• Anas Ad

الظَّفَر وأشلاؤه| كيف قَرأ «أبو عمر» النَّظرية السِّيَاسِيَّة عندَ المَاوَردِي؟

أنس الأسعد


لم ينقطعِ الاهتمامُ بالآداب السّلطانية، التي تُشّكل حقلاً واسعاً من حقول الاشتغال التّراثي للحضارة الإسلاميّة، مع الانعطافات الثورية والسياسيّة التي ألمّت بالعالم العربي منذ القرن الماضي إلى اليوم. وَلَوَاْنّ القرنَ العشرين يبقى المنطلقَ الذي شهد عمليّة إخضاع النّصوص القديمة، ومن ضمنها تلك الأحكام أو الآداب، للأدوات الجديدة. إذن، نحن أمام تفتيشات مُتشعّبة تَنشدُ غايات وتصوّرات حسب موقع صاحبها السّياسي وخلفيته المعرفية الذي إمّا يبحث عن نزعات مادّيّة أو رايات التّحرّر والتنوير أو شخصيات قلقة أو شخصيات غير قلقة.. وسواها من عناوين. ولمّا كان كلّ ما تقدّمَ يبحثُ لنفسه عن حقل ينتظم فيه، أو يصبّ عليه تصنيفاته من (فرق كلامية، متصوّفة، مدارس فقهية، شُعَب سياسية.. الخ) بحثاً عن النتائج، يُمكنُ لنا بعد هذا ــ ومن قَبيل التعريف المُبسّط، لموضوع هذه المقالة، ألا وهو كتاب السّياسة والوحي، الماوردي وما بعده لمؤلِّفه البروفسور الفلسطيني الرّاحل حنّا ميخائيل، المعروف باسمه الحركي «أبو عمر» ـــ أن نقول: إنْ هذا إلّا تفتيشٌ عن العَقلانية، ضمن حقل الآداب السّلطانية. الكتابُ في أصله أطروحة دكتوراه قُدّمَت لجامعة هارفرد عام 1968، وكانت تنتظر التطوير والتعديل لولا النهايةُ المُفجِعة والمُفاجئة لصاحبها، عندما اختفى أبو عمر في عرض البحر، تموز 1976، إثر اتّجاهه من بيروت إلى طرابلس بعد أن قطعت قوى الفاشية في الحرب الأهلية اللبنانية الطريق البري. وبالتالي لم ترَ الأطروحة النّور إلّا بالانكليزية أولاً عام 1993 عن جامعة أدنبره، وبعدها بعامين صدرت بالعربية عن دار الطّليعة (175ص)، بتعريب: شكري رحيم، وبتوطئة من زوجته جيهان حلو، وباحتفاء خاص بمقدمتين الأولى لزميله ومجايله: إدوارد سعيد الذي يصف علاقته به: كلٌّ مِنّا اعتبر أنّ تراثه عربي – إسلامي وأنّ منظوره الثقافي أممي. والثانية للمؤرّخة الإيطالية: بيانكا أموريتي، أمّا المراجعة فكانت من نصيب مُحقّقٍ عارف بخفايا عوالم الماوردي وكتبه هو: رضوان السّيد.


