص مـن الـعدو. (تـأملات في تاريخ الرومان: مونتسكيو).


إنّ إزالة القوي بالقوي تجلب الضعف، وإزاحة القوي بواسطة الضعيف تجلب القوة. كيف؟ الرجل يتكلم بلسان السلطة، ووجهة نظرها؛ أي إنّ الاستناد إلى الشعب القوي لإزاحة سلطة قائمة يضعف الحاكم فيجب أن يحكم الأمير شعبا ضعيفا!

جوانغ تشون شو (المستطرف الصيني: هادي العلوي). ______________________________________________________________


كامِيرا المُتَلَمِّس


صورة الحاكم على هيئة الضواري المفترسة، مسألة تمّت حلحلتها في التلفيق الخرافي الديني بما يسمّى “الكرامة”، فيبدو الشيخ أو القطب من خارج السلطة، إمّا ممتطياً للضواري وقد تألّفت طباعُها على يديه، في إشارة واضحة لا تحتاج لكثير من الرمزية حتى تُقرأ ومثال ذلك عبدالقادر الجيلاني (الصورة) الخليفة المعنوي لعامة بغداد، أو يتحوّل العالِم بحد ذاته بعيون الحاكم إلى أسد أو نمر ومثال ذلك العز بن عبدالسلام، أو ابن تيمية. قلّة قليلة من السالكين والعلماء كانت ترفض الكرامة بشكل عام، على اعتبار رفض الكرامة بحد ذاته كرامة، سفيان الثوري مثلاً. مع الآداب السلطانية، تمّ التطرق إلى ذات المسألة ولكن بإعادة توجيهها نحو بطانة الملك، أو العلاقة بين النخبة الحاكمة، كعلاقة الوزير بالملك، والإشارة هنا ليست للانتقاص إنما للحذر. وبسياق متصلٍ يقول الطرطوشي عن هذه العلاقة في سراج الملوك [كراكب الأسد يخافُه الناس وهو لمركبه أخوف]. وهذا يذكرنا بمقولة تُنسب لابن زيدون، غاية في التصوير والبلاغة، يصف فيها علاقته كوزير بالمعتضد بن عباد "كنتُ وإياه كمن يمسك الليث من أذنيه". أمّا الماوردي فقد خصص أحد كتبه في مشروعه الأدبسلطاني للحديث عن الوزير فقط. في حين تعود شهرة ابن رضوان، صاحب الشهب اللامعة في السياسة النافعة، إلى قدرته على صحبة 8 سلاطين خلال 42 عاماً، الأمر الذي يفسّره إحسان عبّاس ب[مقدرة على إيقاف الطموح حتى لا ينفذ إليه منه الأذى]. أخيراً يتحدّث الوزير المنكوب لسان الدين بن الخطيب عن تجربته ب[سيرة الوزير مع من يتطلّع لهضبته ويحسده على مرتبته].

للدخول في صلب الموضوع علينا الوقوف مع هذه المحاولات النظرية الرصينة التي يمكن من خلالها ترسيم خطوط عريضة تجلّى عبرها موقف اعتمده كمال عبداللطيف عنواناً لكتابه تشريح الاستبداد. لنقف على ثلاثة نماذج/قراءات تختلفُ في طريقة التعاطي مع الأدب السلطاني. أولها: بداعي الموقف الحقوقي. وثانيها: ليس بداعٍ يُفْصِح عنه صاحب القراءة إنما لقيود منهجية حدّتْ من اجتهاده حتى وهو يستعير ويحاور بكل اقتراب النصَّ الميكافيللي المؤسس لأدبسلطاني كوني. وثالثها: بداعي اتهام للآداب السلطانية بالنقص في تشكيلٍ مُحْكَمٍ لنظرية سياسية كاملة. وعليه فمن الإجحاف أن نسوّي بين هذه المستويات الثلاثة قبل وعي دوافعها، وتفصيل القول فيها، لهذا سنتدرج بها تباعاً بدءاً بالأكثر تطيّراً من موضوعة الآداب السلطانية إلى الأقرب فالأقرب.

