الآلة سيادةً: الحركة الآلية والسيادة وفنون الحكم

آرثر برادلي*[1]

تر: عمر عبد الرازق شاهين**


الملخّص:

تسعى هذه المقالة إلى استكشاف سلسلة من «الآلات» ذات السيادة [أي المستقلة بنفسها –م] في النظرية السياسية، تشمل العبيد والدمى والكائنات الآلية، بدايةً بفالتر بنيامين وانتهاءً بجورجيو أجامبين. من الثابت اليوم أن التساؤل الفلسفي عن «الآلة» –سواء أكانت نظاماً معقداً يحتاج إلى الإنسان لتشغيله، أو نظاماً يمكنه العمل آليًا– يُعَدُّ في الآن ذاته سؤالاً سياسيًاً مُلحّاً يمسُّ كل نقاش عن السيادة منذ أيام هوبز إلى يومنا هذا.

لكنّي أراهن هنا على أن هذه الآلة ليست محض كناية عن حالة ميتافيزيقية –سواء كانت العقلانية (هوبز)، البقرطة (فيبر)، التحييد (شميت)، التاريخانية (بنيامين)، فنون الحكم (فوكو)–، بل ظاهرة مادية تنطوي على تراوح سياسي بين الوعد والوعيد.

تلخيصًا لحجة هذه المقالة، أزعم أن «الآلات ذات السيادة»، من قبيل العبودية (أرسطو، هيجل، كوجيف، أجامبين)، أو الدمى أو الكائنات الآلية أو عمل الساعة (ديكارت، هوبز، شميت، بنامين، دريدا) أو العيون والعدسات والمرايا (هوبز، كانتروفيتش، بنيامين، لاكان، فوكو) وغيرها، ليست مجرد انعكاس لفهمنا عن العلاقة السببية بين السيادة وفنون الحكم، القرارات والإجراءات، الاستثناء والقاعدة، بل هي تغيّر فهمنا ذاته لهذه العلاقات.

لئن تركَّزت مهمة المنظرين السياسيين على استقاء السيادة من الآلة، أو استعادة السيادة عليها –وضع العصا في دواليبها–، فقد ارتأيت لنفسي مهمة الكشف عما أسماه دريدا المتأخر «آلة» السيادة ذاتها.

باختصار، أزعم أن محاولات النظرية السياسية للكشف عن شخص السيد، أو إعادة اختراعه في قلب الآلة تنتهي إلى الكشف عن الآلة ذات السيادة في القلب من هذا الشخص. فماذا يوجد –إنْ وُجِد أصلًا– داخل آلة السيادة؟

 

«من المعلوم أنَّ آلةً على هيئة إنسان قد وُجِدَت في الماضي، كانت مصممةً بحيث يمكنها الرد على أي نقلةٍ من أي لاعبِ شطرنج بنقلةٍ مضادة، بما يضمن لها الفوز المؤكد في المباراة. تربَّعت خلف تلك الرقعة الشطرنجية، الموضوعة على منضدةٍ كبيرة، دميةٌ بِزيٍّ تركي في فمها خرطوم نرجيلةٍ، بينما تكفَّلت منظومةٌ من المرايا بالإيهام بأنَّ تلك المنضدة شفافة من جميع جوانبها. لكنَّ حقيقة الأمر أنَّ قزمًا أحدب، هو لاعب شطرنج فذ، كان يقبع داخلها يوجِّه يد الدمية باستعمال الأسلاك. بوسع المرء أن يتصور نظيرًا لهذه الآلة في الفلسفة. فالدمية المسماة ‹المادية التاريخية› لا بد أن تكسب على الدوام أي منافسٍ لها، ويمكنها ذلك بكل سهولة ما دامت تستعين بخدمات اللاهوت، ذاك القزم البشع الواجب –كما نعلم جميعًا– إخفاءه عن الأبصار» [2].

تظل أطروحة فالتر بنيامين الأولى في فلسفة التاريخ (1941)، كيفما قَلَّبناها، مستغلقةً مبهمة شأنها شأن الآلة الشطرنجية التي تصفها. كما يصعب الإقدام على قراءة مغايرة لهذا المَجاز الشهير دون الشعور بمثل ما يشعر به المنافس الغُفل، إذ يجد كل نقلةٍ من نقلاته وقد توقعها ذلك التركي الآلي عديم الرحمة وأحبطها. على أي حال، نعلم جميعًا كيف تنتهي هذه اللعبة: ستقدر الآلة حتمًا –وفي الحقيقة تلقائيًا– على إلحاق الهزيمة بأي منافس بشري لديه ما يكفي من الغباء لتنطليَ عليه.

إذا أردنا إعادة تمثيل الفعل الكلاسيكي للكش مات الفلسفي الذي وصفه بنيامين فسيكون كالتالي: يمكن للمادية التاريخية أن تهزم أي منافس بكل سهولة ما دامت «توظف خدمات» هذا القزم الأحدب المخفي المسمى بـ«اللاهوت» [3].

