• Anas Ad

اعتزلوا سيبويه | د.إدريس مقبول وميتافيزيقا البحر

تم التحديث: مارس 3

مادة لـ: أنس الأسعد


I.

تميلُ الملاحظاتُ الأوّليةَ عن عنوان أهمّ وأوّل مُنجَز تقعيديّ للّغة العربية، إلى عَدِّه قريبًا من الإدْقاع الدَّلاليِّ، «الكتاب» كذا، تلك البلاغة العنوانية المُختصرة، فيها ما فيها من الإبهام والإدقاع، ولكنّها ربطًا بما في كنهِها من مستوىً عالٍ من إعمال التّحليل، تشفُّ عن قدرٍ من الفِطنة اللّماحة التي يتمتّعُ بها صاحبُها، فالعنونةُ عند سيبويه أكثرُ مَرجِعيّة إذا ما قورنت بعناوين العصورِ المُتأخّرة التي تفيضُ بالأسجاع حدّ البلادة والابتذال.


مثلُ الكتاب، جاءَ التّلقي الرّفيع له عند جيلٍ من الرُّوَّادِ هُم أربابُ الصّناعة وأشياخُها، لتُصبحَ مقولة «هل رَكِبتَ البحر؟» ضربًا من البلاغة اللمّاحة في امتحان المُتعلِّم، للكناية عن قراءتك كتابَ سيبويه في النّحو؟ هل قُلنا: إنّ هالةَ التَّلقي البَلاغيّة عوَّضتْ ما في العنونة من إيجاز؟


اليوم لو أردنا أشْكَلةَ ما بين علم الكلام والنّحو العربي، بوصفهما شُعبتين لا انفصامَ لعُراهما، في الفكر العربي الإسلامي إبّان عصر التّدوين، فسيكونُ كتابُ الدّكتور والباحث المغربي إدريس مقبول سيبويه معتزلياَ: حفريات في ميتافيزيقا النحو العربي، (المركز العربي 2015)، من أفضل القراءات المُعاصرة لتمثيل تلك الأَشْكلة بينَ الفَضاءين المَعرِفِيَين.


كأنَّ د.مقبول في مُؤلَّفِه هذا، يترسَّمُ أثرَ المجاورة الزّمنية وعامليّتها (لو استعرنا من علم النّحو مصطلحاته) ما بين مقولتين، فالأولى «هل ركبت البحر؟» كانت وَحيًا شفيفًا عن أوليّة التّقعيد في اللّغة، والثّانية هي «اعتزلوا واصل!» التي صارتْ علامةً للتّفريق والتّصنيف المدرسي في علم الكلام.


II.


يُعدُّ القرنُ الثَّاني الهجري، عصرًا تأسيسيًّا في تأطير المعرفة، لكلِّ ما سبقه، سواء أكانَ هذا الـ«ـسَّابق» إسلاميًّا، أي رجوعًا حتى ظهور الإسلام ودعوته الدِّينيَّة، أو ما قبل إسلاميّ، والمَوسوم عادةً بـ«الجاهليّة» حيثُ تشتغلُ دينامياتُ الإيمان والطّقس والتّديُّن عكسَه، أمَّا من ناحيةٍ سياسيةٍ، لا يُمكن تجاوزها، فيجبُ النّظرُ إلى هذا القرن على اعتباره، عصرَ الانقلابِ السِّياسي العباسي ونهاية الدّولة الأُمَوية 132هـ، وثبوتِ أخاديد الجُغرافيا السِّياسيّة لما أمْكَنَ لـ«دولةِ أو دُوَل الإسلام» بلوغَه منها، تفرَّغت بعدها عواملُ الصِّراع السِّياسيِّ والفكريِّ للاشتِغَال داخليًّا، خاصّة بعد استيعابها ما استطاعت استيعابَه من عناصرَ غيرِ عربيّة، داخل جسم الدّولة والمُجتمع، وبداية ظهور أثر «التّنوّع»، حسب مقاييس ذلك العصر طبعًا، علاوة على ذلك، عندنا هَدَأَة جغرافيا «الفتوح» عن التّمدّد والتّحوّل، وركونها إلى حدود حضَريّة مدينيّة واضحة «التّمصير»، ثم اشتغال صيرورةِ عمران الدّولة بلغة ابن خلدون، مع أجيالٍ أكثر تحضّرًا واستقرارًا.


