• Anas Ad

الفكر السِّحري في الإسلام: لقاء مع الباحث اليمني مُحمّد عطبوش

حَاوَرهُ: أنس الأسعد


I.

وإن كانَ السّحرُ كلّه لأهلِ بابل من النّبَط الكلدانيين، فإنّ لأهل اليمن سِحراً بليغاً، حتى إنّ اليونانيين بلغنا عنهم أنّهم يضربون بهذا المثل، فيقولون للذي يبالغون في صفته بالفطنة: أنتَ أفطن من سحرةِ اليمن. ابن وَحشيّة ــ الفِلاحة النّبَطيّة


بهذه الكلمات نستطيع أنْ نوطّئ لأنفسنا قبل الدخول إلى العوالم الأثيريّة لكتاب "الفِكر السحري في الإسلام، جذورُ الدّينِ والعلم" تأليف الباحث اليمني الواعد محمّد عطبوش (1996-...)


منذ البداية يؤسّس الكتاب لإشكالية الإزدواج المعياري في تناول الإسلام لموضوعة السّحر، فمن جهة وكما تلفت الإشارة المُتضمّنة في العنوان الفرعي، يريد المؤلّف أن يوحي بهذه العلاقة بين السحر وطقوسه من جهة، وبين الإسلام بوصفه ديناً مثقلاً بالإشارات والممارسات التي قد تبدو للخاضعين لها من المُسلّمات. هذه الإشكالية بين التّحريم التي تُظْهِر الإسلام دينا ضد الخرافة وبين الإقرار والتحويل والتحوير لكثير من الممارسات قبل-الإسلامية المُغرقة في الخرافة، وكيف أنّ هذه الأدوات الدينيّة ستقولب أعتى السلوكيات الخرافية لتصبحَ مُؤسلمة. بالنّتيجة نجد أنّ الدّخول في الدّين الجديد لم يقتصر على الأشخاص، بل على الأشياء أيضاً، وكذلك المفاهيم.


بالانتقال إلى الفصول المُتقدّمة للكتاب، ينتقل بنا عطبوش من الاشتباك الجذري مع الدّيانة، إلى اشتباك السّحر مع السياسة في فصلٍ عقدَهُ بعنوان "السّحر السياسي" وفيه نتعرّف على العلاقة بين التنجيم الصابئي وعلاقة منجّميه التي كانت تحكمهم بقصور الخلفاء العباسيين. ولو أنّ هذا الفصل كان بحاجة إلى توسّع أكثر، إلا أنّه لم يُغفِل وضعيّة السّحر كأداة صراع مذهبي/سياسي. ثمّ الالتفات إلى نُقطةٍ أخطر ألا وهي تفكيك موقف المعارضة السياسية الرّافض للسحر ولعلوم النّجوم، بيد أنّ هذا الموقف ينبني على رفض أيديولوجي، أكثر منه ذلك الرفض التنويري أو الداحض للخرافة.


وصولاً إلى الفصول الأكثر إشكالية في الكتاب، وهي سوء الفهم الفج من قِبَل الدّين واصطدامه بالعلم باعتباره سِحْراً، فالدِّين الذي يستلف من السحر أدواته ثم يحرمها، يعتقد أنّ كلّ علاقة في الكون تقوم بنفس المُسايرة. هنا تمّ تفريخ مُشكلات اجتماعيّة ثقيلة كالاستخفاف بالطب وصناعة الأدوية والكيمياء، هذا الموقف لا نجده في النّظرة الفقهية فقط، بل ينسحب لِنُطالعَه عند مؤرّخ كبير مثل ابن خلدون الذي ويا للمفارقة يترسّم الخطّ الأشعري، من باب ترك المُسلم لما لا يَعنيه فإنّ مسائل الطبيعيّات لا تهمُّنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها (المقدّمة: ص710) الأشاعرة ذاتهم الذين بَنَوا ــ حسب عطبوش ــ فهمهم للعالم على أُسس سحريّة صرفة ألا وهي السّببية، فلو لم يَقُلِ الباحث سوى هذه الفكرة التي هي من الدّقة بمكان، لكَفتْهُ في الاجتهاد والجِدّة والكَشف!