لكن، وكما تلاحظ ريبيكا كوماي، فإن ما يزيد نبوءة انتصار المادية التاريخية تلغيزًا في شطرنج التاريخ هذا أنَّها تنقض المخطط الأكبر «للأطروحات» ككل. فبحسَب قراءة كوماي، تمثِّل مجموعة الشذرات المبهمة تلك بالنسبة لبنيامين محاولة «لفضح لا شرعية جميع الانتصارات» [4] عبر الكشف عما يخلِّفُه الانتصار من دمار: عندئذٍ لِمَ علينا أن نحتفي بفاعلٍ تاريخي يدَّعي أنه «ينتصر على الدوام»؟ إذا أخذنا لاعب الشطرنج التركي الآلي هذا على أنه تجسيد للديمقراطية الاجتماعية، ومربعات رقعة الشطرنج على أنها «فراغ زمني متجانس» [5] تحتلها الديمقراطية الاجتماعية، فمن المثير تأويل الأطروحة الأولى –بحس من المفارقة– على أنَّها محاولة نقدية لإزالة الغموض والكشف عن الحركة الآلية الزائفة عند الأيديولوجيا الانتصارية الخاصة بالتقدم التاريخي الخطي –لأن لاعب الشطرنج التركي بالطبع ليس إلا دمية معروضة، ولعبة الشطرنج ليست إلا خدعة واثق. في خبايا كل آلة يكمن كائن بشري أشبه بساحر أوز يتحكم بالأسلاك على الدوام.

آلة لعب الشطرنج المعروفة بالتركي

عندما نفتح آلة بنيامين ونعرض عملها الداخلي لضوء النهار الكاشف، أزعم أننا سنكتشف ماتريوشكا [6]، وهذا الاكتشاف سيتكرر معنا في أكثر من صورة خلال هذه المقالة: فالأحدب الذي يتحكم بالخيوط هو نفسه ليس سيدًا بشريًا على الإطلاق، بل –للمفارقة– نوعًا من «الدمى». لننتبه هنا، أن قصة بنيامين عن لعبة الشطرنج الآلية تبدو، رغم كل ألغازها المستعصية، كأنها تختصر آلية عمل «التركي» (الشكل 1) بطريقة تُشكِل على أي محاولة للكشف عن محركٍ ما أو عِلّة مخفية بداخله [7]. تقلب الأطروحة الأولى لبنيامين، حسبما أشار عدد من الباحثين، علاقة القوة التاريخية بين الدمية والقزم إلى عكس ما كانت عليه في آلة فولفجانج فان كليمبن الأصلية، إذْ باتت دمية المادية التاريخية الآن تستعين بخدمات قزم اللاهوت بدلًا من العكس. بعبارة أخرى، بالنسبة لبنيامين صارت هذه الدمية (الحية كما يبدو) الدميةَ–السيد على القزم، أي صارت سببًا أداتيًا أو اصطناعيًا لعلته الفاعلة [8].

إذا كنا نرى القزم والدمية بادئ الأمر مقابل بعضهما البعض –مثل الحي مقابل الميت، الطبيعي مقابل غير الطبيعي، الُمستخدم مقابل الأداة، السبب مقابل الأثر، إلخ–، فيبدو أنَّ مجاز بنيامين قد أعاد إدخالهما –الدمية والقزم– في آلة أكبر، ما يعيد إلى الأذهان نبوءته الغريبة في خواتيم كتابه «شارع ذو اتجاه واحد» بمَقِدم طبيعة [9] تكنولوجية جديدة تتجاوز التقابل المعهود بين الطبيعة والثقافة، وتتخذ «حياةً» لاعضوية خاصة بها: «التقنية تنظم لهذه البشرية طبيعة يكتسب في ظلها الاتصال بينها وبين الكون شكلًا جديدًا ومختلفًا عن ذاك الذي كان قائمًا بين الشعوب والعائلات» [10]. لا نجد في تجاويف آلة بنيامين المحجوبة علة فاعلة أرسطية أو أُنيسانًا ديكارتيًا، لا نجد سوى ماتريوشكا لا نهائية من دمى داخل الدمى، وآلات داخل الآلات.

ترتأي هذه المقالة النظر إلى أطروحة بنيامين الأولى –متاهة نصية تحتوي على دمى وأقزام؛ سادة وعبيد؛ ملوك وأميرات– بوصفها محض حلقة في سلسلة «آلات» السيادة في النظرية السياسية الحديثة. أرمي فيما سيأتي إلى إجراء حوار طال انتظاره بين حقلين في الفكر النقدي الحديث كانا مرتبطين تاريخيًا، ولكنَّهما، على الأقل حتى الآن، مفترقين، وهما: نظريات السيادة واللاهوت السياسي والسياسات الحيوية وما شابه (كارل شميت، فالتر بنيامين، جورجيو أجامبين، روبرت إسبوسيتو) [11] ونظريات الميديا الجديدة والتقنية والذكاء التقني [12] (فالتر بنيامين، مارتن هايدجر، جيلبرت سيموندن، جيل دولوز، برنارد ستيجلر) [13-14].

بحسب العديد من الباحثين، يمثِّل السؤال الفلسفي عن «الآلة» –عما إذا كان النظام المعقد بحاجة إلى إنسان يديره أم يمكنه أن يعمل تلقائيًا– في الآن ذاته سؤالًا سياسيًا مُلحَّا يمسُّ كل نقاش عن السيادة، على الأقل منذ أيام هوبز، فها هو كارل شميت يتحسر على عالم ما بعد الإله قائلًا: «لقد أُقصيَ السيد المتحكِّم… بعدما باتت الآلة تدير نفسها بنفسها» [15].