كلُّ ما ذُكِرَ، أفسحَ المجال لثورة الكتابة والتّدوين وانقلابها على التقاليدِ الشَّفاهيَّة، ولو أنّ الحضورَ الثّقيلَ للشَفاهيّة سيبقى أثرُه طويلاً، حتّى مع بلوغ التَّدوين مستوىً راقيًا، كذلك الكتابة بطبيعتها، فهي صناعةٌ تعوزُها المادّةُ والاحترافُ والمُشتغلون، حتّى يُمكَّنَ لها في الوعي الجمعي، وقد أشكلَ جمعُ وخَرزُ بواكير الكتب المصنوعة، إلى حَدٍّ سُفِكت فيه الدّماء من أجل أن تضمَّ دفَّتان عدّةَ أوراق، وعند تجاوز ذلك المستوى من الصِّراع السّياسي على التّحديد المادِّي، انتقل الوعيُ إلى درجة أخرى من الصّراع الثقافي نحو التّعريف المَعنوي واكتناه المحتوى.


يُمكن العبورُ من خلال المحطات التاريخيّة أعلاه، إلى موضوع كتاب د.إدريس مقبول، ألا وهو: كتاب سيبويه وعلاقته بالفكر المُعتزلي، من حيث اجتماع المتناقضات السّابقة، لا في شخص سيبويه وأصوله الفارسية، أو الجغرافيا التي وُلد ومات فيها (قرية البيضاء في شيراز)، أو المِصْر الذي احتواه (مدينة البَصرة) وحسب، بل من حيث تموضع مؤلَّفِه الكتاب بشكلٍ حَدّي مُقتَرِب من الغُفْلة على صعيد العنوان، ومقتربٍ من الصّدارة في أوّليّة صناعة الكِتابة وثورة التّدوين.


يجبُ التّنبيه طَبعًا إلى أنَّ هذه الإطلاقات والمقولات التي جمعها وعاءٌ زمنيٌّ واحد، أي القرن الهجري الثاني، إذ عاش رائد المُعتزلة واصل بن عطاء 80 ه- 131ه، أمّا سيبويه فقد عاش بين 148- 180 تبقى خاضعة للـتأويل والسّياق الذي يُستقَى من راهنيّة عمليّة القراءة هذه، فـ«اعتزلوا واصل» التي أطلقها الحسن البصري بحقّ واصل بن عطاء، ليست مُستهدَفة هنا بمعانيها الفقهية، إنما هي سؤالٌ ومواءَمةٌ، لحالةِ التَّلقي آنئذٍ، ومحاولةٌ لاستقراء الجوِّ السّائد حينها.


III.


ينطلقُ د.مقبول في المقدّمة بدايةً، من مقولةٍ للّساني الفرنسي جورج مونان،

من أنّ قضايا اللّغة كانت تاريخيّاً ملابسة لقضايا المُعتقَد، ليست هذه العبارة الافتتاحيّة التي يعتمدها هنا د.مقبول سوى فضاءٍ إيمانيّ مُقدّس ينتمي له صاحب «سؤال المعنى في فكر عبدالسلام ياسين»، الأخير هو مؤسّس جماعة العدل والإحسان الإسلاميّة في المغرب.


ولمّا كان ذلك الفضاء المُقدّس هو المُشترَك العام للجدل اللّاهوتي العربي حول اللُّغة وأصلها، في كلّ شُعَبِه التَّاريخية، فإنّ المجالَ لم يُفسَح بعدُ عربيًّا، لا لتنزيل اللّغة إلى مستوى الهمّ الدّنيوي ـــ وإن كانت تيّارات جديدة تأخذ على عاتقها هموم الحداثة هذه ـــ ولا لتحرير اللُّغة ربطًا بتحرير الإنسان نفسه، والجدلية التّقدّمية بين الاثنين، فإنّ هذا ما زالَ غائبًا أيضًا، لأن الحوامل الاجتماعيّة للنهوض بهكذا مشروع تبدو قاصرة في ظلّ التّخلّف والارتكاس الذي تعيشُه دولُ الأطراف، بل إنّ هيمنة الأصوليات الاقتصادية والأيديولوجيّة الطاغية حتى في المركز، يجعلُنا نتساءل: هل نحن أمام ترسيمة حداثة – تخلّف، أم تقدُّم – تخلّف؟ هنا يمكنُ الانعطاف على استعارة د.مقبول من مونان، لنقولَ بدورنا: إنّ المُعتقَدَ واللّغة ملابسان قبل أيّ شيءٍ للتّاريخ وحركته المادّية.