أخيراً: تبقى الوضعيّة التعاطفية بين الإسلام والسّحر، إحدى إشكاليات الكتاب؛ من حيث تماسها مع النظرة النمطيّة للمجتمعات المحلّية على أنّها مفعمة بالعاطفة وتفتقر العقلانية، هذا المأخذ بالذات سيقدّم لنا الكاتب إجابته عنه في القسم الثاني من حوارنا معه.


الكتاب صادر عن: دار الرّافدين، سبتمبر 2019، في: 423 صفحة، ويُقسَمُ إلى: مُقدّمة وسبعة فصول، في حين جاء الفصل الثامن ترجمة وتعليق حول العلوم السّحرية العربية في القرن التّاسع للكاتب لين ثورندايك.

II.

• يعتقدُ القارئُ للوهلة الأولى في كتابِك من جهة، وفي سيرتك من جهة ثانية، أنّ هذا العمل باكورةُ اشتغالاتك، لكن سرعانَ ما نكتشف عندما نتعمّق أكثر في مسيرتك أنّه كتابك الثاني، وأنّك صاحب إنتاج متواتر على صعيد المقالات الصحفيّة أيضاً: هل لك أن تُحدّثنا بداية عن العوالم المعرفيّة البسيطة التي نهلتَ منها في البيئة والعائلة؟


في البداية أشكركم على التقديم الجميل والقراءة الفاحصة لكتاب الفكر السحري، وهو كتابي الثاني نعم، بعد كتاب "نقد الإعجاز العلمي". ولجت عالم الفكر بشكل مبكر من خلال الأسئلة الكبرى التي قد تشغل أي شاب في مقتبل العمر، وتزامن ذلك مع ذروة "الربيع العربي" الذي عصف بكل مُسلّمات ومقدسات هذا الجيل، دينياً وسياسياً واجتماعياً؛ نشأت في أسرة متديّنة لوالد يعمل في القضاء، فكانت هذه البيئة ملائمة لطرح الأسئلة والقراءة بحثاً عن إجابات، حتى انتهى ذلك إلى البحث والتأليف المنظّم.

• نبقى في جوّ المسيرة ونقاطع بين الفكري فيها، وبين العملي في حياتك، فبعد إصدارك كتابك "نقد الإعجاز العملي" تعرّضت لشكل من أشكال الإرهاب الجسدي، هل يُمكن أن تتوسّع في سرد تفاصيل ما تعرّضت له، وضمن أي خانة تُصنّفه؟


بعد نشر كتاب نقد الإعجاز العلمي تعرضتُ لمحاولة اغتيال أمام منزلي من قِبل مجهولين اثنين، لعلها كانت ضمن حملة الاغتيالات التي عانت منها مدينة عدن في ذلك الوقت، وكانت معظمها تستهدف شخصيات سياسية وعسكرية، إلّا أن البعض منها استهدف شبّان مدونين داعين للعلمانية والخطاب التنويري مثل عمر باطويل وصديقي أمجد عبد الرحمن.

• تابعتَ موقفك الناقد وكانت النّبرة صريحة ومباشرة في كتابك "الفكر السّحري في الإسلام" هل تعتبر أنّ نقدَ الدّين هو أساس كلّ نقد، وهل الواقع العربي الرّاهن يوحي لك بأنّ تلقي المنقودين لمشروعك الفكري سيكون أرحب وأيسر في المستقبل؟ أم أننا أمام منظومة عنيدة والطريق ما زال طويلاً؟