لكنّي أراهن هنا على أن هذه الآلة المسيرة ذاتيًا أو تلقائيًا، ليست محض كناية عن حالة ميتافيزيقية –سواء كانت العقلانية (هوبز)، البقرطة (فيبر)، التحييد (شميت)، التاريخانية (بنيامين)، فنون الحكم (فوكو)، السياسات الحيوية (أجامبين)–، بل ظاهرة مادية تنطوي على تراوح سياسي بين الوعد والوعيد. بطبيعة الحال، لستُ أول ناقدٍ يتحدث عن «آلة» السيادة –أو الأنثروبولوجيا أو اللاهوت السياسي وما إلى ذلك–، لكنّي أزعم أنَّ النقاشات السابقة لم تنظر إلى المسألة من زاويةٍ يبدو منها ما أطرحه هنا طرحًا حرفيًا وفلسفيًا، فماذا لو لم تكن المعدات التقنية والأجهزة والعمليات، من قبيل العبودية (أرسطو، هيجل، كوجيف، أجامبين) أو الدمى أو الكائنات الآلية أو عمل الساعة (ديكارت، هوبز، شميت، بنامين، دريدا) أو العيون والعدسات والمرايا (هوبز، كانتروفيتش، بنيامين، لاكان، فوكو) وغيرها، مجرد انعكاسٍ لفهمنا عن العلاقة السببية بين السيادة وفنون الحكم، القرارات والإجراءات، الاستثناء والقاعدة، بل كانت تغيّر فهمنا نفسه لهذه العلاقات؟ إذا عُدنا إلى أرسطو في كتابه الموسوم «السياسة»، سنجد أن العبد عنده يعني حرفيًا نوعًا من الأدوات، لكنّه أداة من لحم ودم، وإنْ أبدى ظاهريًا قدرةً على التصرف بمعزلٍ عن سيده، فهو في ذلك شأنه شأن «تماثيل ديدال أو مشاجب فولكان التي كانت تجئ وحدها، كما يقول الشاعر، إلى جمعيات الآلهة» [16].

لئن تركَّزت مهمة المنظرين السياسيين على استقاء السيادة من الآلة، أو استعادة السيادة عليها، أي (باستخدام مجازات بنيامين المشهورة) إيقاف الساعة، إعطاب التروس، فرملة قطار التاريخ الهارب وإلخ، فقد ارتأيت لنفسي مهمة الكشف عما أسماه دريدا المتأخر آلة السيادة ذاتها، إذْ يكتب: «ليست السيادة المطلقة طبيعية بأي حالٍ من الأحوال، بل مصطنعة ميكانيكيًا، صنيعة الإنسان، مُختلقة» [17].

أزعم في هذه المقالة أن محاولة النظرية السياسية الكشف عن سيد، أيّ سيد، في القلب من الآلة –سلطة السيد على الأداة الحية المسماة العبد (أرسطو)؛ السيادة الشخصانية على أنظمة القوانين المستقلة والمنظمة ذاتيًا (هوبز)؛ سيادة المادية التاريخية على الديمقراطية الاجتماعية (بنيامين)– تنتهي إلى الكشف عن الآلة ذات السيادة في القلب من هذا السيد. ماذا يوجد –إنْ وُجِد أصلًا– داخل الآلة ذات السيادة؟

في الجسد

زعم أرسطو في كتابه الموسوم «السياسة» أن العبد أداةٌ حية. دعونا نستحضر هنا دعواه الشهيرة (أو سيئة السمعة)، لقد رامَ الفيلسوف الإغريقي الدفاع عن مؤسسة العبودية ضد مَنْ يصرّون على أنها متناقضة مع الطبيعة –و«على هذا الأساس يرونها مؤسسةً ظالمة، لأنها بنيت على العنف»–، بالقول إن العبد نوع خاص من البشر يكون بطبيعته أداةً لسيده وملكًا له:

«على غرار حاجة الفنون، كل في دائرته، إلى أدوات خاصة للقيام بعملها، يحتاج العمل المنزلي بدوره إلى أدوات، ومن تلك الأدوات ما هو غير حي، ومنها ما هو حي. فمثلًا صاحب السفينة عنده الدفة أداة لا حياة بها، وعنده الخفير أداة حية باعتبار أن العامل أو المُساعِد، في الفنون، أداة حقيقية. وعلى القاعدة عينها يمكن القول إن الملكية ليست إلا أداة للمعيشة، وإن الثروة مجموعة من الأدوات وإن العبد ملكية حية» [18].

يدَّعي أرسطو أنه لو كان بمقدور الأشياء أو الأدوات أن تتحرك من تلقاء ذاتها –لو كانت الأنوال تنسج وحدها والقوس تعزف على القيثارة من تلقاء ذاتها–، لاستغنى أرباب العمل عن العمال والسادة عن العبيد. لذا، ومع غياب مثل هذه الآلات الأسطورية القادرة على العمل تلقائيًا، يبدو أن على السيد مواصلة استعمال هذه «الأدوات الحية» [19]. على أي حال، ما الذي يمكن قوله عما قد يوجَد «داخل» الآلة المُسمَّاة عبدًا؟

بغية فتح الآلة السياسية أو ذات السيادة الأصلية المسماة بالعبودية، سعى جورجيو أجامبين في كتابه الموسوم «استعمال الأجساد» [20] إلى استرداد ما أسماه «النواة» التحررية في نظرية أرسطو عن العبودية الطبيعية من براثنِ تاريخِ تناولها الفلسفي الأخلاقوي البالي، ومن تاريخِ مؤسسةِ العبودية نفسه بوحشيته وحقيقته المرة [21].

