الصُّوْرَة في الشِّعرِ الجَاهِليِّ | حِوَار مع البَاحثِ التُّونسيِّ د.الحبيب الدّريدي

تاريخ التحديث: ٢٤ مارس

حاورَهُ: أنس الأسعد

ومَا إنْ فَضْلَةٌ من أذرِعاتٍ كَعينِ الدّيكِ أحصَنَها الصُّروحُ مُــصَفَّـقَـةٌ مُـصــفّــاةٌ عُــقارٌ شــآمـيّـةٌ إذا جُــلِــيَــتْ مَــرُوحُ إذا فُـضّتْ خواتـمُـهـا وفُـــكّـتْ يُــقـالُ لـهـا دمُ الـوَدَجِ الـذّبــيـحُ ولـا مُـتَـحـيّـرٌ بـاتَــتْ عليـهِ بــبـلـقَــعـةٍ يــمانــيَـةٌ نـَـفـوحُ خلافَ مَصابِ بارقةٍ هَطولٍ مُخالـطَ مائِــهـا خــصَـرٌ وريــحُ بــأطـيـبَ مـن مُــقــبَّـلِـهـا إذا ما دَنـَـا الـعَـيّـوقُ واكــتَـتَـمَ الـنّـبـوحُ أبو ذُؤيب الهُذَلي

-1-

تَحتالُ لفظَةُ الصُّورة في تبدِّيها الفَلسفي لو أُرِيدَ تحديدُها، بل إنَّ استقراءً تاريخيّاً يتصوَّبُ نحوَ ذلكَ الهدف، لن يَجدَ منطلقاتِه إلَّا ضمنَ الحَواضن المَعرفيّة لِمَا عَمِل عليهِ الفَلاسفة، لذا فإنّ هذه التَّوطِئة لا تُمهِّد لنتيجةٍ معكوسةٍ تُرسّخُ اعتقاداً مُسْتَلّاً من تراثِ النّقد العربي - على الأقل في مرحلته التّأسيسيّة - لفصلِ الشّعر بوصفِه أمثلةً وتطبيقاً عمليّاً يتحرّكُ بمعزِلٍ عن النَّظر الفلسفي فيه. اعتقادٌ لا يخلو من ترجيع نقديٍّ باهت حول الوَحْيويَّة أو القرين، لا يَلبثُ أن يعزلَ الشّعر، كما يعزلُ أيَّ فنٍّ آخر، عن كُلِّ مُنتِجاتِه الإنسانيّة ويَراها واقعةً خارجَه، عزلُ الإنسان عمَّا أنتَج، هكذا! كذلك الإمعان في التّحذير من ألّا جامعَ بين الاثنين، أو أنَّ مِزاجَهُما يُزري برهافة الفنّ المنشودة، أو ما اجتُهِدَ في إِطرائِه أي: الطّبْع.

بالعَودَةِ إلى الصُّورة، ماذا لو رأيناها تتراصَفُ – وبحِيلةٍ ما – مع التّمثيل الأرأس لمفهوم الطّبْع في ميراث الفنون العربية ألا وهو: الشّعر الجَاهلي، عندها يَصيرُ السّؤال قائماً: عن أيِّ تجاوُرٍ يُمكنُ أن نتحدّثَ؟ وما المُتَولَّدُ منه؟ تجاوُرٌ لا يَنتابُ العُنوانَ الذي اختارَه د.الحبيب الدّريدي لِكتابِه «الصُّورة في الشّعر الجَاهلي» (654 ص، مسكلياني، 2019) إلَّا ليعقدَ رِباطاً وثيقاً بين قِسمَي الكتاب، النّظري والتّطبيقي، خاصّة أنّ الكتابَ في أصلِه أطروحةٌ لنيلِ الدُّكتوراة من كلية العلوم الإنسانية – تونس 2016.

لتكوين صورةٍ قريبةٍ من مُؤدَّى الكتاب/الأُطروحة، تستَضيفُ صَحيفةُ المُتَلَمِّس د.الحبيب الدّريدي (1978) أستاذ الأدب العربي القديم ومناهج النّقد بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية – تونس، للحديث عن مؤلَّفِه الأخير.