بدايةً، لو عُدنا إلى العام الذي صدرت به الأطروحة، أواخر السّتينات، فسنجده بعيداً قليلاً عن الهموم الرّاهنة التي تجعلُنا وتجعل غيرنا يُفتّش في التّراث. أو كما يَصفها العراقي فالح عبدالجبار إنّ أبو عمر ترك دراسة الكيمياء إلى التراث، ترك تاريخ المادة وأسرارها إلى كيمياء التاريخ في فترة حسّاسة: نكسة 1967. ولو أنّ فحص المُدوّنة الفقهية للإسلام داخل أروقة الأكاديميا الغربية، ليس جديداً بالتأكيد وغير مُنقَطِع، بل هو قديم قدم الاستشراق نفسه. على سبيل المثال، سبقَ أنِ اشتغلت أسماء استشراقية كبيرة على الماوردي، مثل هاملتون جب وكارل بروكلمان. لكنْ مع ذلك لا يُمكن إرجاعُ الدّافع وراءَ أطروحة أبو عُمر إلى المُحدّدات السّياسية المُعاصرة والرّاهنة، أو توتّرات ظروف ما بعد الحرب الباردة، ثم تعالي أصوات الصِّدَاميّة الحضارية المزعومة للغرب مع الإسلام إلى أَوْجِهَا مع أحداث 11 سبتمبر، والحروب الأمريكية على الإرهاب وصولاً إلى ظهور تنظيم داعش. وحتى لا يقتصر الحديث على ما هو إمبريالي، ننتقل إلى ما هو إقليمي لنجدَ ما هو أتعس من استفحال وباء المال الخليجي (القطري والسّعودي) المَبذول "أميريّاً" في الثقافة والإعلام العربيين، وقدرة هذه الأذرع بالوصول إلى الأكاديميات الأجنبية وفرض خطابها وتصوّرها الشّمولي عن "المُسلمين". ولا ننسى الحضور السياسي والعسكري لإيران ما بعد 1979 وتركيا ضاغطاً بما يحمل في طياته من انتعاش أكاديمي للدّراسات العثمانية أو المزامنة لها. (هذه الحروب والتّوترات التي راحت توازيها اجتهادات تفتّش وتدقّق وراء الحداثة والأزمات الأخلاقية كالدّولة المستحيلة لوائل حلّاق بترجمته العربية 2014، أو رجوعاً إلى الإسلام الحنبلي لجورج مقدسي، الذي صدر في الثمانينيات بالفرنسية، ولم يُترجم إلا عام 2017، وبمراجعة من المُختص رضوان السيد أيضاً، عدا عن الكُتب التي يتواتر صدورها بالانكليزية لتذكيرنا بين الحين والآخر بــ"عبقرية" ابن تيمية!). إلى شيء ممّا سبق، وإلى ما يُسمّى بـ"الصحوة الإسلامية" أشارت بيانكا أموريتي في تقديمها للكتاب، إبان نشره أواسط التسعينيات.


بالعكس من ذلك كلّه، فأطروحة أبو عمر أقدم قليلاً من لحظتنا السّياسية ذات القطب الأمريكي الواحد وتداعياتها الفكرية، إذ صدرت في جوّ الستينيات الذي نستطيع أن نُقدّرَ «دون أن نجزم أو نُعمّمَ طبعاً» انحيازَ أدواته المعرفية لجدلية التّاريخي والمادي، أكثر ممّا يذهب إليه أو يعبّر عنه أبو عمر بتقديمه لأطروحته قائلاً: إنّ بحثنا هذا ينطلق من رفض الحتميّة الفظّة التي ترى في الأفكار إمّا قوة تاريخيّة حاسمة، أو مجرّد بناء فوقي للحقائق الاجتماعية ـــ الاقتصادية. ربّما كان في رفض هذه "الحتميّة الفظة" ما أثار الحماسة ما بعد البنيوية عند صاحب الاستشراق إدوار سعيد لهذه الأطروحة حول الماوردي. وبتلميح سعيد لم تكن بعد قد استوت ماركسيّة أبو عمر قبل عقد السبعينيات. إلّا أنّه وكما قلنا في تلك اللحظة من الستينيّات لم يَكُنِ السعيديون بعد قد تشكّلوا بوصفهم غيتو جامعي مُحاصَر، حسب انتقاد أوليفيه روا اللاذع لهم، في مقاله (ماذا لو اختفى الشّرق؟). مع الانتباه طبعاً، إلى الفوارق الشاسعة بين نقد السّعيديين: نقداً واجباً وعن حقّ، صَنعة مهدي عامل وإعجاز أحمد، لا نقداً يتّسمُ بالخفّة والمزاودة في ادّعاء "المفهومية"، أو الغمز من قناة استغلال الإسلامويين للبلاغة السّعيدية في نقد الاستشراق، قبل أن ينتهي المطاف بهؤلاء النّقاد إلى أن صُيِّروا حلفاء سياسيين أثيرين ومباشرين لدى الإسلاموي، بما لا يُقارن فظاعته مع ما ينقدونه من استغلال! وبين الوَضْعية التي انتهى إليها رضوان السّيد: وهمومه الكئيبة اللاتقدميّة بنقد الإسلاموفوبيا على ثغور الغرب، والتي لا تتجاوز للأسف المدارك الطائفية الضّيّقة لمستشار سياسي في مشروع يدّعي تمثيل الهمّ السّنيّ، في الداخل العربي. استطردنا في الحديث هنا لكي نبتعدَ ونحيّدَ شخص أبو عمر المناضل التّقدمي عن كل مآلات الخيبة لزمن ما بعد أوسلو.


