top of page

القِمَطۡر: مُقَدّمة في الڪِٺٰابولوجۡٻـٰا

تاريخ التحديث: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢١

مادة لـ عمر زڪريا



"القِمَطْرُ والقِمْطَرةُ:ما تُصان فيه الكتب؛ قال ابن السّكّيت: لا يقال بالتشديد؛ ويُنشِد: ليس بعِلْمٍ ما يَعي القِمَطْرُ، ما العِلْمُ إِلا ما وَعاه الصَّدْرُ. والجمع قَمَاطِرُ."
لسان العرب

  • تمهيد

تُصان الكتب بقراءتها، تمامًا كما قال ابن السكّيت، فبقراءة الكتب ينتقل ما فيها إلى عقل القارئ وفؤاده دون أن تُغادر الحروف جسد الورقة التي عليها. هكذا وهكذا فقط يُقدَّر الكِتاب، بقراءته وفهمه وحفظه وشرحه. أمّا وبعد أن وقعت الكلمات المكتوبة على القلوب ذاك الوقع الأثير ظهر القِمَطْر ليحفظ ذلك الجسد من التلف والاتـساخ. القِمَطْر يأمُل أن يحفظ الكتاب لتُعادَ قراءته لا لكي يزيّن المكتبة، وإلّا ضاع جهده بضياع هدفه.

هذا بعضٌ من اللامرئي في الكتب. وبقدر ما تبدو هذه العبارة غريبة، لأنّنا ببساطة يمكننا التعرّف إلى كتابٍ ما إن تقع أعيننا عليه، ولا يوجد ما هو غير مرئيّ فيه، فهو مادّة وكتابة صُنِعَ لكي يُقرأ، صُنِع لكي يُرى. فحتى ما بات يُعرَف بالكتب الصوتية هي كُتُبٌ أُعِدَّت لكي تُقرَأ وقام صاحب حقوقها بتسجيلها.

لكنَّ هذا المتن ليس عن الكتب الصوتية أو حتّى الإلكترونية، فالكتب الصوتية والإلكترونية ما زالت عاجزةً أمام هذا المستمر الصامد الذي ما زال يدويًّا مع كلّ تغيُّر أساليب نسخه وصناعته وطباعته.

لكن ماذا أعني بوصف هذا المتن هُنا بتلك العبارة الغريبة؟ إنَّ هذا المتن هو بداية رحلة في شؤون "الكتاب" التي لاحظتها والتي تقع بين عالميِ الكتابة والقراءة. منها ما هو شخصيٌّ ومنها ما هو بحثيّ، لكن في كلتا الحالتين هو يصبو إلى السير في دروبٍ بين نقاط المطر دون أن يتبلّل بها. قد نتكلّم عن فعل القراءة وحِرفة الكتابة وعن الحروف والنظام الصوتي، لكن ليس بهدف نقدها أو دراستها هي، إنّما بهدف توضيح نظرتنا إلى ذلك الجسم المستطيل الذي لطالما اسثتارني وربما استثارك أنت أيضًا.

العبارة تلك لن تكون غريبةً أيضًا حين نعلم أنّ دراسات الكتاب، بما هو ذلك الشيء الناقل للأفكار، بدأت تأخذُ حيزًا مهمًّا في شؤون المعرفة بسبب ما صارت تطرح التاريخ الفكري للعالم من وجهة نظرٍ مختلفة. إنّ دراسة المفاهيم السائدة لشعبٍ مضى اعتمادًا على الكلمات المكتوبة في وقتها دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالكتاب والكتابة قد تُعطي انطباعًا مغلوطًا للتاريخ الفكري لذلك القوم.


  • ڪِٺٰابولوجۡٻـٰا

العلوم الإنسانية تتداخل فيما بينها، واهتزَّ عرش التصنيف الصارم الذي تربَّع عليه التقليد الأكاديمي الجاف. لم تعد جميع الدراسات خاضِعَةً لأنظمة معيارية ثابتة تضع المؤلَّف بسهولة في خانة دون أُخرى. ربما هذا الاهتزاز سبق دخوله إلى أروقة كليات الجامعات قبل الدخول إلى أنظمة المكتبات العامة والأكاديمية. لكنّه الآن بدأ يدخل إليها أيضًا متأثرًا بمؤسسات شبيهة كمتاجر بيع الكتب. وهناك الكثير من المكتبات العامّة التي أرادت إدارتها تسهيل وصول القارئ المرتاد إلى الكتب فغيَّرت نظام تصنيفها ليصبح أقرب إلى متاجر بيع الكتب.