النقد كلمة سيئة الصيت في الثقافة العربية، ولا نلوم الناس على ذلك لأن هذا هو المعنى الأصلي للنقد في المعاجم العربية (نقد الشيء إظهار عيوبه وتعييبه وانتقصه) وهذا بالطبع ليس هدفي؛ بل إنني أسعى في بحثي إلى دراسة تاريخ الدين وأطواره، بما يخدم فهم الظواهر المرتبطة به وصولاً إلى زمننا الحاضر. وهذا العمل يتطلب أولاً صدقاً مع الذات وثانياً درجة عالية من الموضوعية والتجرد من الآراء المسبقة. هذا المسلك قد يبدو للبعض "نقداً" بالمعنى السلبي، أي نقضاً للدين، وبالتالي يقف الفرد المتدين موقف الدفاع منه أو موقف التوجس في أحسن الأحوال. وعلى العكس من كثيرين، فإنني لا ألوم المتدين من موقفه هذا بل أتفهمه تماماً، ولا أرى بالإمكان سواه. بل إنني أعتقد أن الباحث في الدين لا يمكن أن يظل باحثاً ومتديناً في نفس اللحظة فهذا مستحيل، لا يمكنه أن يكون هو نفسه الظاهرة والدارس لها في نفس الوقت؛ ولكنه يمكن أن يلعب الدورين معاً في أوقات مختلفة! وهذا بالتأكيد لا ينسجم مع مفهوم التدين وإطلاقاته، بالتالي نحن بحاجة إلى نوع جديد من التدين، نوع يمكن أن نسميه تدين الفرد الواعي بظاهرة التدين، يمارس طقوسه و"يعتقد" ما يشاء ولكن بشكل نفعي، وهذا النوع من التدين حينما يتحقق يصبح من المستحيل على صاحبه أن يتطرف أو أن يكون عنيفاً بدوافع دينية، لأنه ببساطة ليس تديناً مطلقاً، لقد ولى زمن المطلقات، وكثير من الشعوب المتدينة حول العالم تفهم الدين بهذه الطريقة.

• قد يتفاجأ القارئ في الفصول الأخيرة من كتابك، بتصنيفك ابنَ خلدون أشعريّاً يترسّم خطّ الغزالي في (فهمه العلوم بوصفها استبطانًا للسّحر):

أ.هل تعتقد أنّه حالة تتكثّفُ فيها متناقضة الإقرار والتّحريم، المُعتَمدَة إسلامياً في التّعاطي مع السحر، والتي فنّدتها في الفصول الأولى؟ ب. ألا يبدو تصنيفك له مُنشغلاً بما هو ثقافي فقط، مُنبتّاً عن الَنظُر لابن خلدون كمؤرّخ استطاعَ أن يكتنه القوانين النّاظمة للتاريخ والاجتماع بمنهجيّة مادّية؟


ابن خلدون أشعري نعم ومتأثر بالغزالي بوضوح، وهذا معلوم من خلال كتاباته وليس اجتهاداً مني، ففي المقدمة يتحدث عن عقيدة الأشعرية بوصفها "الحق" قائلاً "وجاء المهديّ[1] على أثرهم داعيا إلى الحقّ آخذا بمذاهب الأشعريّة"، وتجلى في مواقف ابن خلدون من العلوم تناقض فجّ يشفّ عن تناقض نظري عند عموم الأشاعرة الذين ينتمي إليهم؛

يمكننا ملاحظة تطور آراء الغزالي ممتدة بالطريقة نفسها في "مقدمة ابن خلدون"، فابن خلدون رغم استعراضه للعلوم و«ما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها»، عاد في نهاية "المقدمة" ليقول: «إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها». بطريقة الغزالي نفسها الذي قال في مرحلته العقلية أيام تدريسه في النظامية حين أنكر على من يَردّون العلم بالدين: «فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابيَّة لا يبقى معها ريبة» عاد في مرحلة التصوف في كتاب "إحياء علوم الدين" للقول إن «علومهم في الطبيعيات لا حاجة إليها».

هذا لا ينتقص من مكانة ابن خلدون كمؤرخ وعالم اجتماع ولا مكانة الغزالي كفقيه ومتكلم جوهري في تاريخ الإسلام، بل يعده بعض الباحثين من مؤسسي الإسلام بشكله النهائي، وإنما يبيّن لنا أن حتى أعلام الفكر مهما كانوا عظاماً فإنهم أبناء أوقاتهم نفهمهم ضمن إطارهم التاريخي وتقلباتهم الفكرية، وأحياناً انتماءاتهم السياسية.