-2-

*تُمْكِنُ قسمةُ المُدَوّنة التّراثية التي تعاملْتَ معها إلى مَساقَين: أوّلاً الدَّواوين والمختارات، ثانياً المؤلّفات النّقدية التي نَهَضَتْ صناعةُ أحكامِها على تلك المادّةِ الأوليّة، «الصِّناعتين» لو استعرنا من عَمِّنا أبي هلالٍ العسكريِّ عُنوانَه، فهل لكَ أن تتحَدّثَ عن تفاصيل الرّحلة، وعن العِطافة التي يُدْرِكُ عندها الباحثُ أنّ غايتَه كُشِفَتْ، فاستوَى كتابُه على حَرْفٍ مُحْكَم؟

استعارة "الرّحلة" لتسمية مسار البحث العلميّ استعارةٌ معبّرة عن حقيقته، فهو رحلة من جهة أنّ المُقبل عليه ينبغي أنْ يتزوَّدَ له زادَ المرتحل صبراً على طول الطّريق ومجاهدة للصّعاب وتحرّزا من مجانبة سبيل الصّواب، وهو رحلة من جهة تتالي أطواره واتّصال مراحله، تُسْلمُكَ كلُّ مرحلةٍ إلى مرحلةٍ تليها. ومن ثمّة كانت البداية بقراءة كلّ ما أمكن الوصول إليه ممّا كُتب في الصّورة عموماً وفي الصّورة الأدبيّة على وجه الخصوص، في التّقاليد الغربيّة القديمة وفي النّقد الغربيّ الحديث وفي التّراث النّقديّ والبلاغيّ العربيّ وفي الدّراسات العربيّة الحديثة. وكانت خلاصة تلك القراءات البابَ النّظريّ من العمل الذّي عكس الاتّجاهات المختلفة لدرس الصّورة فلسفيّةً ولسانيّةً وعرفانيّة ودلاليّةً...

وإذ تشبّعنا بأبرز المواقف النّظريّة والآراء التّأصيليّة في موضوع الصّورة بادرنا إلى قراءة المدوّنة النّصّيّة، وحاولنا ألّا نغادر منها شيئا، ولعلّنا قرأنا جلّ الشّعر الجاهليّ المطبوع والمنشور في المختارات والمنتخبات والمجاميع وفي الدّواوين المفردة. وقد مكّنتنا هذه القراءة من فهم طرائق إنتاج الصّورة ومقوّمات بنائها وآليّات صوغها وأنماطها ودلالاتها الكبرى... وعلى هذا فإنّ ما سميّتَه "وضع اليد على العطافة التّي يُدرك عندها الباحث أنّ غايته كُشفت" تمّ على نحوٍ متدرّجٍ ومنَجَّمٍ، فلم تنكشف الغاية انكشاف الوحي أو النّورِ يُقذَف في الصّدر، وإنّما انزاحت أغشيتها شيئا فشيئا مع تقدّم النّظر والتّأمّل. كان يخطر لنا الرّأي وتنقدح الفكرة فنتّهم فيهما الظّنّ ولا نُخلد إليهما إلّا بعد تمحيصٍ وتقليبٍ وتعقّب ورصدٍ فإذا أيّدتهما الحجج وتظاهرت عليهما الشّواهد أقررناهما وأثبتناهما.

*يَبْني الكِتابُ على مُسلَّمةٍ تُفيدُ بأنّ قضايا الصُّورة مَحطُّ اشتغالٍ قديمٍ، فإلى أيّ حَدٍّ يُمكنُ لإعادة التّبويب التي انتَهجْتَها أنْ تصنعَ فارقاً لدى القارئ، وإذا ما يَنسحبُ هذا القول حول التّبويب على الشّواهد الشعرية أيضاً؟