كذلك لو عُدنا إلى موضوعة الأطروحة في ذاتها، أي الآداب أو الأحكام السّلطانية، لَبَدا لنا مدى إلحاحِها اليوم؛ من حيث الاستعانة السياسية بها في سبيل تفسير واقع الاستبداد في العالم العربي، أو بالأحرى تشريح الاستبداد بتعبير المفكر المغربي كمال عبداللطيف وكتابه الصادر عام 1999 الذي تحوّل إلى مرجع أساسي يتَّكئ عليه الخطاب الحقوقي في شارداته ووارداته، حتى أنّه اخترق الزمنين قبل وبعد 2011. مروراً بالقراءة الجَمالية الرّفيعة للمغربي المُختص بمرايا الأمراء والآداب السلطانية عزالدين علاّم في كتابه (الآداب السّلطانية دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي) الصّادر عام 2006، وهو طبعاً لا يركّز حقوقياً على التّشريح بقدر ما يقدّم خاصّة في القسم الأول من الكتاب دراسة أدبية لطيفة لِلُغة وأساليب بيان تلك الآداب، وبهذا يبتعدُ عن السياسي في مضمونه من حيث موقع المشرِّح بوصفه معارضاً سياسياً لاستبداد السلطة الجاثم. وختاماً بكتاب المغربي إبراهيم القادري بوتشيش (خطاب العدالة في كُتب الآداب السلطانية، 2014) الذي أعادنا إلى مُربّع عبداللطيف ومعادلاته في عرض استبدادي أكثر يقابله طلب تشريحي أكثر فأكثر. أيضاً يُمكنُ القول إنّ كتاب أبو عمرفي لحظته أسبق من كل تلك الاشتغالات عربيّاً، وكونه أطروحة جامعيّة فهو مُحدّد الهمّ مُختصرُه فـ"العقلانية" بما هي عتبة أولى وممكنة لقراءة النّص الذي تنبني عليه النّظريّة السياسية هي ما تعنيه، وعند شخص واحد هو المَاوردي، (قد يتقاطع في هذا التركيز مع الأطروحة الجامعية أيضاً عند المغربي سعيد بن سعيد العلوي دولة الخلافة: دراسة في التفكير السياسي عند الماوردي، 1980 صدرت بإشراف الجابري) بمركزية تطغى على قوس المُشتغلين في الآداب السّلطانية منذ ابن المقفّع (ت: 145هـ) حتى الفقيه الشّوكاني (القرن 19م).


فما هي ملامح العقلانية عند الماوردي كما قرأها أبو عمر في كتابه السّياسة والوحي؟

يُقسَم كتابُ أبو عمر إلى قسمين بسيطين، الأوّل: العقل والوحي، والثاني: السياسة والوحي. ولا يبتعد في القسم الأول عن المُقدّمات المُيسّرة، في استقراء خطّ العقلانية وحضورها في العصور الإسلامية قبل «أقضى القضاة» الفقيه الشّافعي أبي الحسن الماوردي: الذي عاش في القرنين الرابع والخامس للهجرة، (ولد في البصرة 364ه/ وعاش ومات في بغداد 450ه) (974م/1058م). يُمكنُ فهم ذلك العصر سياسيّاً؛ من خلال التقسيم التاريخي على أنّه زمن الدّولة البويهية الشّيعية، التي انتهت هيمنتها لتحلّ محلُّها الدولة السلجوقية السّنية عندما دخلت بغداد قبل ثلاث سنوات من وفاته. أمّا ثقافياً فهو مجايل لأبي العلاء المَعري، وأبي حيّان التّوحيدي، ولا أستدعي المعري هنا من أجل أيّ مقارنة أو مُفارقة بين الاثنين، إنما فقط في سبيل تحديدٍ زمنيّ، قد يسعف القارئ في تصوّر عن أي زمن نتكلّم.