  • أ‌- خطاب العدالة في كُتب الآداب السلطانية:

في 86 صفحة صادرة عن المركز العربي للأبحاث يناير 2014، يستعرض أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة مكناس، إبراهيم القادري بوتشيش، وبخطّة درسية أكاديمية مُيسّرة، خلاصات ونتائج مأخوذة من أربعة متون أدبسلطانية، المتون هي: نصيحة الملوك (الماوردي) التبر المسبوك في نصيحة الملوك (الغزالي) الإشارة إلى أدب الإمارة (المرادي) الشُّهب اللامعة في السياسة النافعة (ابن رضوان) لكن لا تلبث أن تتحوّل صفحات الكتاب إلى محض مرافعة حقوقية وبلغة حديثة جداً لتُسائل وتستجوب نصوصاً تراثية من قرون خلت، وتحمّلها كل مصائب السلطان الحديث!.


منذ الفصل الأول المعنون ب[المفهوم والشكل والمحتوى]، يعترف بأنّ العدالة هي موضوع الآداب السلطانية بين المخاطِب/الكاتب وبين المُخاطَب/السلطان، وأنّ مفهوم العدالة يكشف عن بُعدٍ دنيوي، لكنّه بالمقابل لا يحتجّ على اعتبار العدالة مسؤولية أخلاقية غير ملزمة للسلطان إلّا ليفتّش عليها في عالمه الحقوقي المهجوس بالبحث عن الدستور والدولة المدنية، سعياً منه وراء تحطيم مقولة المستبد العادل. وفي حين لم يبتعد الفصلان الثالث [الحاكم بين ازدواجية السلطة المطلقة والعدالة] والرابع [حقوق الإنسان في الآداب السلطانية] عن ذات النغمة الحقوقية يبدو الفصل الثاني متفرّداً دون باقي الفصول بالتخفيف من حدّتها. إذ يبحث الكاتب عن [المرجعيات المؤسّسة لخطاب العدالة] وفيه تحليل قيّم من ناحية التوليفة التي أقامها بين المرجعيات الأربع التي اعتمدها: أوّلاً نمط الإنتاج الآسيوي؛ هو التربة الصالحة للاستبداد الشرقي، متبنياً في ذلك (سقراط،هيغل، مونتسكيو). ثم مرجعية المأثور الديني ثانياً؛ وهنا يأخذ المؤلف على الأديب السلطاني بأنه ليس رقيباً على السلطان إنّما سعى إلى تليين الفجوة بين السياسة والشرع، وهذه النتيجة تبدو منطقية إذا علمنا أنّ المؤلف أهمل شخصية إشكالية كابن المقفع لا عن المتون الأربعة وحسب، بل ولم يُشر إلى العلاقة الوثيقة بين مقتله وموقعه المؤسس ككاتب سلطاني. لكنّه في المرجعية الثالثة، الكونية يقف على مقولة لعبدالله العروي تكثّف القيمة التحديثية المثلى للنص السلطاني: [إنّ مؤلّفي الآداب السلطانية لا يمّيزون بين شرع النبي، وعدل أنوشروان، وعقل سقراط]. في حين أنّ المرجعية الرابعة }التاريخية تنظّم هذا النوع من الكتابة بتاريخه الإسلامي والديني الخاص. أخيراً لا يخفى على القارئ، بل لا يُخفي الكاتب مرجعياته -هو- الكتابية التي تكاد تذوب بعضُ قطعها في المَعْلَمة التشريحواستبدادية للمفكر المغربي كمال عبداللطيف.