بالعودة إلى القداسة التي تحكم علاقة النّحو العربي باللاهوت وتصانيف علم الكلام الإسلامي، لا نجدُ أنّ مقولة مونان تحتاجُ جهدًا حتى تُثْبَت، فهي قائمة اليوم بحذافيرها، منذ أن بادَ المعتزلة، ذلك التّيار الذي يوصف بأنّه الأكثر عقلانية وحرّية لفاعليّة الإنسان في التّاريخ، ونقضًا لمقولات الجَبْر التي سادت مع تصورات الأخوة الأعداء ــ إلى أن يحضرَ الأعداءــ الأشاعرة والحنابلة.


عليه يصبحُ السؤال الذي لابدّ أن تقعَ عليه المكاشفة، هل من المسموح أن يكونَ سيبويه معتزليًّا؟ وما التّبعات التي ستلحق بإمام النّحاة أو بمن يُصنّفُه اليوم على مِلّة الاعتزال؟ على ما حازته تلك الفرقة من تشنيع وتحامُل من قِبَل التيارات الأخرى، فسيبويه في نهاية الأمر يبني الكتابَ على الكتابِ، الكتاب الأوّل هو قرآن النّحو والكتاب الثاني هو قرآن الدّين، وهلِ المسُّ بالأوّل مسٌّ بالثاني؟ وفي الذّاكرة الجمعيّة العربيّة تصويبات العميد طه حسين الشّكيّة على الشعر الجاهلي وهو دائرة غير مركزية ولا مباشرة في وعي القداسة، مع ذلك فإنّ تلك التصويبات قد آلت إلى ما آلت إليه، فكيفَ لنا أن نقولَ بعد هذا: إنّ سيبويه كان معتزليًّا؟


IV.


تحتاجُ علاقة سيبويه بالاعتزال حَفرًا من نوعٍ خاصٍّ في الميتافيزيقيا النّحوية، قد لا تُطالعُنا مع نُحاة مُتأخّرين، اشْتُهِرُوا أنّهم من رؤوس المعتزلة بشكلٍ واضحٍ، من صاحب التّذكرة (أبي علي الفارسي)، إلى تلميذه صاحب الخصائص (ابن جنّي)، وصولاً إلى صاحب الكشّاف (الزمخشري)، مع ذلك فإنّ مُشكلاتٍ مُؤسِّسَة للقول بالاعتزال لم تجد تصريحًا واضحًا في تصانيفهم.

فمسألة القول بمبدأ: هل اللغة توقيف أم اصطلاح؟ وهذه المسألة من الخطورة بما هي المعادِل النّحوي لمسألة خلق القرآن التي نادى بها المُعتزلة.


هاكم ابن جنّي (322هــ - 392ه) الذي عاش بعد قرنٍ ونيف من زمن سيبويه، وهو معتزليّ غير مُدافع، مثله في ذلك كمثل شيخه وأستاذه أبي علي الفارسي، مع ذلك نجدُه يقف من هذا المبدأ في مُفتَتَحِ كتابه الخصائص، بينَ بين، فلا نعرف إن كانت اللّغة اصطلاحاً بين البشر، أم توقيفاً كالوحي من عند الله! عملًا بقوله "علّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها" (البقرة 31)، كما أنّ الهمّ العقائدي الإيماني عند ابن جنّي يبقى حاضراً في معلمَتِه المذكورة فنجده يقول: «فأمّا تجوّزهم في تسمية الاعتقادات والآراء قولاً فلأنّ الاعتقاد يخفى فلا يُعرف إلا بالقول أو بما يقومُ مقامَ القول من شاهد الحال، فلمّا كانت لا تظهر إلا بالقول سُمّيت قولاً إذ كانت سبباً له وكان القولُ دليلاً عليها» وهذا ليس كلام ابن جني وحسب، بل ينسحبُ كما يُنبّهنا د.مقبول، على شارح كتاب سيبويه أبي سعيد السّيرافي، 284ه- 368ه وهو أيضًا من المُعتَزلة، وصاحب المناظرة الشَّهيرة التي جمعته مع متّى بن يونس.