بدأ أبو عمر التّفتيش عن عَقلانية ما قبل الماوردي، من خلال تساؤله الافتتاحي للأطروحة: من منظور إسلامي هل يَلعبُ العقل دوراً في الإيصال إلى الحَقيقة؟ وللإجابة يضعنا أبو عمر في أجواء القرن الثاني للهجرة، قرنُ الانقلاب العبّاسي إن جازتِ التسمية، فدورُ الوحي بوصفه عاملاً توحيدياً دافعاً إلى الفتوحات قد انحسرَ ، ومع هدأتها (أي الفتوحات) أُفسِحَ المجالُ لنشوء التّفسيرات، وأولى الإجابات تأتينا منقولةً عن ابن المُقفّع في الأدب الصغير: الذي يَجعلُ من الدّين موضوع جَدل ونقاش يكونُ قد جعلَ الدّين رأياً إنسانيّاً. كذلك فإنّ الذي يجعل من الدّين رأياً إنسانيّا يكون قد نصّبَ نفسه مُشرّعاً والفردُ الشّارعُ لنفسهِ لا دينَ له. وثانيها عندما ندخلُ زمن المُعتزلة، الحركة التي هدفت إلى تقديم التأويل، لكنّهم حسب أبو عمر، لم يكونوا مُفكّرين أحرار إذ أقرّوا بالوحي، ودافعوا عن الله مصدراً له، وعن النّبوّة وسيلة تبليغ. أمّا محاولتهم في عقلنة القرآن وتفسيره مجازياً، عجزت عن تشكيل أيديولوجية جماهيرية. كذلك حركة الفلسفة عن الكندي، وإحياء التراث الهيليني، وإخوان الصّفا، هكذا حتى حلّ مصطلح "أصول الدّين" مكان "الكلام" مع ظهور الأشعرية من جهة، الذين أعلَوا من شأن الوحي على حساب العقل وحاولوا ربط عقديتهم بمذهب الشَّافعي فقهياً (حسب جورج مقدسي، الأشعري والأشاعرة 1962، الذي ينقل عنه أبو عمر ) وتبلوُر النّظرية السياسية عند مذهب أهل الحديث من جهة ثانية، مع محاولة أبي يَعلى الحنبلي لملمة الأحكام السّلطانية على طريقته في الرّد على محاولة الماوردي فيها. أمّا خارج هذا القوس فكانت الاشتغالات الثيوصوفية تضيّق، حسب أبوعمر، على العقل أيضاً إنما بطريقتها التي جعلت الدّين محض اختبار شخصي واتحاد مع الذات الإلهية وليس شريعة موضوعية. نفيُ النّاحية الفقهية هذه حمل في طياته تبعات ثورية ومن هنا كان إصرار القشيري الصّوفي، المعاصر للماوردي، على أنّ الفردية عند الصّوفيين يجب أن يوازنها مفهوم للسلطةـــــــ سلطة الشيخ الصوفي وسلطة الشرع.


بالوصول إلى الماوردي، في المقالة الثانية من القسم الأول، يصبح السّؤال عن العلاقة التي رسمها الماوردي بين العقل والوحي؟ والجواب هو السبيل الأوسط بين علماء الكلام، فالعقل عنده أساس كلّ معرفة، كما أنّه رفض البرهنة على الله من خلال الإلهام؛ إذ من المستحيل أنْ يكون العالم قد خلق نفسَه بنفسه لأنّ ذلك يعني أنّ العالمَ كان موجوداً قبل أن يُخلق! وخالق العالم لا بُدّ أن يكون أبديّاً وإلّا لكان هو نفسه بحاجة إلى خالق. ويصرّ الماوردي أنّ الله يُعرَف عبر "الضرورة العقلية" بمعنى أنّ نتيجة الجدل (المُباح والمشروع عنده، وغير المشروع أساساً عند أهل الحديث) لا شكّ فيها ولا هي موضع تساؤل؛ بمعنى أنّها محسومة لصالح إثبات وجود الله. وهذا ما يمكنُ لنا أن نصفَه بأنّ عقلانية المُقدّمات لا تعني انسجامها مع أو عقلانية خواتيمها للأسف. خاصّة عندما يعود الماوردي لترديد أصداء الدّفاع عن "المُعجزة" وأنّها ليست السحر، ردّاً على مُنكري النّبوة (أعلام النّبوة) كذلك ترديد أصداء عن ضرورة الدّين بوصفه رادعاً والعقل ليس كافياً كأساس للإجماع البشري (تسهيل النّظر). بعد هذه الجردة يذهب أبو عمر إلى تصنيف الماوردي مُفكّراً مُستقلاً، ليس معتزلياً كما ذهب إلى ذلك المُستشرق هاملتون جب، لأنّه كان ضد مسألة خلق القرآن. وبنفس الوقت ليسَ أشعرياً لأنّه مع فقهٍ مُعقلَن الوحي والعقل فيه يعملان في نطاقين مُتداخلين. هذه الاستقلالية هي ما أهّلت الماوردي لوضع أوّل كتاب إسلامي (الأحكام السلطانية) حول الشّرع العام.