ليست العبرة في عمليّة إعادة التّبويب ذاتها وإنّما في محتوى التّبويب ومضامينه، فقد كانت غايتنا أن نُبيّن أنّ تمثّل حقيقة عمل التّصوير الشّعريّ تقتضي الكفَّ عن اعتباره مبحثا أدبيّا جماليّا صرفاً، ذلك أنّه متلبّسٌ بالفلسفة واللّسانيّات والسّيمياء... أمّا البناء داخل كلّ اتّجاه من اتّجاهات درس الصّورة فلم يكن يحرص على التّأريخ بقدر ما كان يحرص على تمثيل حركة التّطوّر في صلب كلّ اتّجاه، فالبحث في الصّورة شهد منعطفات وتطوّرات وربّما انقطاعات ابستيمولوجيّة (بول ريكور، جان بول سارتر). أمّا الشّواهد الشّعريّة فالملاحَظُ أنّها في الغالب شواهد غير سائرة في كتب النّقد لأنّنا لم نقتصر على المشهور المتداول من النّصوص الجاهليّة بل عدنا إلى القصائد الجاهليّة النّادرة والشّعراء الجاهليّين الأوائل ومجاميع شعراء القبائل التّي تضمّ قصائد غير معروفة. وعلى هذا فإنّ الجدّة الفنيّة مؤكّدة من النّاحيتين: من ناحية الأعلام المنظّرين (أوفيد، لوكراس من القدامى و كاترين ديتراي ومارك تورنر من المحدثين مثلا) ومن ناحية الشّعراء الجاهليّين.

*ذهبْتَ إلى أنّ المناهجَ التي تصدّت لدرْسِ الصُّورة في الشِّعر الجاهلي لم تنتهِ إلى نتائجَ يُعتدُّ بها، فهي بُنيويةٌ مُنغلقة على نفسها تارةً (كمال أبو ديب في الرّؤى المُقنّعة)، أو أنثروبولوجية أسطورية تارة أُخرى (نصرت عبد الرحمن وريتا عوض)، لكن لو تتبّعنا المأخذ الأوّل لَوَجدْنا أَثرَهُ جَليَّاً في الباب الأوّل من القسم التطبيقي آليّات إنتاج الصّورة حيثُ اعتمادُكَ التراكيبَ النّحويةَ بوصفها أدواتٍ لاستقراء الصُّورة، وهذا فيه ما فيه من شكلانيّة! أمّا المأخذ الثاني فتُريد من ورائِه فصلَ مُكوِّنٍ عزيز (الأسطورة) لا في المخيال الذي أبدَع، إنّما أيضاً في لحظة التأريخ والتدوين، أكُلُّ تلك المَشقّات دونَ الصّورة، وطموحها أَسْبق من كلِّ ما ذُكِر؟

اعتمدنا التّراكيب النّحويّة أدواتٍ لاستقراء الصّورة لأنّنا نعتبر دراستها سبيلا إلى فهم أسرار صناعة الصّورة، وهو أمرٌ لم نرَ من اهتمّ به قبلنا، فالتّصوير الشّعريّ يتمّ بواسطة موادّ اللّغة، ولا يتسنّى فهم خصائصه إلّا بالوقوف على أوجه تصريف اللّغة وخصائص نظم الكلم وتركيبها في عمل الصّورة، وهي خصائص يجدر أن ندلّ عليها ونكشف عنها ونرفع الحُجُب بيننا وبينها، فهي السّبب في أن عرضت المزيّة في التّصوير وبعُدَ شأوُهُ وامتدّت غايته وعلا مرتقاه. أمّا الفكر البنيويّ فيُمكن في اعتقادنا أن يُفضيَ إلى نتائج مفيدة إذا أُحكم استخدامه، وفي نقدنا لكمال أبو ديب لم نعترض على المنهج البنيويّ وإنّما على طريقة إجرائه وتضييقه في جملة من الثّنائيّات المتضادّة. أمّا المقاربة الأسطوريّة فإنّنا دعونا إلى تحرّي الحيطة والحذر في التّعاطي مع ما أفرزته من آراءٍ لأسبابٍ سنذكر بعضها:

إنّنا، مهما قلّبنا النّظر في مصادر النّقد القديم وكتب تاريخ الأدب العربيّ المختلفة وأخبار الشّعراء الجاهليّين، لا نجد ذِكْراً لعلاقة الشّعر العربيّ بالأساطير أو لتأثّر الشّعراء بالأساطير أو لتوظيفهم لها، فلا ابن سلّام الجُمحي ولا ابن قُتيبة ولا الأصمعي ولا قدامة بن جعفر ولا ابن طباطبا أشارَ إلى شيءٍ من ذلك.