  • ب. الحب والخوف والربيع العربي

بعد تمهيد بسيط شمل حالة الانتفاضة العربية في عمرها الثالث، يُثبِّتُ الدكتور في جامعة كولومبيا جوزيف مسعد، عبارةً لميكافيللي في بدايات مقالته البحثية الموجزة التي نشرتها Public Culture في كانون أول/يناير ٢٠١٤، مستوحياً عنوانه منها، ومُسدِلاً قُطبَي ثنائيتها على جسد نصّه كاملاً، وما فيه من أمثلة. تقول العبارة الأميرية: إنّ الحُكَّام يودُّون لو يكونوا الاثنين معاً، ولكن نظراً لصعوبة تحقيق الأمرين في الوقت نفسه، فإنه إذا كان لا بد لهم التخلي عن أحدهما، فالأكثر أماناً هو أن يكونوا مُهابين على أن يكونوا محبوبين] انطلاقاً من هذه النصيحة يقرأ مسعد الانتفاضات العربية، (متحفّظاً على مصطلح الربيع) وكيف أنّ ثنائية الحب والخوف هي التي تحكم تحركات الشعوب، وهي أيضاً ملتبسة بكل موقف تتخذه الجماهير ليس تجاه الحاكم فقط= الخوف أو الحب العمودي، بل وباتجاه نفسها= وهنا التنبيه على اللحظة الشعبية التي جمعت الناس في الميادين ومثّلت بينها حالة الحب الأفقي. بدورنا سنتجاوز مواضيع المقال بما فيه من أقيسة تاريخية متشعبة، ولغة متكّلفة جداً، إلى كيف قُرِأت هذه العبارة الميكافيللية بالذات؟.


منذ صدور (الأمير) ومنع الكنيسة له، حتى عصرنا الحديث لم يكن لميكافيللي ومقولاته أن توجد أو تُعتَمد بشكل صرف من غير استثناءات توضيحية، أو تأويلية حذرة. من جهته انتظر اليسار وتياراته طويلاً حتى بدأ يستثمر بالنّص الميكافيللي، بعيداً عن النظر إليه كتهمة، ولم يتحقق هذا إلا مع المفكر الإيطالي أنتونيو غرامشي، ومفهومه الذي سمّاه بالأمير الجديد، معتبراً الحزب هو الأمير؛ لاستحالة تحقق معاني (الأمير) في عصرنا الحديث بأشخاص معيّنين. من بوابة التأويل الغرامشي إذن بدأت القراءات اليسارية تتناول النص الأميري، وهذا ينطبق تماماً على نموذجنا المدروس، أي مقال جوزيف مسعد، الذي يصف غرامشي بالقارئ الحاذق لميكافللي، قبل أن يُكمل في عرضه بحركة باتت معروفة ومكرورة جداً، إذا ما قيل غرامشي في المقدمة، وخاصة عند المدرسة مابعد كولونيالية التي ينتمي إليها مسعد، ونقصد بها استعارة مفهوم الهيمنة منه مباشرة. أيضاً ليس هذا ما يستوقف بالمقال، فهذه أشياء درج على تكرارها مسعد في غير موضع، مع أو بدون ميكافيللي.


نبقى إذن مع الطريقة التي تموضعت فيها عبارة ميكافيللي في قراءة مسعد، وهل الخوف والحب هو احتكار تمارسه السلطة فقط؟ وما الجديد في هذا؟ وهنا يبدو التكرار قد تعدّى ما هو أسلوبي على صعيد اللغة عند مسعد بالذات، أو الموضوعي على صعيد موقفه السياسي، تعدّى التكرارُ هذين المستويين إلى مستوى نظري مؤدّاه: (قال ميكافيللي كيت وكيت، ثم أضِفْ القليل من الغرامشي فوقه، فهذا هو يتحقق الآن) عندها لا تتبخّر المرحلة التاريخية التي أنتجت نصّاً كالأمير إلا ويتبخّر معها كل الدرس العملاني الذي اشتغلَ عليه ميكافيللي ويصبح درساً مكروهاً غير محبوب، وبذلك نكون قد اكتفينا بالوقوف عند الحدّ الأول من الحدود الجدلية بالتعاطي معه. وخير ما يمكن أن يعلل هذا الكره، هي أن عبارات ميكافيللي جريئة أكثر مما هي في فكره، وهذا درس نسبوي يبدو أنّ د.مسعد لم يلتفت إليه وهو الما بعد حداثي الجريء، الذي يُسوّي في الجوهر بين الأنظمة الديمقراطية والأوتوقراطية بطريقة الهيمنة والقمع!. كل هذا ومسعد لم يستعر من غرامشي إلا مفهومه عن الهيمنة فقط وهذا توسّعٌ في غير مكانه، فأنت لو فتّشت نصّ مسعد مرّة أخرى لن تجد به أي اجتهاد، بل حتى استعارة واحدة بخصوص الأمير الجديد، والطريقة الممكنة لاستحضاره في هذا الآن والراهن.