القسم الثاني من الكتاب، يبدأ بمُحدَّد عامٍ حولَ الإسلام الذي لا يُفرّقُ بين الرّوحي والزّمني، ومحمد الذي هو نبيّ ورجل دولة، وكي لا نطيل عرض المقالة الثالثة التي يتوسّع فيها الحديث عن المعيار الفقهي قبل الماوردي، بالعودة إلى لحظة ظهور الإسلام وموقع شخصيّة مُحمّد منه، ثم الزمن الراشد وتبعات الاغتيال فيه، وإحياء الأمويين للإرث الإمبراطوري، وصولاً إلى إشكالية العباسيين مع الثورة التي تستطيع أن تهدم نعم، لكنّها لا تستطيع أن توحّد، وظهور شخص ابن المُقفّع بأفكاره حول الإمام المثال على رأس مجلس لأهل الحلّ والعقد، وتناقض الرؤية الشيعيّة بين الإمام الوارث للنبي في الدين والسياسة، والمعتزلة الذين اتخذتهم السلطات العباسية أداة لعزل المفاهيم الثورية الشيعية عن متطرفي الإسماعيلية إلى حين تبلورت المذاهب الفقيهة وتمّ الاستغناء عنهم. وبحث الكتابات قبل الماوردي، من صاحب كتاب الخراج (أبي يوسف) وصولاً إلى التّوحيدي ونظرية إخوان الصفا عن الفيلسوف الحاكم، بحثهم عن إضافة سياسية غير نصوص الشّريعة.


ينطلق أبو عمر في مقالته الرابعة من أنّ المعيار الفقهي عند الماوردي مبني على فهم دور الإنسان، فالإنسان لا يمكن أن يبلغ الكمال في هذه الدّنيا، مع ذلك فإنّه يولي شؤون الحكم أهمية لأنّ ذلك مرحلة تمهيدية للآخرة (أدب الدّنيا) كما أنّه مُفتَقِرٌ إلى جنسه، لكنه بنفس الوقت تعوقه الأهواء الإنسانية العنيفة فهو ينزع إلى إخضاع الخصوم، وبالتالي لا رادع له إلّا القوّة، وبالرغم مما وهبه الله له من عقل ووحي، إلا أنّهما لا يشكلان رادعاً قويّاً، ومن هنا الحاجة إلى السلطان القاهر (تتألف برهبته الأهواء المُختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المُفترقة وتنكفّ بسطوته الأيدي المُتغالبة وتنقمع من خوفه النّفوس المتعادية). أدب الدنيا وبعيداً عن مُسايرة أبو عمر في مجريات بحثه لشروط الماوردي الدينية والتفتيش عن العقلانية فيها يمكن أن نوجز ما يعنينا منها بالتناقض الواقعي الذي حكم حياة الماوردي بين أمنياته حول الإمام الرادع الذي هو الخليفة، وبين الظرف السياسي الذي عاشه في ظل ما يمكن تسميته ب"حالة الاستيلاء" البويهية على الخلافة، استيلاءٌ لا هو بالمعارضة ولا بالعصيان، إنما بتغلّب شوكة الأمير النّاهض فيكون الأمير باستيلائه مُستبداً بالسّياسة والتّدبير ويكون الخليفة بإذِنه مُنفّذاً لتعاليم الدّين" الأحكام السلطانية. عند هذا الحدّ تتبدّى لنا حدودُ البراغماتية للدرس السياسي عند الماوردي، وأنّ الفوارق الملموسة بين الإمام المثال والواقع كما عند ابن المُقفّع، قد قطعت أشواطاً من الأزمة المُركّبة. عندها ننتقل إلى سؤال العدل عند الماوردي؟


ما العدل؟ السّؤال الذي يدخل في صميم كل فكر سياسي، يُمكنُ إعادته إلى الجمهورية لأفلاطون.