يعكسُ تموضعُ سيبويه الكلامي، همًّا في الدّرس العقائدي عند د.مقبول قد ينحصر في زمنٍ ماضٍ، على اعتبار أنّ التوزّع المدرسي بين فِرَقِ الكلام الكلاسيكية القديمة لم يعد قائماً اليوم كما كانت قبل ألف عام، اللّهم إلا خلافات الحنابلة والأشاعرة، التي لا تكاد تجد حواملها، إلا عند من قرّرَ العيش في القرون الوسطى بكلّ جدّية.


لكنْ عندَ التّوسّع قليلاً بدائرة الهموم إلى الزّمن الحاضر ـــ ولو أنّنا سنتابع بها بالتّفصيل أثناء عرض الفصول القادمة ـــ نجد في المقدمة شيئًا من هذه الهموم باديًا من حيث الرّد على بعض الاستشراق، هنا لا يفوّت د.مقبول فرصة إظهار مقدراته الأكاديميّة الرّفيعة، بتمكّنه من نسجِ شبكة التّناصات مع الدراسات الاستشراقية التي سبق وتناولت المدوّنة النّحوية الأولى في العربيّة «كتاب سيبويه»، وليس التعامل مع الاستشراق كلّه بدوغمائية هويّاتية مقابلة له، كما تتجلّى رصانة البحث وموسوعيّة صاحبه.


عند هذا الحدّ، يحضرُ مايكل كارتر، المُستشرق البريطاني المُختص صاحب «مبادئ سيبويه في التحليل النحوي» الدّراسةالتي نال عنها درجة الدكتوارة من جامعة أكسفورد عام 1968، يحضرُ م.كارتر بوصفه مصدرًا مُعاصرًا لا يُمكن ولوج عالم سيبويه إلا من خلاله.


V.


لا يستوي الحديث عن سيبويه المُشتَغِل، قبل الالتفات إلى الحَقلِ المُشتَغَلِ عليه (النّحو)، وفي السّعي نحو تأصيل الحقل، يحدّد د.مقبول الفصل الأوّل بعنوان الأصوليّة النّحوية، ويَفِصِلُ بين ثلاثة اتجاهات.


الأوّل: الأبسمولوجيا المفصولة، وفيها يُرجَعُ بالنّحو إلى الفلسفة اليونانية، وليس الاستشراق بعيدًا عن هذا القول الذي فيه سَلْبٌ للمجهود العربي، وتنسيبه لدوائر من خارجه، ورائد هذه الدّعوى المُستشرق أ.مركس وتبعه في ذلك دارسون عرب كُثر من إبراهيم مدكور في كتابه "منطق أرسطو والنّحو العربي"، إلى إبراهيم أنيس في "أسرار اللغة"، الأمر الذي دفع لعدِّ النّحو ظِلًّا من ظلال الفلسفة اليونانية، وحجّة هذه الدّعوى كانت الترجمة التي ازدهرت في القرن الثاني، بيد أنّ د.مقبول يردّ على هذا من خلال المُستشرق مايكل كارتر الذي يجعل من الصعب أن يُسْتدَلَّ على الترجمة في تلك الفترة، لأنّها لم تكن واقعةً إلّا بعد وفاة سيبويه.