كذلك الأمر شأنُ الدراسات التي تقومُ بدراسة الكتاب متناولةً إيّاه بصفته شيئًا؛ بمعنى صفته بأنّه ذلك الوعاء أو الوسيط النّاقل للكلمات والأفكار والعلوم والآداب، بل الصوَر والرّسومات والموسيقى، رغم أنّها دراسات بالعادة تكون في الجامعات ضمن أحد برامج كليّة الآداب، لكن لا يمكنها إلّا أن تكون مرتبطة بالفكر النقدي والتاريخ السياسي والاجتماعي والفكري، إضافةً إلى العلوم الاجتماعية المحيطة بالكتب وتاريخ صدورها وكيفية صناعتها، وهذه الأخيرة تدخلنا إلى عالم علم الآثار (الأركيولوجيا)، حيث يهتم الباحث بدراسة المواد التي استُخدمت في الكتابة والكتاب سواء أكان ذلك الحبر أو الورق وغير ذلك. إنّها دراسات متشابكة وصلت العلوم ببعضها وذهب شأنها إلى تخصّصات التراث الثقافي المعنية بحفظ التراث وإدارة المتاحف.

ولكن ما اسم هذا العلم أو الفرع من الدراسات؟ في الجامعات الغربية لا يستخدمون مصطلحًا علميًّا موحّدًا فبعضهم من يسمّيه ما ترجمته "تاريخ الكتاب" وآخرون يسمونه "دراسات الكتاب". لكنّ اسمًا مشتقًّا من اليونانية يتم تداوله أحيانًا وهو ما تعريبه "بِبليولوجيا" وهو مشتق من كلمتيّ "بِبليو" اليونانية أي كتاب و"لوجيا" أي فرع دراسة. فنعود لتسمية دراسة الكتاب. لكنَّ كلمة "بِبليو" اليونانيّة هي جذر كلمة Bible بالإنكليزيّة أو Biblia بالإسبانيّة وهو المصطلح الذي يشير إلى الكتاب المقدّس لدى المسيحيين وحامل اسم "الكتاب المقدّس".

نصل بالتالي إلى أنَّ مصطلح بِبليولوجيا في الأكاديميا يعني أيضًا "دراسات الكتاب المقدّس"، وفي معظم استخداماته هو يُستعمل في هذا المعنى أكثر ممّا يُستعمل في الأوّل. والمثير للانتباه هنا أنّ عبارة "دراسات الكتاب" في اللّغة العربية حيث كلمة كتاب معرّفة بأل التعريف إذ تشير في غالب الأحيان أيضًا إلى دراسات الكتاب المقدّس نفسه. فما المخرج من هذا؟

يمكننا الاستعانة بأمثلة أُخرى من العلوم التي عُرّب اسمها فمثلًا إن كانت السوسيولوجيا هي علم الاجتماع والسيكولوجيا هي علم النفس فهل يصح أن نأخذ البِبليولوجيا لنترجمها إلى "علم الكتاب"؟

قد يبدو هذا الحل منطقيًّا في الوهلة الأولى. لكن يتبيّن فيما بعد عند مجرّد محاولة البحث عن استخدامات هذا التركيب المكوّن من مضافٍ ومضافٍ إليه أنّه قد حُجِزَ في اللّغة العربيّة مسبّقًا.

إنّ كلمة كتاب معرّفة بأل التعريف قد تقاسَمَها المسلمون والمسيحيون على حدّ سواء. وكما الحال مع عبارة دراسات الكتاب، فإنّ علم الكتاب هو علم القرآن أو علم فقه القرآن.

ها قد عدنا مجدَّدًا للتعابير المشحونة بمعانٍ لها دلالاتها الثقافية...

أقترح تسمية "كتابولوجيا" التي أُحبُّ وقعها. وهي جمعٌ بين كلمة "كتاب" العربية غير المعرّفة مع لفظ "لوجيا"، مانحًا "للكتاب الوعاء" أو "الكتاب الوسيط" مساحته للدراسة في هذا المجال. واختيار هذا التركيب العربي-اليونانيّ ليس اعتباطيًّا أو تقليدًا أعمى للحضارات اللاتينية التي قامت بإدخال لفظ لوجيا على كلمات موجودة لديها لتصنيف فروعٍ جديدة في العلوم كما حصل مع مصطلح سوسيولوجيا؛ فلفظ "سوسيو" له اشتقاق لاتيني و"لوجيا" كما أسلفنا من اشتقاق يونانيّ. وبعد ذلك حُوِّر المصطلح في اللّغات الأُخرى ليتناسب مع لفظها فأصبح مثلًا بالإنكليزية Sociology بعد أن أخذتها عن التحوير الفرنسيّ لها Sociologie.