من الشائع اليوم تفسير موقف أرسطو الطبيعي من العبودية على أنه محض تطبيع أيديولوجي مع استغلال البشر لتلبية الحاجة المتزايدة إلى الإنتاج الاقتصادي في اليونان القديمة. في النهاية، ليس من قبيل الصدفة أن مجتمعًا به معروضٌ وفير ورخيص من العمالة البشرية وقاعدة تقنية بدائية نسبيًا، سيخلُص –لا بد– إلى أن العبودية «طبيعية». لكنَّ أجامبين يسعى إلى قلب هذه الحجة الأيديولوجية رأسًا على عقب بالقول إن موضع النزاع في العبودية الطبيعية ليس الحط من الإنسان إلى مجرد حيوان أو شيء أو أداة، بل نقيض ذلك. برأي أجامبين، ليست نظرية أرسطو عن العبودية تجريدًا من الإنسانية، إنما هي في الحقيقة صورة مصغرة عن الأنسنة ذاتها، فما نجده في العبودية ليس سوى «صيرورةِ الكائن الحي إنسانًا كاملًا» [22].

لئن بدت نظرية أرسطو عن العلاقة بين السيد والعبد في ظاهرها مجرد علاقة قوة بين المستخدم والأداة –السبب والأثر؛ الذات والموضوع–، فإن أجامبين يجد في ثنايا مقولة «الاستعمال» الأرسطية ما يدعوه «منطقة اللا تمييز» أو «منطقة الالتباس» [23] بين هذه الأقطاب التي لا تنتمي فعليًا إلى أحد أو شيء. بهذا المعنى الموسَّع، يصبح العبد آخر مَعلَمٍ مميز لما يسميه أجامبين«شكلًا من الحياة» لا تكون فيه الزوي والبايوس (الحياة البسيطة والحياة المؤهلة) [24]؛ الحياة والشكل؛ الماهية والوجود، متناقضةً إحداها مع الأخرى من الناحية البيوسياسية أو معزولةً إحداها عن الأخرى أو حبيسةً صورة واحدة، إنما متطابقةً إحداها على الأخرى على نحوٍ لا يمكن اختزاله.

بالنسبة لأجامبين، يتمثَّل الجوهري في نظرية أرسطو عن العبودية في الادعاء المُشكِل بأن العبد نوع من البشر يرتكز عمله على «استعمال الجسد» [25]، فشغله أو عمله ينتمي إلى حقل الممارسة العملية لا الإنتاج [26]. بحسَب الفيلسوف الإغريقي، يتجرد عمل العبودية –على هذا الأساس– من صفة العمل لكونه لا يُنتِج شيئًا [27] لذاته على هيئة غرض أو منتج. لذا، فالعبد في رأي أرسطو أشبه بالسرير منه بالنجار صانع السرير، لأن كلًا من العبد والسرير أداة من «الأدوات» [28] تُستخدَم بصفتها جزءًا [29] من بين مجموعة أشياء تهيئ لنا أسباب الحياة: «تَحمِل الأداة معنى الجزء، والجزء ليس جزءًا من كل فحسب [30] بل ينتمي إليه كليًا… الأمر نفسه ينطبق على الأداة» [31].

إذا كان العبد «أداة» –جزء في كلٍ وظيفي وليس شيئًا في حد ذاته–، سيكون بمقدور أرسطو استنتاج أن العبد ليس مجرد عبدٍ لسيده، بل –إذا تجاوزنا ظاهر التشبيه– «جزء من سيده» أيضًا [32]. لا يجب أن يقتصر فهم هذا القول على الفهم الأداتي أو القانوني –أي أنَّ العبد ملكية قانونية لسيده ويحق له أن يفعل به ما يشاء–، بل يجب فهمه عضويًا أيضًا: «العبدُ عضوٌ في جسد سيده، وباستعماله جسد عبده يستعمل السيد جسده الخاص» [33].

يزعم أجامبين اكتشافه في مقولة أرسطو«استعمال الجسد» التباسًا أو لا تمييزًا أصيلًا بين جسد المرء وجسد الآخر: ينطوي السيد والعبد؛ الذات والموضوع؛ المستخدم والأداة، كل منهما على الآخر: «تحدد العبودية بعدًا فريدًا عند الكائن البشري (لا جدال في أنَّ العبدَ كائنٌ بشري) [34] تسعى عبارة [35] ‹استعمال الجسد› إلى تسميته».

إذًا، يسعى أجامبين في «حفرياته في العبودية» إلى أن يكتشف داخل علاقة السيد والعبد «النواة المندثرة لنشاط إنساني مختلف وعلاقة مختلفة داخل الجسد الحي» [36]: ما كان يوصَف تقليديًا بأنَّه علاقة قوة أو سلطة فجة بين السيد والعبد؛ بين الذات والموضوع؛ بين المستخدم والأداة، بات يُوصف جراءةً بأنَّه حالة تحررٍ من علاقات السلطة. وحدها العودة إلى ذاك «الاستعمال المندثر للأجساد» في علاقة السيد والعبد، بدلًا من الخروج العنيف أو السلمي من هذه العلاقة من باب التجاوز الهيجلي الماركسي، ستمكّن الإنسانية الحديثة من أن تحرر ذاتها من آلة الرأسمالية الليبرالية التي تسيّر نفسها بنفسها. فالبشر بحسب أجامبين «ابتعدَوا عن الحيوان والعضوي واقتربوا من الأداة وغير العضوي إلى حد التماهي معهما (الإنسان–الآلة)» [37][38].