  • ج. الاستثناء والسيادة:

وهي محاضرة للدكتور أحمد عبدالمجيد، مُدرّس الفلسفة بجامعة سيراكيوز الأمريكية، ألقاها في مركز دال للأبحاث، بعنوان [حالة الاستثناء والجذور الدينية والعقلانية لمفهوم السيادة بين كارل شميت والإمام أبو المعالى الجوينى].


يُقيْم د.عبدالمجيد، درسَه المقارن بين مفكرين تقطعُ بينهما عصور واختلافات شتّى، فمن جهة لدينا الجويني المتكلم الأشعري، المعروف بالأدبيات السنّية بإمام الحرمين، عاش في القرن الخامس الهجري 419هـ – 478هـ، وبمقابله ينهض المفكّر الألماني كارل شميت (1888-1985) الذي يعدّ أحد نقاد الليبرالية، ومن أكثر المحتفين بصعود هتلر والمنظّرين للنازية. فكيف أقام الدكتور عبدالمجيد مقارنته بين هذين الاسمين، وما علاقته بموضوعنا الآداب السلطانية؟


تبدأ المحاضرة بالحديث عن نظريات العقد الاجتماعي في أوربا القرن السابع عشر، وعن الدستور أو القوانين الاجتماعية التي لا تقوم إلا على أسس عقلانية نستطيع أن نفسّرها، مثل هذه المبادئ كانت عماداً لأفكار فلاسفة كاسبنوزا وكانط. بالعكس منها تماماً هو ما قال به في القرن العشرين الفيلسوف كارل شميت الذي ذهب إلى أننا لا نستطيع الاعتماد على العقلانية في تفسير القوانين، إنما يتم وعي السيادة من خلال اللحظة التي يتم فيها رفع القوانين، وهي لاشك لحظة استثنائية غير عقلانية. وهنا يقف د.عبدالمجيد ليلتقط هذه الفكرة ويقاطعها مع معادلاتها الإسلامية، عند الجويني في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم)، بوصفه أحد الروّاد السبّاقين حتى على المفكر الأشعري الغزير أبو حامد الغزالي. فميزة الجويني أنّه على عكس المتكلّمين لم يتوسّع في حديثه عن الإلهيات، بقدر ما خاض في الإمامة، الموضوع المهمل في علم الكلام. قصب السبق هذا سيتعدّى علم الكلام -حسب عبدالمجيد- إلى مؤلّفي الآداب السلطانية الذين لن تجد عندهم سوى النصائح، وهي بعيدة كل البعد عن النظرية السياسية الإسلامية كما صاغها الجويني.


وبمقابل تقاطعات القول الواحد بالاستثناء بين شميت والجويني فإننا نلمس اختلاف في المآل على اعتبار أنّ حالة الاستثناء عند الجويني ناجمة عن غياب السلطة، بقدر ما هي عند شميت ناجمة عن حضور للسلطة، وبذلك فإن الجويني مهموم جداً بسدّ هذه الثغرة اللاسلطوية إن وقعت، من خلال استعانته بما يسمّى في الأدبيات الأشعرية بالبديهة وهنا نجد أنفسنا قد عدنا إلى نزعة عقلانية محضة تُفرّق بين الجويني وشميت. ولمّا كانت هذه البدائه مختلفة بين الناس فإنّ دور السيادة حماية هذه التعددية، (تخلل هذه النقطة الإشارة إلى التعريض الأشعري المكرّس بالخليفة المعتزلي المأمون) وهنا يأتي دور الإمام عند الجويني، أو الراعي الوظيفي بتعبير د.عبدالمجيد، دوره ليس بفرض الاستثناء غير العقلاني في محاولة لإرشاد العلاقات السياسية كما في التنظير النّازي لشميت، إنما بحماية التعددية العقلانية.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020