والأهمّ من ذلك أنّ قصائد الشّعراء الجاهليّين – وهي الفيصل في هذا الأمر – لا نجد فيها ما يُسوّغ هذه القراءة ولا ما يُبرّرها حتّى على سبيل التّأوّل البعيد والتّخمين أو التّرجيح.

ما أسّسه أصحاب هذه المقاربة من مواقف وأفكار لا يعدو أن يكون سوى افتراض ضعيف لأنّه مبنيّ على الإسقاط، إسقاط لعلاقة الدّين بالفنّ عند أمم أخرى على علاقة الدّين بالفنّ في جزيرة العرب قبل الإسلام دون مراعاة اختلاف العوامل الحضاريّة والثّقافيّة وتباين السّياقات التّاريخيّة. وعلى أساسٍ من هذا الإسقاط غير المبرّر بدا أصحاب هذه المقاربة يُواجهون صعوبات واضحة في ما يذهبون إليه من تفسيرات، فكانوا يجهدون في تجاوزها غير أنّها تفرض نفسها عليهم فلا يجدون غير الإقرار بها والإذعان إليها. فقد أقرّوا مثلا بأنّ الأساطير التّي يستندون إليها ما تزال مجهولة أو غامضة ممّا يدلّ على أنّهم يبنون تفسيراتهم على أساطير لم توجد أصلا.

*شَغلَ همُّ التَّفاضُلِ العقليّةَ النّقديّةَ إبّانَ وضعِ التّصانيف الأُولى على الأقل (القرن الهجري الثاّني) بلْ إنّ فكرةَ المُعَلّقات والطّبقات والحَماسات وغير ذلك من مُختارات جاءَت لِتُعزّزَ ذلك المفهوم، مثال: (البحث عن الشّاعر الفَحل على صعيد الأسماء، والتفتيش خلفَ الأغزل والأهجى والمُكتملة أوصافُه على صعيد الأبيات) برأيكَ ما المطلوبُ من الباحث المُعاصِر الذي يجدُ نفسَه أمامَ أَعباءَ نقديّةٍ راسخة وهو يصنَعُ كتابه؟

تعكس المدوّنة النّقديّة القديمة خصائص النّظام الجماليّ الذّي كان سائداً في القرون الأولى بعد الهجرة، وأحكامها محدودة بطبيعة الأدوات والموادّ التّي كانت تُعتمد عند النّقّاد و"العلماء بالشّعر"، وعلى الباحث المعاصر أن يضعَ في الاعتبار هذه الحدود والإعاقات عند تناول المُنجز النّقديّ القديم، ومن ثمّة فإنّ الشّعر العربيّ القديم يحتاج في تقديرنا إلى قراءة جديدة تُعيد النّظر في كثير من المسلّمات وتتجاوز قدراً وافراً من الآراء المكرّسة.

*يقولُ الأعشى:

وقــد أراها وســطَ أتــرابِـهــا فـي الـحَيِّ ذي الـبَهـجـةِ الـسَّامِـرِ كَدُمــيـةٍ صُــوِّرَ مِــــحــرابُـهـا بِـمُـذْهَـبٍ فـي مَــرمَــرٍ مــائــرِ أو بَيضةٍ في الدِّعْصِ مـكـنـونةٍ أو دُرَّةٍ شِــيــفَــتْ لــدى تــاجِــرِ

حبّذا لو فسَّرْتَ المُشاكلةَ التي أَقمْتَها بين شعر الأعشى وبين مقولة فان غوخ: «الاستدارة هي الحياة» مُستعيناً بباشلار ومفهوم الاستدارة عنده!

الشّكل المستدير عند كثير من فلاسفة الفنّ علامة اكتمالٍ، وبالتّالي علامة جمال وألق وعنفوان، وإذا وجدنا تجانساً بين مقولة "فان غوخ" وبين الصّور الشّعريّة الجاهليّة فإنّ في ذلك دليلا على أنّ كثيرا من القيم الجماليّة هي قيمٌ كونيّة إنسانيّة مطلقة، ففي الشّعر الجاهليّ كما في كثير من مدارس الرّسم والنّحت بدت الاستدارة علامة جماليّة مجسّدة في عديد الموصوفات.