لا تني هذه الأبسمولوجيا المفصولة، كما يصفُها د.مقبول، عن إرجاع النّحو العربي لا إلى المنطق اليوناني فحسب بل أيضًا إلى التّفاسير التّوراتيّة لليهود أو إلى الفلَكيّة البابليّة، وهي دعوى أحمد العلوي، من خلال المقارنة بين ما يقع في السّماء وما يقع في الأرض، كأنَّ سماء البابليين هي خيالاتهم عن السماء الطبيعية، وسماء النّحويين هي النّظرية العقلانيّة، كذلك هي علاقة العوامل بالمعمولات.


مقابل هذا المنحى المفصول، يقوم الاتجاه الثاني: الأبسمولوجيا الموصولة، وفيها تتقاطع دوائر العلوم بين بعضها: اللُّغة من جهة أولى والمُعتقد من جهة ثانية، بالتالي سنجدُ النّحوَ هنا متراصفًا مع الفقه، ويمثلُ هذا قولُ محمد الجابري بأثر الرسالة للشافعي على الكتاب لسيبويه، وتجدر الإشارة إلى أنّ عُقدة سيبويه التي جعلته ينصرف عن طلب الحديث إلى النّحو، أمّا الاتجاه الثالث: الأبسمولوجيا المأصولة، وفيها تأخذ العلاقة بين علم الكلام والنّحو الصّدارة، من ثمّ تبيان المُشاكَلة بين الطّرفين.


ينتقلُ د.مقبول على أرضية هذا التنازع، إلى الفصل الثاني: المذهب الكلامي لسيبويه (إشكال الانتماء) والفصل الثالث: المذهب الكلامي لسيبويه (جدليّة الأسلوب)، ويصرفُ اتجاه البحث من تأصيل النّحو، إلى مَوضعَةِ المُشتغِل نفسه بين تلك الدّوائر.


يسعى د.مقبول إلى إظهار التنافس في استقطاب سيبويه بين عدّة تيارات، وتلزيمه إلى فرقة من الفرق، فتارةً نقرأ مع عبدالقاهر البغدادي، في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَق أنّ سيبويه أشعري، وهو رأي ناجمٌ عن تعصُّب غير دقيق، حسب د.مقبول، وللمفارقة إنّ صاحبَه اعتمد فيه على رأي ابن الراوندي في كتابه فضيحة المعتزلة، وابن الرَّاوندي مشهور أنّه من رؤوس الإلحاد وقاد منهجاً للتشنيع على المعتزلة، بعدَ انقلابه عليهم، كذلك البغدادي لا يُفرّق بين الملاحدة والمعتزلة ويحشرهم كلّهم في خانة مارقة كافرة واحدة، أمّا المُرتضى اليماني الزيدي، في كتابه المُنية والأمل في شرح المِلل والنِّحَل، فينسب سيبويه إلى الجمع بين قولين إمامة زيد، والعدل والتوحيد المُعتزلي.


ليس بعيدًا عن الذين كتبوا في تصنيف وتنسيب سيبويه، بالإمكان النّظر في أشياخ سيبويه ومعلميه الذين أخذ عنهم، من أمثال أبي زيد اللّغوي الشهير الذي اجتمعت فيه آراء التّشيُّع والاعتزال، وفي هذه الفترة من حُكم هارون الرَّشيد، كان الاعتزال يعيش مِحنةً وملاحَقًا من قِبَل السلطات، ولم يُصبحِ الجهرُ به يسيرًا، إلّا مع المأمون، الذي استلم الحكم، بعد 18 عامًا من وفاة سيبويه.


أمّا من ناحية جدليّة الأسلوب، فلتصوُّر مكانة سيبويه في العربية، علينا وعيها من حيث أنها لا تقل أهميّة وإنجازًا لما حقّقَهُ دي سوسير في اللسانيات المعاصرة، ومنهجياته شكّلت "مقدّمات سرّية" بتعبير أحمد العلوي، تَشفّ عن أصول عقدية، وتتأتى منها أصالةُ الانتساب، كما أنّها تؤثّرُ في تَشكُّل الخطاب والصّيغ المُعتمَد عليها، ولجوء صاحبها إلى اجتراح المحاوَرة أثناء العَرْض، أو توجيه المُخاطَب من خلال "اعلم" أو "وذلك قولُك" ويُفهَم من هذا الطابع أنّ غايتها تعليمية، ولو أنَّ التَّدريس غير معروف عن سيبويه، ولا هو قد قرأ الكتاب على أحد ما عدا الأخفش.