  • ألا تعتقد أنّ كتابك الأخير قدّم مادّة ثريّة، لا تبتعدُ كثيراً عن المِخيال الاستشراقي من حيث ربط الشّرق والإسلام بأجواء السّحر واللاعقلانيّة، بمعنى شرقنة الشّرق بتعبير إدوارد سعيد؟ أم أنّ الكاتب غير مسؤول عن تصرّف الآخرين بمادّته بعد أن يُنْتجَها؟


هذا الحكم يُقرره قارئ الكتاب، ولكني عموماً لا أرى إشكالاً في الاعتراف بـ"شرقية" الشرق، وإبراز جوانب ثرائه الثقافي. فالجوانب الروحية والعرفانية ومنظومات التفكير غير "الغربية" هي منظومات أساسية في تطور الفكر البشري منذ عصور مبكرة جداً؛ إن كان ثمة ما يستوجب النقد في المخيال الاستشراقي عنّا نحن الشرقيين، فإنها تلك النظرة التي تنظر للتاريخ بعيون الحاضر وتحاكمه بقيم العقل الحديث، وإلا كان متخلفاً.

أما اليوم، فقد تجاوزت البشرية تلك المرحلة، وأصبح من التخلّف أن نظل أسرى منظومات العرفان والسحر في زمن العلم اليوم، ومن هذا المنطلق قدمت دراستي في تفكيك الجذور السحرية في الإسلام كدين وكحضارة، لأن الناظر في أحوالنا اليوم يجد أننا لم نتجاوز تلك المنظومة ولا مخرجاتها، وأصبح لزاماً علينا أن نشير إلى موضع الخلل ونعمل على إصلاحه، حضارة الإسلام سحرية أدت دورها في ذلك الوقت، ولأنها أدته بالذات فقد أصبح الإبقاء على قيّمها السحرية تخلفاً.


دعني أوضّح المأخذ النقدي أكثر، عندما تطرقنا للاستشراق بالـتأكيد لم نقصد لا الجهات ولا المناهج الغربية، بقدر ما قصدنا النّظرة النمطيّة سواء كانت من الآخر إلى الذات وبالتالي الهيمنة، أو مُستبطنة من الذات إلى نفسها، وعليه يُمكن توسيع السؤال كالتالي: لماذا أدّت دراستُك لظاهرة "السحر وعلاقته بالإسلام" إلى أن تقع بأسْرِها وجعلتك تُجوهر الوجود والتاريخ بشكلٍ ذاتيٍّ حولها؟


أرى في إجابتي على السؤال السابق إجابةً على هذا السؤال وبالتالي ما من داعٍ لتكرارها.

• ما مشاريعُك المُستقبلية القريبة؟

بدأت مؤخراً بالتوجه نحو دراسة الموروث الشعبي اليمني وتوثيقه، وحالياً نعمل أنا وزميلي أحمد العرامي على إعداد كتاب يوثق للمعتقدات والخرافات الشعبية في اليمن؛ كما أصبح لي اهتمام بتاريخ اليمن القديم والنقوش والآثار واللغات السامية وعازم على المضي في ذلك كتخصص أكاديمي، وأتمنى أن أساهم في هذه المجالات تأليفاً وترجمة. لدينا إرث ثقافي كبير، حضارات كبرى تعاقبت على هذه المنطقة الناطقة بالعربية اليوم، طبقات حضارية بعضها فوق بعض بانتظار من ينقب فيها فكرياً ومادياً، وقليلون من يقومون بهذا العمل الجليل كما ينبغي، صحيح أن أوضاعنا السياسية والاقتصادية عرقلت جهود المثقفين العرب من الأجيال الأخيرة، ولكن كثير من الصعوبات التي واجهتهم لم تعد تواجهنا، أصبح العالم أكثر انفتاحاً وأماناً واتصالاً، توفرت لدينا ثورة معلوماتية لم تعرفها البشرية قطّ، فرص الابتعاث وتلقي التعليم باتت أوفر، وأصبح بيدنا جميعاً، أكثر من أي وقتٍ مضى، أن نساهم في المجال المعرفي العربي، وأن نهيئ لشعوبنا النهضة والسلام والآمال التي طال انتظارها.


[1] المقصود المهدي بن تومرت مؤسس الدّولة الموحّدية في المغرب العربي التي تبنّت الفقه الأشعري أيديولوجيا لها.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020