ومصطلح كتابولوجيا ليس تقليدًا أعمى كذلك لتحويرات تراكيب هي يونانية بالكامل كمصطلح سيكولوجيا حيث "سيكو" اشتقاقها يوناني خلافًا لسوسيو.

إنّما يقوم هذا الاقتراح على اعتماد الادّعاء التاريخي بالامتداد البشري الفكري الذي بدأت به الشرائع والأفكار التي انطلقت من الحضارات في بلاد الرافدين وبلاد الشام وأرض الكنانة. وانتهت بعد ذلك في الرّابط الفلسفي الذي جاء أثناء حركة الترجمة في العصور الإسلامية الذهبية.

الاستناد الأوّل الذي سأعتمد عليه، بسبب ارتباط الحديث عن الكتاب، هو الأبجدية. كلمة أبجدية نفسها متكونة من الأحرف الأربعة الأولى في اللّغة العربية حسب الترتيب القديم لها أ ب ج د أو أبجد. هذا الترتيب قد ورثناه سابقًا عن حضارات بلاد الشام الأولى وتحديدًا الحضارات الكنعانية صاحبة أوائل الحروف الأبجدية.

يعود فضل نشر الحرف إلى شعوب البحر المتوسّط إلى مجموعات التجّار الملاحين المعروفين باسم الفينيقيين، إلّا أنّ بداية الأبجدية تُنسب إلى قبائل كنعانيّة أُخرى عاشت على حدود سيناء، مُستغلّة إبداعها في وضع نظام للأصوات المنفصلة ومستلهمة أنظمة الكتابة التي كانت قد ظهرت سابقًا في الشرق من حضارة الرافدين والغرب من الهيروغليفية المصرية.

بعيدًا عن التفاصيل الأركيولوجيّة والتاريخيّة للأحرف وعودةً إلى اللغة العربية فإنّ التشابه الأول يظهر بينها وبين اللّغات القديمة الأولى في أسماء الحروف الأربعة الأولى من الأبجديتين الآرامية والفينيقية: ألف أو أولف، بيث أو بيت، گمل (جمل، تُلفظ كالجيم المصرية أو القاف العراقية)، ودالث أو داليث.

مع نشر الفينيقيين للحرف على شواطئ البحر المتوسّط استقى الإغريق من جيرانهم على الشواطئ الشرقية أبجدية لا تبتعد كثيرًا عن جذرها واستمرّت حتى عصرنا الحديث. فإلى الآن، رغم التحوّلات الكبيرة في اللّغة اليونانية، فإنّ الحروف الأربعة الأولى هي أَلفا، بيتا، غامّا، ديلتا. وملفتٌ تشابه نطق اسم الحرف الأول من الأبجدية بين العربية واليونانية؛ ألِف وأَلفا.

امتداد الفكر والثقافة من الهلال الخصيب ومصر إلى شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، تحديدًا إلى اليونان ومنها إلى روما فالشعوب اللاتينية انعكس في زمن لاحق.

لم تكد الدولة العباسية في بغداد تفرغ من تأكيد ثبوت نفوذها حتى بدأ بيت الحكمة بحركة الترجمة للكتب اليونانية عبر السريانية، تلك الترجمة التي كانت عمودًا استند إليه فلاسفة العرب والمسلمين وعُلماؤهم لبناء المعرفة الإنسانية، امتدَّ بطريقٍ وصل حتى الإبداع في الفلك والطب والرياضيات وعلميِ العمران والتاريخ.

حركة الترجمة هذه انعكست مجدَّدًا في مدرسة طليطلة في إسبانيا بعد حروب استرداد الأندلس. حيث تُرجمت العلوم العربية إلى اللاتينية. ومع سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين التقى اليونانيون الهاربون منها بفلسفتهم مع الترجمةَ اللاتينية لشروحها العربية، في منطقة بين الأرضين، في إيطاليا منبع اللاتينية، لتولد حركة النهضة الأوروبية.

إنّ السياسة والحضارة ونمو الهوية المرتبطة بالمكان جعلت شعوب البحر المتوسّط منفصلة عن بعضها. جعلت المعرفة تحمل جنسيّةً، وجعلتها حكرًا لشعبٍ دون آخر.