VI.


ينفتحُ المعجمُ الكلامي أمامنا، مع الوصول إلى الفصل الرابع من الكتاب، المُعنون (بتجلّيات العقائد في النَّظر النَّحوي عند سيبويه) ويأخُذُ بالتّشعّب في دقائق المسائل، كما يصير سعيُ د.مقبول مُنصبًّا في الكيفيّة التي تجلّت بها العقائد، لتتراوحَ المُشكلات في ثمانية مسائل، تؤطِّرُ الميتافيزيقا حدودَها انطلاقًا من الوجود النّحوي، وهنا تُطالعُنا مسألةُ الخَلْقِ والحُدوث اللغوي، فمن جهة إنّ الخلقَ صفةٌ لكلّ شيءٍ حادث ومنه الكَلام، كذلك فإنّ ما يجري على الأجسام في عالم الشّهود يجري عليها في عالم الكلام، ومن جهة ثانية فإنّ إثبات الخلق يعني امتناع الضّد، فالعوامل في الكلام لا يصحُّ لها أن تعمل في المعمول أكثر من عمَلٍ بحسب ما يقتضيه المنطق النّحوي، فإنّ مرجع ذلك في البرنامج الكلامي، ما ذهبَ إليه القاضي عبدالجبّار المعتزلي: هو أنّ القدرة الواحدة لا يصحّ أن تفعلَ إلا جزءًا واحدًا من جنس واحد في وقتٍ واحد في محلٍّ واحد، هذا مدخلٌ مما يجب الوقوف عنده أكثر من خلال رصد المعجم الكلامي في مسائله، وتفصيله أدناه.


بعد أن وطّأتْ مسألة الوجود في النّحو الفصلَ الرّابع أمام د.مقبول، فإنّ أخطرَ المسائل التي يُمكنُ لنا من خلالها أن نَلِجَ عوالم المُشكلات الكلامية المُعشّقة بالمسائل النحوية، هي مسألة الوجود العاملي، لأنّ بفهم أوّلية العامل ودوره النّحوي، نعي تمامًا كيف يمكنُ للموجودات أن تتّجه وما الذي يؤَثّر منطقيّا في مصيرها.


لِعرض هذا التّصور سنلجأ إلى المُقابلة بين ما يندرج تحت ميتافيزيقا الوجود النّحوي من مسائل، وما يتراصف معها أو يتعلّق بها من مسائل إنما تحت تصنيف الوجود العاملي.

الوجود النّحوي: الخلق،

الوجود العاملي: العامليّة وشيئيّة المعدوم.


هنا تُؤسَّس المقارنةُ المُتّصلة ميتافيزيقيًا بين الوجودين، فمن أمثلة تصوّر المعتزلة لشيئيّة الكلام ما ذهبوا إليه في قولهم عن المبتدأ والخبر أنهما في الوجود اللُّغوي يعودان إلى شيء واحد في الوجود الواقعي، وهذا يجد معادلاته في القول إنّ العدم شيء (المعتزلة) وليس فقط الشيء هو الموجود (الأشاعرة)، إنّ أسبق الحالات وأقدمها في الوجود هو الابتداء، وسيبويه في ذلك يلتقي مع بعض المعتزلة الذين يرون أنّ المعرفة كما قد تكون حادثة من الإنسان، لعِلَّة النّظر المتقدم قد تحدثُ على الابتداء لا عن علّة موجبة وسبب مُتقدّم، وهكذا فالابتداء بهذا المعنى مفهوم كلامي مولّد وفاعل (ص134) أمّا الدّلائل النّقلية على كلّ ما سبق فهي حاضرة دوما: "كما بدأكُم تعودون" (الأعراف 29) "أَوَلم يروا كيفَ يُبدئ اللهُ الخَلْقَ ثمّ يعيده إنّ ذلك على الله بيسير" (العنكبوت 19) وهنا يُمكن القول: هل الاعتزال للبصرة، والأشعرية للكوفة؟