يقودنا ما سبق إلى طرح السؤال الآتي: كيف يبدو واقعُ نظريةٍ بمثل هذه النظرة الإيجابية عن العبودية، أي بوصفها استعمالًا حرًا للجسد، في ضوء عدم وجود مثل هذا الاستعمال في أي نظرية عن العبودية أو ممارسة فعلية لها؟ يُعطي أجامبين إجابةً كاشفة. فبرأيه، يجد «استعمال الجسد» الأرسطي ملعبه في العلاقة الجنسية –الطبيعية والعادية والقانونية تمامًا– بين السيد والعبد، فباستعمال السيد لجسده يستعمل أيضًا جسد العبد:

«إذا رأيت في المنام أنك تستمني بيد أحدهم، فهذا يعني أنك تجامع عبدك أو أَمَتك، ذلك أنَّ الأيدي التي تقترب من الأعضاء التناسلية تشبه الخدم» [39–40].

إذا كان العبد جزءًا لا يتجزأ من جسد سيده حرفيًا، ولا يوجد إلا لخدمته، فلا عجب إذًا إنْ أدخَل أرطميدورس الشبق الذاتي والشبق الغيري –الاستمناء والجماع، مضاجعة المرء لنفسه أو مضاجعته جسدًا آخر– في منطقة الالتباس. في العلاقات الجنسية، يمكن القول إن العبد يعكر الإنية [نسبةً إلى الأنا –م] الخالصة لذاتية السيد. هكذا، توجد الذات والموضوع؛ المستخدم والأداة؛ الجواني والبراني، في علاقةٍ من المحايثة الخالصة [41].

إذًا، ما عسانا نقول عمَّا يوجد داخل الآلة السيدة المسماة العبد الأرسطي؟ لنختصر الإجابة دعنا ننظر إلى الخلاصة الفلسفية الموسعة عند أجامبين في كتابه «استعمال الأجساد» ومؤداها أنَّ استعمال السيد والعبد المتبادل لجسديهما يكشف في النهاية عن نمط أو شكل أنطولوجي لا تكون فيه كينونة «الإنسان أو «جوهره» معزولةً أو مفصولةً عن «استعمالاته» الملموسة أو أنماط وجوده في الزمان والمكان: «إنَّ الإنسان والعالم، من حيث الاستعمال، في علاقة من المحايثة المطلقة والمتبادلة؛ عند استعمال شيء ما، فإن مَن يستعمل هذا الشيء يضع على المحك كينونته قبل أي شيءٍ آخر» [42]. وعليه لم يعد بالإمكان الحديث عن جوانية إنسانية فطرية –عن ذات– «تستعمل» بعضَ الأشياء الخارجية كأدوات لها، لأن الفطري/الجواني بحد ذاته قد تشكَّل بتعامله مع البراني/الخارجي، أو انكشافه عليه.

وكما يذكرنا أجامبين، فقد نَبِهَ سبينوزا إلى أن الفعل ««pasearse في لهجة اللادينو معناه يتمشى [43]، لكنَّ ترجمته الحرفية تعني «يُمَشي نفسه»: نحن نشكِّل أنفسنا ذواتًا في فعل المشي والكلام والتقبيل، إلخ. بعبارة أخرى، يمكننا القول إن ما وجده أجامبين«داخل» الأداة الحية المسماة بالعبد في الواقع، داخل كل إنسان ليس روحاً أرسطية أو أُنيساناً ديكارتيّاً، بل بالأحرى «الصيرورة خارجاً» عبر فعل الاستعمال:

«هنا يتطابق نطاق فعل الذات على الذات مع أنطولوجيا المحايثة، مع حركة التكوين الذاتي والتمثيل الذاتي، حيث لا تقتصر استحالة التمييز بين الفاعل والمفعول، بل تمتد إلى استحالة التمييز بين الذات والموضوع؛ بين المؤسِس والمؤسَس» [44].

إنْ طلبنا مثالًا حيًا على علاقة «المحايثة المطلقة والمتبادلة» هذه بين الجواني والبراني، علينا العودة إلى تأويل أرطميدورس في كتابه «تفسير الرؤيا»، حيث قال إنَّ سيدًا رأى نفسه في المنام يستمني بيده يعني أنَّه سيجامع عبده. لهذه المجامعة أنْ تحدث في الحقيقة لأنها قد حدثت سلفًا في المنام حين مارس الجنس مع عبده في فعل الاستمناء بيده، فيدُ السيد «عبدٌ» له، أداةٌ لخدمته، أداة أخرى من بين الأدوات، حسَب تعريف أرسطو الشهير في كتابه «الحيوان». ها قد عثرنا في الداخل المستقل لجسد السيد نفسه على أداة حية تُدعى عبدًا.

خلف الستارة

في غلاف إبراهام بوس لكتابِ توماس هوبز «اللفياثان» (1951)، صورةٌ صُمِّمَت على ما يبدو حسب طلب المؤلف، نجد ديباجًا غريبًا: ستارة (الشكل 2). دعوني أذكِّرَكم بهذه التفصيلة المثيرة للفضول، تأخذ هذه الستارة المزركشة موقعها أسفل صورة «الإله البشري» المهول، عليها نُقِشَ اسم هوبز الكامل توماس هوبز من مالمِسبيري– وعنوان كتابه بالكامل اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. الغريب أن هذه التفصيلة لم تحظَ بأي اهتمام يُذكَر بالرغم من كثرة الأدبيات التي تحاول اليوم الكشف عن المعنى المُلغَّز للغلاف. أحد التعليقات المعدودة عليها قدَّمه كارل شميت [45]، فبرأيه «تصوّر الستارة الغامضة صورية السيادة أمام السلطة» [46]، بينما ذهب مؤرخ الفنون هورست بريدكامب إلى مقارنتها «بالستارة التي تحجب ما داخل خيمة الاجتماع في العهد القديم باعتباره سرًا من أسرار الكون» [47].