ففي مضمار الهُويّة، تقول الأسطورة الرومانية ’الإنياذة‘ سليلة إلياذة هوميروس الإغريقية، إنّ روما أسّسها أبناء آينياس، قريب العائلة المالكة في طروادة، الهارب منها بعد المعركة الملحمية الشهيرة. أمّا فرنسا فحسب غوستاف لوبون في كتابه ’فلسفة التاريخ‘ فهو يؤكّد أنّ المؤرخين الفرنسيين حتى القرن السادس عشر اعتقدوا أنّ مؤسّسها هو حفيد الملك بريام، ملك طروادة، فرانك بن هيكتور ومن هناك أتى اسمها التاريخي "فرانك" (كلمة فرنجة والإفرنج هي تعريب لكلمة فرانك). وقد أطلقوا على عاصمتهم اسم "باريس" تيّمنًا باسم بطل ملحمة الإلياذة نفسه باريس بن بريام شقيق هيكتور الأصغر الذي خطف الأميرة هيلين وكان سببًا لوقوع الحرب.

إنَّ محاولة الربط الحثيثة التي قام بها الأوروبيون لإعطاء نسبهم أصلًا راقيًا أتت على نتيجتها. فبعد زمنٍ طويلٍ من الصراعات الدينية والسياسية والاقتصادية وامتلاك الأراضي وترسيم الحدود أصبحت اليونان الآن مع الاتحاد الأوروبي، ولا تتماهى مع شعوب شرق المتوسّط وجنوبه. نتيجةٌ لها تاريخ طويلٌ من التنافس تخلّله صراعٌ عثمانيّ روسي على منبع الأرثوذكسية بين السلطنة، العملاق المسلم، والقيصرية حامية الطائفة. وبين هذا وذاك دخل الغرب ــ أوروبيون على الخط ليمارسوا دورهم الاستعماري في المنطقة حيث انتهى الناطقون باللّغة العربية معلقين في نهاية المطاف بين الحداثة الأوروبية والأصالة العربية كأنّهما نقيضان تمامًا. في حين يتماهى اليونانيون مع الحداثة الأوروبية التي تبنّت سردية أصالتها التي تعود إلى الحضارة الإغريقيّة.

يبدو هذا التاريخ كلّه، الذي كان له إمكانية تشكّله بشكلٍ مختلف، مبرّرًا لكلمة... كتابولوجيا. إنّ تبريرًا طويلًا، شبه غير مفهوم، كالذي مرَّ هو ما سيحتاجه هذا المصطلح المركّب ليواجه أرباب الاستقلال العربي الدّاعين إلى النقاء التام. النقاء الذي يفرض على الناطقين بلغة الضاد استلهام المصطلحات من نظام التفعيلة العربيّ. ولكن لأنَّ التعريب أدخل كلمتي سوسيولوجيا وسيكولوجيا إلى القاموس العربي، اخترعتُ تبريرًا، ولكن ليس لتبرير المصطلح. إنّما لتبرير تلك الرغبة الأنانية الخالصة بإدخال اصطلاح ذي صبغة عالمية فيه لفظ عربي. فكتابولوجيا ليست bookology بالإنكليزية أو librología بالإسبانية ولا حتى هي ترجمة لبِبليولوجيا. إنّما هي kitabology وkitabología.

ولماذا هذا الإصرار الأناني؟ السرُّ يكمن في كلمة كتاب العربية نفسها.


  • الڪِتاب اسمًا

الحديث عن الكتاب يبدأ بالحديث عن اسمه المتداول؛ لماذا كتاب؟ الارتباط الواضح بين اسمه وفعل كَتَبَ وليس قَرَأَ ملفت. حتى أسماؤه الأُخرى يمكن أن تكون: مخطوط من خطَّ، مسطور من سطَّرَ، مؤلَّف من ألَّفَ... وهكذا. كأنَّ الكتاب مرتبط بصانعه ولا علاقة له بمستخدمه؛ القارئ.

في لغاتٍ أجنبية أُخرى مثلًا لا يرتبط اسم الكتاب بالفعلين الأكثر ارتباطًا به أي القراءة والكتابة. ففي الإنكليزية كلمة book ليست مشتقةً من فعلي to read أوto write. وفي الإسبانية فالكتاب libro أيضًا ليس مشتقًّا من فعل الكتابة escribir أو من فعل القراءة leer.

يزداد الأمر غرابةً حتى بمقابلة كلمة كتاب بمترادفاتها المذكورة سابقًا باللّغة العربية أيضًا، فإن قارنّاها بكل من مسطور ومخطوط ومؤلَّف نجد أنَّ اسمه ليس من نفس التفعيلة التي تَولَّدنَ منها صَرْفيًّا أو اشتقاقيًّا، فالكلمات الثلاثة المذكورة هي أسماء مفعول في حين أنّ اسم المفعول لكَتَبَ هو مكتوب وليس كتاب. المكتوب هو ما نتج عن الكاتب أو الكاتبة، إنّه المضمون ا