قيلَ الكَثير في تمييز الفروقات بين أشهر مدرستين نحويتين في تاريخ التقعيد للّغة العربية، وخاصّة من ناحية التّأسيس المنطقي وأقيسته (البصرة)، ومقابلته بالأخذ عن البادية وسكّانها وبزوغ نموذج الأعرابي الرّاوية (الكوفة) فهل تأثرت هاتان المدرستان بما في الكلام من مذاهب؟


للإجابة يذهب د.مقبول إلى أنّ الكوفيين رفضوا منطق شيئية المعدوم، وهو مبدأ معتزلي كما أسلفنا، وبالتالي فإنّ المُبتدأ لا يَجوزُ أن يرتفعَ بالابتداء، فالاسم لا يرفعه إلا رافع موجود غير معروف، لتصبحَ الخطاطة على هذا الشّكل: الشيء= الموجود (أشاعرة والكوفة)، الشيء= الموجود والمعدوم (المعتزلة والبصرة) ولكن في لحظة من اللحظات يُطْبِقُ علمُ الكلام على مفردات اللّغة بأسرها، لتصبحَ كلُّ مفردةٍ نتفوّه بها لها حدٌّ ومنطق وأصل تحتكم إليه.


VII.


اُتُّهِمَ المُعتزلة منذ أوائل ظهورهم، بالمَسِّ بصفات الإله، أو بالأحرى "تعطيلها" ما هيئة الإله من حيث التنزيه والتّفرُّد؟ أو بِاللُّغَة الحنبلية الُمتَأخرة عند ابن قيّم الجوزيّة، الصّواعق المُرسلة على الجهميّة والمُعطّلة، وهذه المسألة لها جذورها، أو إن صحّ التعبير، تُشكّل وحدة عضويّة، مع القول بخلقِ القرآن من جهة، وحريّة الإنسان وفاعليّته واختياره من جهة ثانية، فكيفَ انعكست هذه الإشكاليّات الكلامية على اللّغة ونحوها؟


بناءً على مبدأ الجواهر وأسبقيتها على الأعراض، جاء القول بأولويّة الأسماء فالصّفات فالأفعال، بمعنى إنّ الصّفة أمرٌ زائد على الذّات، ومن هنا جاء تفسير عدم تقدُّم الصّفة على الموصوف فقد وافق سيبويه أصحابَهُ المُعتزلة، ولم يَحِد عنهم ولا خالفهم في مذهبِهم الكلامي، حيث يُميّزون في صفاتِه وأسمائه أنّها ليست هو، وأنّها مخلوقة بخلافه سبحانه" كذلك شرحَ ابن تيميّة الحنبلي، ما وراءَ مقولة المُعتزلة الذين يقولون إنّ الاسم غير المُسمّى فقال: ولكنّ هؤلاء الذين أطلقوا من الجهميّة والمُعتزلة أنّ الاسم غير المُسمّى مقصودهم أنّ أسماء الله غيره، وما كانَ غيره فهو مَخْلُوق.


يَنتهي د.مقبول في الفصل الأخير إلى تقديم الفكرة النّحوية عند سيبويه على المجمل، بوصفها انتماءً عقائديًّا تحملُ هواجسها وتتبنّى أسئِلتها وتعمل على أنّها ترفع العقبات التي تقوم على طريقها، حتّى لكأنّه حلقة من حلقاتها، فدراسة الكتاب عند د.مقبول جاءت على مستويين أسلوبي: تأكيد الطّابع الحواري الجدلي فيه، ودلالي مصطلحي: بمعنى كيفَ يترددُ صدى علم الكلام في فضاء النحو، بمعنى بيان تصور سيبويه للمعاني مُرتَبط بالحدوث المَبني على "الخَلْق" وهذا ما يؤدي إلى حلول التَّغيُّر بالجسم اللغوي، ومن هذا الجسم الجزيئي إنْ صحّ الوصف المنطقي، تتشعّب المسائل، انطلاقاً من شيئية المعدوم، والأصل في الأشياء التّذكير، إذ لا يَشذّ إمام النّحاة عن التّصور الأسطوري الديني في أسبقيّة نشوء المذّكر وانبثاق المُؤنّث منه، وصولاً إلى 1) أكسيولوجيا الصلاح: الذي من خلاله يُكتنَه مبدأٌ مُعتَزِليّ أساسي في فقه هذه الفرقة، ألا وهو مبدأ العدل فالله لا يفعل الشّر ولا يأمُر به، إنّما لا يأمُر إلا بالصلاح والأصلح وهذا يرتبط نحويّا ولغويّاً بفعلي المدح (نِعمَ) والذّم (بِئس). 2) وأنطولوجيا الزمكان: من حيث أنّ الزمانَ مُستوعَبُ الفعل، بل سابق على وقوعه أيضًا، أمّا المكان فهو مُشَاكِلٌ وجوديًّا له.