لئن مرت ستارة هوبز مرور الكرام، فلعل السبب أن وجودها يبدو كأنه يحجب أو يغطي الاقتصاد السياسي الجديد للمشهد الذي تقوم على أساسه سلطة اللفياثان. أما عند دارسي هوبز، فأغرب ما في غلاف بوس يتمثل في كون «الإله البشري» شفافًا، فجسده الضخم مكوّن بكل وضوح حقيقةً ومجازًا من جحافل تُنَضَّد لتكوّن سيادته. إذًا، أيُّ سر سيادي [48] يمكن أن نعثر عليه خلف ستارة اللفياثان بعدما بات كل شيء –كما يُفترَض– مكشوفًا؟

غلاف كتاب اللفياثان لتوماس هوبز

لكي أفتح الآلة الهوبزية الحديثة ذات السيادة، أريد أن أبدأ بوضع ثورته السياسية في سياق ثورات القرن السابع عشر العلمية والتقنية، كما حددها سابقًا ستيفن شابن وسيمون شافر في كتابهما المرجعي «اللفياثان والمضخة الهوائية» [49]. من اللافت، مثلًا، أن الستارة قد وُضعت أمام النصف السفلي من جسد اللفياثان الاصطناعي –كما لو أريد لها أن تُخفي اليدَ المحرِّكة (البنيامينية، ربما؟).

رافق ثورة هوبز في ميدان الفلسفة السياسية، حسبما وثَّق العديد من المؤرخين، ثورةٌ في ميدان الأنثروبولوجيا الفلسفية، فديكارت سبق «اللفياثان» بأكثر من عقد إلى القول إن جسد الإنسان أشبه ما يكون «بالساعة الهيدروليكية» [50]. أما مع هوبز، فقد تحول هذا السؤال الفلسفي الجديد (هل بإمكان جسد اصطناعي أن يتصرف باستقلال تام عن أي روح محرّكة؟) إلى السؤال التقليديّ في السياسية الحديثة: هل بإمكان جسد سياسي اصطناعي أن يتصرف باستقلال تام عن محرِّكِه المستقل (الأُنَيسِيان)؟ [51]

يتساءل الفيلسوف الإنجليزي في مقدمة «اللفياثان»: «بما أننا نرى أن الحياة ليست إلا حركة للأطراف تكمن بدايتها في قسم رئيسي ما في داخلها، فلماذا لا يمكننا القول أن لكل الآلات (التي تتحرك ذاتيًا بواسطة زنبركات وعجلات كما تفعل الساعة) حياة اصطناعية؟» [52].

يمثِّل هوبز في نظر كارل شميت، في كتابه «اللاهوت السياسي (الكتاب الأول)» (1922)، آخر الأبطال العظام لفلسفة السيادة الشخصانية أو القرارية التي تُصرّ على وجود شخص سيدٍ حقيقي يقبع «خلف الستارة»، أو إذا جاز لنا التعبير وجود رجل الدولة الاصطناعي العظيم، يكتب شميت: «يجد النوع القراري ممثِّلَه التقليدي في توماس هوبز» [53]. لكن من الواضح أن الفيلسوف الألماني قد وضع يده أيضًا على توتر بين نظرية هوبز السياسية «حيث يظل موقفه فيها شخصانيًا ويفترض لحظة قرار ملموسة ونهائية» من ناحية، وبين «نهجه العلمي الطبيعي وتقليصه الفرد إلى مجرد ذرة» من ناحية أخرى [54]. وكما جادل شميت في كتابه «اللفياثان في نظرية الدولة عند توماس هوبز» (1938) [55]، فإن هذا التوتر البنيوي بين شخصانية هوبز السياسية وماديته الفلسفية يفسر لماذا اشتُهر «الممثل التقليدي للنوع القراري» بأنه سَلَفُ الليبرالية الحديثة وتحييد الدولة وعدم تسييسها، وهو الأمر الذي كان سيمقته.

لنوجز حجة شميت المضمرة أعلاه، يمكننا رد مصير هوبز التراجيدي كليًا إلى قراره توظيف اللفياثان التوراتي –مخلوق البحر الأسطوري– ليرمز إلى الكومنولث المثالي [56]. لكن بصرف النظر عن استغلال قوة الأسطورة في التأسيس لدولة سياسية، يزعم شميت بأن هوبز قد ارتكب خطأً فادحًا باختياره الرمز الخطأ ليشيد عليه كومنولث سياسي وديني موحد، لأنه لم يدرِك أن رمزيته الأسطورية تستخدم للتفريق أكثر منها للتوحيد: ما أراده هوبز رمزًا مهيبًا لسلطة الدولة المطلقة والقاطعة في زمانه، انقلب إلى «رمزٍ للمسخ» [57] واقتصر نجاحه على توحيد أعدائه ضده.

يرى شميت (وهنا تظهر معاداته لليبرالية والسامية) بأنه إذا كان يهود العهد القديم قد تخوفوا من وحش البحر ورأوا فيه رمزًا لقوى الشر الوثنية، فلا بد أن يرتاب «الليبراليون اليهود» الجدد أمثال سبينوزا ومندلسون من السلطة المطلقة للدولة الهوبزية: لقد استغل سبينوزا تسليم هوبز بأن المتدين يتمتع بحرية الضمير ليؤكد الزعم الليبرالي التقليدي بأن الفرد وحده مصدر السيادة العامة الأصيل والحقيقي. بهذه الطريقة، أُفرغ «رجل هوبز الاصطناعي المهول» من كل سلطاته تدريجيًا إلى حدٍ صار عنده أشبه ببيروقراطية عملاقة، على نسق بيروقراطية الدولة الفيبرية، تتولى الإدارة لصالح الخواص [58] –دمية فارغة يتحكم بها عدد لا نهائي من الأقزام الليبراليين.