عرّف المسلمون العدل بطُرق مُختلفة، منها القبول بالتعريف الأرسطي له: هو المُساواة. لكن من هم هؤلاء المتساوون؟ هنا علينا ألا نتحمّس للماوردي أو لأي فكرة ثوريّة قد تعنّ عنه، فهو بالنهاية نموذج لصفوة البيروقراطية الحاكمة والمأزومة والتي تدير الإمبراطورية الإسلامية حينها. فوق ذلك هو فقيهٌ مسلمٌ مُتديّن سنّيُّ المذهب شافعيُّه، يؤمن بالقانون الإلهي، فالحُكْم العادل هو الحُكم الذي يُطبّق الشريعة، لكن كما قُلنا إن الامتحان البراغماتي والواقعي الذي أرّق الفكر السياسي منذ ابن المقفع، لن يصلَ إلى زمن الماوردي (أي بعد قرابة 300 عام) إلا وقد انفجرت به كلُّ حمولات الاستيعاب التي يُمكنُ للنظرية أن تستوعبَه. بالمقابل فإنّ جذور الآداب السلطانية الساسانية/ البيزنطية انكشفت للمُشتغلين عليها بعد كل هذا التّمحيص، وهنا نجد الماوردي يؤمن أنّ غاية الخلافة حراسة الدّين (سياسة المُلك) ويقبل من موقعه البيرواقراطي بالتراتبية في المجتمع، وينتصر له وللعمل في الجهاز الإداري للدولة شريطة احترام موظفي الدّولة المُلكيّةَ الخاصّة. مع ذلك فهو ضدّ مفهوم العدل السّاساني، كما ينبّه أبو عمر، ولكن يكتفي أبو عمر بالتّدليل على ضدية الماوردي هذه من حيث أو بسبب إيمان الأخير بالدين الإسلامي فقط، دون أي توسّع آخر من قبيل أنّ هذه الضدّية الإيمانية مع الآخرين لا تقوم في جوهرها على التناقض، إنما على تقابل شكلي. كذلك يرى أبو عمر أنّ الماوردي يختلف عن الجاحظ المُعتزلي (صاحب التّاج) في رؤيته للعامة بوصفهم آله تستخدمهم الخّاصة، على الرّغم من أنّ الرؤية الوظيفية لموقع العامة (الرّأس من الجسد، أو الفأس من يد النّجار) هي القاسم المُشترك الأوضح بينهما، فلا هوّة عميقة تفصلُ بين البلاغتين. كذلك يتابع الماوردي عقلانيته المبتورة (التوصيف من عندي) عندما يرفض استنباط مبدأ المساواة بإخراجه من الإطار الدّيني الصّرف إلى النّظام الاقتصادي والاجتماعي، حسب أبو عمر. وهذا بالطّبع إحدى أكبر المُعيقات في التّاريخ الإسلامي التي منعت تَشكّل طبقة برجوازية مدينية على الغرار الأوربي الحديث.


لكن لمّا كان العدل يُثقِلُ كاهلَ النّظرية من جهة، واللاعدل أو الظّلم يتوغّل في الواقع من جهة ثانية، فكيفَ كانت ردّة الفعل؟

على صعيد الحركات السياسية الكبرى، يمكن تلخيص المشهد بالخوارج والشيعة والمعتزلة. فالخوارج التجسيد الأيديولوجي لفوضى القبائل والأكثر استعداداً لمواجهة الظلم بالقوة. ثمّ الشيعة بفرعيهم: الاثنا عشري الذي أولى مفهوم الإمام الغائب أهميّة نفسية وهذا أكبر برهان على أنّ الحقيقة السياسية بقيت مُتخلّفة عن المثال الإسلامي، عكس الفرع الإسماعيلي الذي رأى أنّ الحقيقة والسلطة يمكن أن يتجسّدا بإمام واحد وبالتالي النّجاح بتكوين امبراطورية (الفاطمية) خاضعٌ فردها لإمامها خضوعاً تامّاً، (ياللمفارقة!) ومنظّرها الأشهر القاضي النّعمان. أمّا المعتزلة الذين رأوا أنّ العدالة هي وَحْدة الحقيقة والسلطة نعم، بيد أنّها لا تتجسّد إلا في العلماء. ولكن هناك تناقضٌ جليّ عند أبو عمر في عَرضه للموقف المعتزلي وبراغماتيته السياسية الخاصة، فمن جهة هو يرى أنّ الأهمية السياسية للمعتزلة لا تأتي من الأطروحة الاستشراقية لدى نايبرغ القائلة باستخدام العباسيين لأيديولوجيا المعتزلة في ثورتهم ضد الأمويين، بل في استخدام العباسيين لها بهدف مقاومة الاندفاع الثوري لغلاة الشيعة. ثمّ نحارُ معه هل نقطة الضّعف عند المعتزلة هي نخبويتهم وعدم قدرتهم على بناء علاقة سليمة مع الناس (على غرار الجاحظ وآرائه) أم أنّ نقطة قوتهم في خشية الحكّام منهم بسبب قدرتهم التحريضية للناس وحقّها المُطلق في المقاومة من خلال أحد مبادئهم الأساسية الخمسة: الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر؟