VIII.


جاءت هذه المراجعة، من موقف خارج القوس الميتافيزيقي الذي ينطلق منه المُؤلّف، حيث تنصبّ الأدوات التحليليّة للدكتور إدريس مقبول صوب التفسير وتكتفي به، ولو أنّ تَنْسيب العقل اللغوي الأشهر في اللغة العربية مثل سيبويه، إلى أكثر الفِرَق عقلانية، فيه شيءٌ من حثِّ الخطى نحو التّنوير، إلا أنّ غاية هذا التأصيل بقيت مُحدّدة بالمُعتقَد، وهذا الموقف هو أساس كلّ فكر ديني، سواء توجّهت تلك الأدوات داخل حواضنه الدّلالية، وتياراته المدرسيّة، أو خارجه.


إسلامِيًّا، لم تنقطع سلاسل التّصنيفات، بل ظلّت تشتغل مع آليات السياسة والتّطور التاريخي والعمراني، هذا ما يُحوّل عملية الانتماء أو بزوغ الفِكْر، إلى عمليّة حيويّة تنبثق عن المجتمع ذاتِه، وليست مُصَدَّرة عن أيّ قوّة خارجية (ميتافيزيقيّة)، إذْ إنّ إشكاليّة اللاهوت، أي لاهوت، أنّه يأخذ وضعية الاستيراد، استيراد المعرفة والفاعليّة التاريخية، من خارج نطاق الوجود، في حين أنّ الوجود الإنساني، ما فَتِئ يُصدّرُ الفكر ويبعثه من عوامل مادّية، وحال اللّغة هنا، والتعامل معها على أنّها، مُكتَسَب خارج عن الاصطلاح البشري، والارتباط به، وعزلها في نواحي التّوقيف، والتّقديس، سيُحوّل البناء اللغوي إلى لبنة مُقدّسة لا يُمكن المساس بها.


لذلك إنّ الأشكلةَ بين النّحو العربي وعلم الكلامي الإسلامي، والحفر فيهما، قائمان عند د.مقبول بشكل منهجيٍّ صريح، بيد أنّهما على مستوى شكلاني واحد، ذلك الحفر الأفقي على غرار لعبة المرايا الأثيرة عند صاحب «الكلمات والأشياء» ميشيل فوكو، حيث البنى الفوقية (كلام وفِقه ولغة= الخطابات) ترتبط ببعضها بعضاً، وتكتفي بذاتها، كما أنّها شكلانيةٌ تصطبغ بلون ديني غامق، عند صاحبها د.مقبول عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فتقف على حافّة ميتافيزيقيا النّص، إنّها شكلانية مهمومةٌ بجعل قضايا المُعْتقَد رحمًا لأي نتاجٍ تاريخيٍّ، مُؤْثِرة إيّاها على حاصِل جَمِع المادّة والتّاريخ، فمثل هكذا ملامح مادّية نكاد لا نستشعرُ وجودَهما في غيابة «الحَفر» في «البحر» تلك.


يعجّ الحاضر العربي بالمعالجات الميتافيزقية، سواء وعى أصحابُها ذلك أم لا، بل إنّه يُمكنُ القول: إنّ الكثير من الأزمات السياسيّة والاجتماعية، وبدلَ أن تُؤرّضَ، يَذهَبُ بها أصحابُها نحو السّماء والتعالي الميتافيزيقي، ومن حيث نتوخّى الحفْرَ، نكون في الحقيقة نُهيل الرّدميات فوق بعضها بعضًا.