بذا، فقد عانت نظرية دولة هوبز الشمولية، بحسب تشخيص شميت، خللًا قاتلًا في تصميمها أو ضعفًا بنيويًا –«صدعٌ بالكاد يُرى في التبرير النظري لدولة السيادة» [59]– من شأن اليهودية الليبرالية أن تعمِّقه لتشق اللفياثان إلى نصفين. لكنَّ شميت يقترح في كتابه إجابة أخرى مختلفة عن سبب فشل اللفياثان –لا تحظى بكبير انتباه– تذهب إلى إدخال الانقسام التاريخي بين مطلقية السيادة عند هوبز والفردانية الليبرالية عند سبينوزا داخل الجسد الميكانيكي للفياثان نفسه. برأي شميت –كتب نصه بمناسبة مرور ثلاثمائة عام على نشر كتاب ديكارت «تأملات في الفلسفة الأولى»– لم تعتمد نظرية هوبز عن الدولة على رواية أسطورة سياسية قديمة عن اللفياثان التوراتي بقدر ما اعتمدت على الثورة العلمية الجديدة للأنثروبولوجيا الفلسفية: «ينقلُ هوبز –وهذا ما يبدو لي أنه جوهر فلسفة الدولة عنده– المفهوم الديكارتي عن الإنسان باعتباره آلة بداخلها روح إلى ‹الرجل الكبير›، أي الدولة، ليجعل من الدولة آلة يحركها سيدٌ مفوّض» [60].

في هذا السياق، لا تكون فلسفة هوبز أسطرةً لاهوتية سياسية بقدر ما تكون ضرب من الديكارتية السياسية تُسقَطُ فيها ثنائية ديكارت عن الإنسان –المؤلَّف من مادة ميكانيكية، وروح لا مادية– على الدولة ليخرج بنظرية ثنائية عنها تتألف الدولة بحسَبها من جسدٍ ميكانيكي و«روحٍ» شخصانية متسيدة. بيد أن شميت يزعم بأن هوبز قد تجاوز ديكارت، لأن دولته لم تكن ثنائية الطابع قط، بل أحادية. لئن كان ديكارت واضحًا حين قال إن جسد الإنسان وحده ما يمكن مقارنته بالآلة، فإن هوبز قد اختار أن يوسِّع الآلة لتبتلع الروح أيضًا: يشدّد شميت عن صواب على وجوب عدم الخلط بين «السيد المفوض» في قلب آلة الدولة الهوبزية وأي سيد ميتافيزيقي كالإله أو حق الملك الإلهي، لأن سيادته وليدة عملية تفويض وتمثيل قانونية ورسمية محضة. لهذا السبب خلُص شميت إلى أن نظرية هوبز عن السيادة أبعد ما تكون عن إعاقة تحويل الدولة إلى آلة ليبرالية، إنما هي تسرعها وتُكمِلُها، لأنها تقدم الدولة بكاملها بصفتها إنسانًا اصطناعيًا [61]، يؤكد الفيلسوف الألماني: «يُعَدُّ اللفياثان أول منتجات عصر التقنية... أول آلة حديثة بطراز ضخم... إنه ‹آلة الآلات›» [62]. وفي دورةٍ أخيرة لعجلة التاريخ، فإن التسييس الأول لأنثروبولوجيا ديكارت الفلسفية على يد هوبز –حين حوَّل نظرية ديكارت عن الإنسان باعتباره آلة بها روح إلى نظرية عن الدولة باعتبارها آلة محضة بها الروح والجسد–، أعاد الفيلسوف المادي الفرنسي جوليان دي لامتري [63] أنسنته [64] عندما ابتدع نظرية عن الإنسان باعتباره «إنسانًا–آلة» بلا روح [65]:

«بعدما أصبح جسد الإنسان الكبير وروحه آلة، بات طريق العودة ممكنًا، ليغدو بإمكان الإنسان الصغير أن يكون إنسانًا–آلة. فقد مكَّن تحويل الدولة إلى آلة على الصعيد المفهومي من استكمال تحويل الإنسان إلى آلة على الصعيد الأنثروبولوجي» [66].

إذاً، مَن أو ماذا يقبع خلف «ستارة» آلة السيادة الهوبزية؟ من اللافت أن سردية شميت التراجيدية أو الجبرية عن أفول السيادة الشخصانية وبزوغ التحييد الليبرالي تبدو متناقضة مع مبادئ فلسفة الآلة، إذ لا بد لأي مفهوم عن «آلة كونية» أن يصف عالمًا مغلقًا ومحددًا وقابلًا للتنبؤ، وهو ما يجب أن يَحول دون حدوث أي مصيبة أو انحراف أو سقوط تراجيدي كالذي وصفه المنظر السياسي الألماني. وعليه، ربما كان شميت محقًا بأكثر مما كان يظن عندما وصف اللفياثان بأنه «آلة الآلات أو آلة عليا»، لأن هذا يشير إلى امتلاكه هو نفسه لأصلٍ تكنولوجي.