الآن كيف كانت ردّة فعل الماوردي، وما العمل عندما يكون شاغل السلطة غير عادل؟

كما قلنا لا نتوقّع أفكاراً ثورية خارج الحمولة الدّينية، وبالتالي أوّلُ ما يُطالعنا في هذا الصّدد هي مقولة النّصح، ثم النّظر بالمآلات فالملوك إذا زاحموا العامّة في درك مكاسبهم أوهنوا الرّعايا بسوء الممالك، وعاد وهنهم عليها فاختلّ نظامُها واعتلّ مرامها (قوانين الوزارة). لكنّ همّ الماوردي الأساس هو إنقاذ ما يُمكن إنقاذه من الخلافة ولو اسميّاً في مواجهة "الاستيلاء" الأميري خاصّة عندما يكون هذا الأخير لا يحكم بمعيار الدّين والعدل عندها يصبح مُحتّماً على الخليفة "الاستعانة" بأمير آخر لمواجهة "الاستيلاء" ولنا أن نتصور مدى ضعف المؤسسة التي تستعين باستلاء ضد آخر. وهذا ما حدث فعلاً مع الاستعانة بالاستيلاء السلجوقي ضد الاستيلاء البويهي، وهذا ما حدث عندما استقبل طغرل بك الماوردي بوصفه مبعوثاً من الخليفة ليدخل بغداد ويؤسس سلالة جديدة. ويبني أبو عمر توافقاً هنا مع جورج مقدسي في كتابه: ابن عقيل الدين والثقافة في العصر الكلاسيكي من حيث أنّ الخليفة لم يكن مُتحمّساً لرؤية مستولٍ آخر في مدينته بالرغم من دعوة له، لكنّه كان مُضطّراً لذلك أولاً أمام القوة السلجوقية التي فرضت نفسها، ثانياً لأنّه يُدرك في قرارة نفسه أنّ السلاجقة أهون الشّرين مقارنة بالتهديد الفاطمي بقيادة البساسيري الذي أعلن الخطبة للفاطميين لمدة عامٍ واحد في بغداد. أمام كلّ هذا المشهد السّياسي لنا أن نُقدّر حجم الأثر التراجيدي والنّفسي على صاحب "تعجيل الظَّفَر" والمآل المُمَزّق والمغلوب على أمرِه، قبل وفاته بثلاثة أعوام فقط! يمكنُ أن نضيف إنّ هذا السيناريو، وهو ليس بجديد وله نظائر تاريخية، هو عكس التّصور الشائع عن "أفراخ الميكافيلية السياسية وثعالبها" أنّهم يُلقّنون أعداءهم درساً في المراوغة والحربقة دائماً وأبداً، في حين أنّ الواقع إن كان يُنجيهم من الموت بأيدي أعداء أنداد وأكثر احتراماً، إنما يؤجّلهم لمِيتةٍ بأيادٍ أخس وأدهى.


بحديثنا عن ماهيّة الظَّفّر ومآله، نكون قد وصلنا إلى أكثر النّقط إشكالية في نظرية الماوردي السياسية وهي أكثر ما تعنينا في زمننا الراهن ويُمكن لها أن تمسّنا. فمن بين دارسي الماوردي المعاصرين، يذهب المُستشرق وعضو مجمع القاهرة للغة العربية هاملتون جب، إلى أنّ شروط الماوردي تدفع الخليفة إلى القبول بالغازي والقبول به حتى يحولَ دون عصيانه، ولكن ماذا لو لم يُطبّق الشروط، للخليفة أيضاً أن يمنحه الاعتراف لعلّه بذلك يرغّبه بالخضوع!


الشروط باختصار هي كالتّالي: 1. الإبقاء على منصب الخليفة بوصفه نائب النّبي. 2. إظهار الطّاعة الدينية. 3. الاتفاق على التعاون والصداقة. 4. المصادقة على العقد المتعلق بالواجبات الدينية. 5. تحليل جباية الضّرائب. 6. تطبيق العقوبات القانونية بانتظام 7. تثبيت الدّين من خلال سلطة تضمن للناس عدم ارتكاب أعمال يُحرّمها الله.

ويتّهم جب الماوردي بأنّه على الرّغم من حرصه على بنيان الخلافة، إلا أنّه بمجرّد تطبيق هذه الشروط لا يعني سوى السير إلى تهاوي النّظرية بأسرها. وهنا يردّ أبو عمر على جب، بالقول إنّ الماوردي يُقر بتثبيت غاصب السلطة إذا افتقد النزاهة ومعرفة الشرع لكن شريطة أن يقبلَ ممثّلاً عن الخليفة يُترك للأول الشؤون المالية والعسكرية، وَيُترك للثاني الشؤون الدينية والشّرعية.