*أيّ دورٍ ترتجيه لنظرية الدّلالة التّصوّرية في نقد النّقد الأدبي، وما الوظائف التي تقدرُ على كشْفِها للصورة بل للفن بشكل عام؟

من البديهيّ أنّ نظريّة الدّلالة التّصوّريّة تُعدُّ واحدة من نظريّات متعدّدة أنيط بها البحث عن المعنى وتأوّل الملفوظات والخطابات، وليست النّظريّة الوحيدة، وإنّما استعنّا بها وأفدنا من منهاجها حين تبيّن لنا أنّ الصّور والاستعارات الشّعريّة الجاهليّة يُمكن أن تُدرس من جهة دلالتها على طرائق الشّاعر الجاهليّ في فهم ذاته وإدراك العالم والوجود من حوله. وقد قادتنا هذه النّظريّة إلى نتائج نعتبر أنّ بحثنا كان سبّاقا في التّوصّل إليها. ونحن لا نعتقد أنّ نظريّة نقديّة مهما كان مقدار تماسكها واتّساقها جديرة بأن نُوكل إليها كلّ ما يقتضيه مراس النّقد الأدبيّ من دقّة علميّة وحسّ جماليّ. وعلى هذا فإنّ تلك النّظريّة ليست سوى مدخل من المداخل الممكنة لفهم بعض النّصوص، وإنّما يُقدّم النّاقد في سياقٍ من السّياقات نظريّة على أخرى بحسب ملاءمتها لخصائص النّصّ موضوع الدّرس وموافقتها للآليّات التّي تحكّمت في عمليّة انتاجه.

*ماذا بعد «الصّورة في الشعر الجاهلي» من أعمالٍ قادِمَة؟ تزامنَ ظهور كتابنا "الصّورة في الشّعر الجاهليّ" مع صدور كتابين لنا هما "بحوث في الصّورة الشّعريّة"، وهو يضمّ فصولا تبحث جميعا في قضايا التّصوير الشّعريّ مجراة على متن بعينه هو الشّعر القديم، و"مراجع الصّورة الشّعريّة العربيّة والفرنسيّة والإنقليزيّة"، وهو يحوي قائمة بيبليوغرافيّة منتقاة لأهمّ المراجع في موضوع الصّورة الشّعريّة من الكتب والفصول والأطاريح وأعمال البحث في اللّغات الثّلاث المذكورة. وسيصدر لنا قريبا كتاب بعنوان "بلاغة الصّورة في الشّعر العربي القديم"، وقد اهتممنا فيه بالصّورة الشّعريّة من حيث هي وجه من وجوه التّأثير بالقول، فالشّعراء لا يلجؤون إلى التّصوير باعتباره عنصر تحسين وتوشية وتنميق وإنّما باعتباره فعل حجاجٍ وإقناعٍ، واشتغلنا فيه على نصوصٍ تنتمي إلى مرحلة لاحقة للعصر الجاهليّ فاخترنا أبا نواس من القرن الثّاني وابن الرّومي من القرن الثّالث والمتنبّي من القرن الرّابع.

ونحن نتهيّأ الآن للشّروع في عمل جديد نُحاول أن ندرس فيه " تحوّلات الخطاب الشّعريّ في القرن الثّانيّ الهجريّ"، فقد لاحظنا أنّ الشّعر العربيّ القديم إلى حدود تلك المرحلة كان ينعقد على مفهومين بارزين هما الموت والحياة، فالشّعر الجاهليّ أنتجه "رَوْعُ الموت" بما هو إحساس حادٌّ بالفقد والزّوال والبِلَى، نجد آثار ذلك في الطّلل وفي وصف الرّحلة وفي وصف المتالف والمهامه، وفي قصّة حيوان الوحش، ونجدها كذلك في الفخر والمدح والرّثاء بما هي سعيٌ إلى خلود الذّكر وبقاء الأثر ومغالبةٌ للفناء والدّثور. وشعر القرن الثّاني وما جرى مجراه أنتجه "روْحُ الحياة" بما هو سعيٌ إلى السّعادة والبهجة والسّرور والتّنعّم، نجد ذلك في غزل بشّار وفي خمريّات أبي نوّاس ومسلم بن الوليد وغيرهم.