في سعيها إلى إزالة الغموض عما بدا لها «جبريةً متعصبة» [67] في هوسنا المعاصر باللاهوت السياسي الشميتيّ، تجادل فيكتوريا كان [68] في كتابها الأخير «مستقبل الوهم» [69] بأن علينا العودة إلى مفهوم الإنتاج أو التصنيع عند كل من فيكو وهوبز [70] والتشديد على أن الدولة من صنع الإنسان أو اصطناعية المنشأ: «نحن لا نعرف إلا ما صنعناه أو أوجدناه بأنفسنا: verum et factum conventuntur (الحقيقة والواقعة مترادفات قابلة للتبادل –تأتي هنا بمعنى ما وجِد أو صنع)» [71].

لكن رغم ادعاء كان بأنه ما من أحد يقف خلف الستارة سوى هوبز نفسه –لأن الدولة من صنع الإنسان وتظل تحت تصرف صانعها إلى الأبد–، ما زال بإمكاننا القول بوجود مبدأ حديث وشاعري يعتمل في قراءة شميت الجبرية للفياثان. فما يجده شميت مأساويًا في مصير الآلة الهوبزية ليس سوء صُنعها أو إساءة استخدامها، بل خروجها عن طوع صانعها على وجه التحديد، وإعادة صُنعها لنفسها آليًا بمعزل عن إرادة محركها الأصلي وضدها: «إن الأسلحة الروحية التي جنَّدها هوبز لم تخدم مراده» [72].

إذا كان شميت محقًا في قوله بأن فلسفة هوبز قد فشلت في التوفيق بين المطلبين المتنازعين المتمثلين في السيادة الشخصانية الأسطورية وتمثيلية أجهزة الدولة، وإذا انتهى مآل السيد المفوض إلى أن يصير مجرد الترس الأخير في محرك الآلة لا روحها، وإذا انتهى «الإنسان الاصطناعي» بغير قصد منه إلى إيجاد جهاز الدولة المحايد والتقني الذي كان يسعى إلى إيقافه وتعطيله، فمن الجائز لنا القول إن مصير اللفياثان يرمز لا إلى «الإنتاج»، بل إلى شيءٍ أقرب لما يسميه ماتيرانا وفاليرا «الإنتاج الذاتي» [73]: «من المستحيل أن نعرف ما صنعناه أو أوجدناه بأنفسنا، لأن ما نصنعه يعيد صنع نفسه بشكل يخرج عن معرفتنا ويقاومها على الدوام» [74]. بعبارةٍ أخرى، ما يقبع خلف ستارة هوبز ليس سيداً بشرياً، بل آلة نجحت في الحصول على سيادةٍ تقنية قائمة بذاتها.

بين جناحين

زعمتُ في هذه المقالة أن النظرية السياسية الحديثة تصف ما يصح أن نسميه: آلة السيادة وسيادة الآلة. أعيد هنا التذكير بفرضيتي المركزية: ما بدأ كمحاولةٍ للكشف عن –أو اختراع– سيادة بشرية أو شخصية على سلسلة من الآلات السياسية التي يبدو أنها تتصرف باستقلال عن مستخدميها، انتهى إلى إظهار تجميع مستقل يندمج فيه الإنسان بالآلة، المستخدم بالأداة، الذات بالموضوع. لا ريب أنه من الممكن تتبع مسارات الآلات ذات السيادة هذه إلى أبعد من كتابات أرسطو وهوبز وبنيامين وشميت وأجامبين. فكما بيَّنت العديد من الكتابات حتى الآن، تدين مثلًا نظرية هوبز عن الدولة بالكثير لعلم البصريات الحديث، وتواصل سياسة التأثيرات البصرية هذه –المرايا، والعدسات، إلخ– حضورها في العديد من العلامات والنصوص والمعالم، ابتداءً من تناول فوكو لماتريوشكا السيادة في لوحة «الوصيفات» لفيلاسكيث [75] إلى قراءة لاكان النفس-تحليلية للتشويه «anamorphosis» في لوحة هانز هولباين «السفراء» [76]. أما أنا، فأرى أن المُلِحّ في سؤال الآلة ذات السيادة هو إعادة تعريف المصائر السياسية والتاريخية والمفاهيمية للسيادة ذاتها في ظل الحداثة. إذا كان القزم في الحقيقة دمية والسيد نوعًا من العبيد والسيادة ذاتها نوعًا من الإنسان-الآلة، عندئذٍ (وأود هنا أن أختم بهذا التخمين) لعل العلاقة بين السيادة وأطرافها الاصطناعية السياسية والتاريخية المتعددة –السياسة، الديمقراطية، الليبرالية، البيروقراطية، فنون الحكم، الاقتصاد، السياسات الحيوية، وهلم جرا– ستحتاج بدورها إلى إعادة نظر جذرية: لقد كانت الآلة تسيّر كل شيء من تلقاء ذاتها دائمًا داخل شخص السيد. في هذا السيناريو، مثلًا، فإن ما يدعوه فوكو وأجامبين وآخرون «فنون الحكم» لا يمثِّل حالة طارئة تصيب السيادة من خارجها في بعض محطات التاريخ (سواء مأساويًا أو عن تقصير أو بصورة إيجابية)، بأكثر مما يمثِّله الأداء شبه الآلي لنوع من «السيطرة الحكومية» المحايثة أو الأصلية في قلب السيادة نفسها. ماذا لو عُكست مقولة أدولف تييرز الشهيرة لتكون: «يحكم الملك لكنّه لا يسود»؟ [77]