وبعد هذا الشرح البسيط، يُمكن للقارئ المُعاصر أن يتنبّه إلى أنّ هذه المسألة قد تبدو رياضية/نظرية، والانتصار لفكفتها لا تتركّز إلا في ذهن مؤمِن من مؤمني الصّحوة الإسلامية تعنيه النّصوص ومآلات الإله في الثواب والعقاب وحراسة الدين. فالواقعُ بالنّهاية هو مِحك كل نظرية، وما تستوعبه من تقدّمية أم لا. وبالعودة على سؤال غياب العدل المجتمعي نجد أنّ رأس البيروقراطية (الماوردي)، عدا عن النصح وأهمية دور الخليفة في الضرب على يد الولاة الجائرين، وأهمية القناعة، نجده في المقابل يُقدّم لنا إجابات عن أسئلة أخرى، أسئلة يتحمّس لها فؤادُه أكثر، ويراها بعينه أكبر وأشد إلحاحاً من ذلك السؤال الضئيل، أسئلة محور مُعجمها يتركّز على الما فوق، على الخليفة الإمام مقابل الغاصب الغازي، على الأمير المستولي مقابل المستبد المُدبّر. أسئلة تضع الماوردي سلفاً صالحاً لا لجماعة الإسلاميين المؤمنين بالشريعة فحسب، إنما للجماعة المهووسة بالجيوبولتيك، وسياسة المحاور الصّرفة، حيث المفاضلة بين النّاهب الدّولي الغاصب والنّاهب المحلي الذي يجب تعجيل ظفَره ولو على حساب أشلاء الشّعوب دائماً وأبداً. أولئك الذين يضنّون حتى بنصيحة ولو واحدة! وهنا يُمكنُ القول: إنّ شاسع فرق ليس بذي أثر بين تهافت نظرية الماوردي شرعياً (جب) أو أنّ بنيانها شرعياً مرصوص (أبو عمر)، إنما ما يعنينا هو ما ينبهنا إليه أبو عمر على ضرورة التفكير بآليات تكوين منظمات مقاومة لا الاعتماد على مراكز القوى الفاعلة وحسب. مع ذلك فكلاهما يقوم على ضربٍ من الدُّرْبة بل لنقُل تسهيل النّظَر الذي لا غنى عنه وتبقى قراءته قيّمة وواجبة.


مع هذه النّقطة تبلغ مراجعة أطروحة أبو عمر ذروتها، وتنتهي المقالة الأخيرة منها بعرض تطورات النّظرية السياسية بعد الماوردي، من الجويني إلى الغزّالي وابن تيميّة وابن خلدون وآخرين، وهؤلاء لنا فيهم قولٌ قادم.


تمّت

بطاقة:

حنا ميخائيل: أبو عمر ، وُلِدَ في رام الله 1935، درسَ الكيمياء في الولايات المتحدة الأمريكيّ’، وتحصّل على دكتوراه في العلوم السياسيّة عن أطروحته حول الماوردي. تركَ التّدريس في برنستون 1969 وانضمَّ إلى الثورة الفلسطينية في عمّان. وباتَ يُعرف داخل فتح باسمه الحركي "أبو عمر". انتقلَ إلى بيروت 1971 وعمل في هيئة تحرير شؤون فلسطينيّة. (20 تموز 1976) اختفى مع 9 كوادر للمقاومة، وبحارين، أثناء اتجاهه بقوارب مطاطيّة من بيروت إلى طرابلس عبر البحر بعد أن قطعت قوى اليمين الطريق البري. وحسب إدوارد سعيد فإنّ الطريق البحري كان مرصوداً بدوريات إسرائيلية كتائبية.


كاميرا المُتلَمّس


قلنا إنّ أزمة المثال تبدّت أوّلاً في كتابات ابن المُقفّع، والذي كان مصيره مأساويّاً تنّوريّاً مُقطّع الأوصال، ومن مفارقات ما كتب في الأدب الصغير أنّ مساندة الحاكم ضد الأمّة مَفسدة للدين، ومساندة الأمّة ضد الحاكم مفسدة للدنيا وبالتالي لا خيار إمّا الهرب أو الموت. وعلى قاعدة الهرب والخلاص الفردي تتأسس بعض من أفكار السياسة المَدنية عند الفارابي، وتهذيب الأخلاق مسكويه، فالأوّل حرّم على الرّجل الفاضل العيش في ظلّ حُكمٍ باغٍ، ولكنّه أيضاً يذهب للقول إنّ بلاداً فاضلة غير موجودة وعليه يُصبح الرجل الفاضل محكوماً بالغُرْبة النّفسية التي هي أبشع من الموت! أمّا الثاني فلجأ إلى التوازن الدّاخلي للإنسان الذي يعني في مجموعه التوازن المجتمعي ككل.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020