top of page

اسم الوَردة لإمبُرتو إيكو | الرّّواية بوصفها فعلاً معرفيّاً


أنس الأسعد

شكّلتْ إيطاليا بتاريخِها محطّةً مركزيّةً في مسار التَّأريخ الأُوربيِّ، لا في رومانيَّتها العتيقة، هُناكَ حَيثُ صِيْغَ المِخيالُ الأبدي المُستَعاد، لما يُسمَّى بالزَّمن البُطُوليِّ فحسب، بل من خلال عصر النّهضة أيضًا، الذي كان عتبةً حَدِّيَّة بين ما قبله وما بعده، وممرًّا عَبَرتْه الشّخصيَّة الإيطاليَّة بوصفها طليعة الرِّيادة، والأكثر ثقةً بمكتسباتها الحَضاريَّة، مقارنةً بسائر الجُغرافيا الأوربيّة في ذلك الحين. ولو أنّ الأمور لاحقًا انعكستْ وتبدّلت بيد أنَّ هذا موضوع آخر. عند تلك الأعتاب المكانيّة لذلك البلد المُتوسطيِّ التُّخُوميِّ، والزّمانيّة لعصر النّهضة، انعقدتْ فصولُ «اسم الوردة» تلك المَعْلَمَة الرِّوائية للفيلسوف والسِّيمولوجي الإيطالي إمبرتو إيكو (1932 - 2016). نقَلَها عنِ الإيطاليَّة أحمد الصّمعي. روايةٌ دَمجت أخيلةً بوليسيَّةً مطلوبةً بشكلٍ كبيرٍ في الأدب العالميّ المُعاصِر، إنّما على أرضيّة تاريخيَّة يشتبكُ في معالمِها التّراثُ القريب المُتطلِّع إلى قيامةِ زمن بطوليِّ جديد.

صَدَرتِ الرِّوَايةُ عام 1980، اليوم وبعدَ اثنتين وأربعينَ عامًا، اتَّضحَ أنّها لم تتوقَّف في ذاتِها عن أن تكونَ أيقونةً نموذجيّةً، لما يجبُ أن يَطرحَه الفنُّ عمومًا أو الأدبُ في شَكلِه، وكأنّها في ذلك تتمثّلُ بموضوعِهَا ذي الأسانيدِ المُشْكِلَة حقًّا. عند هذا الحدّ يُصبِحُ السُّؤال كيفَ يُمكنُ، بعد هذه الأربعين، لمحاوارات القِس غوليالمو ومرافقه آدسو الصَّغير، (بطلَي الرّواية) أن تلبّي تطلُّعَنا نحو قراءةِ عَمَلٍ فنِّي مُؤَسَّسٍ على الصَّلابة الحداثيّةِ للقرن العشرين، خاصّة بعد أن وضعَ العملُ اسمَ صاحِبِه متراصِفًا مع أرباب صناعة الرِّواية في القرن العشرين من ماركيز إلى أورويل إلى محفوظ. كما أنّها، في ذات الوقت، عملٌ ينساب بالقارئ إلى الماضي، فيَعرِض عليه التّاريخ بهيئته السَّيَّالة الخياليّة- الألعوبة؟

توطِّئ الجريمة، بوصفها عامِلًا تشويقيًّا أساسيًّا في الرّواية، المداخِلَ السَّرديّة للأبطال حتّى يأخذوا دورَهم، لا بفكفة الجُرْم- اللُّغز فقط، إنَّما يتعدَّى ذلك نحوَ ما تمكنُ تسميتُه ببساطة: المضمون الرّفيع. إذ يَستعيدُ آدسو بدايةً ذكرياتِه، ويَقصُّها بحضور الشَّيخ، وذاكرة الفتى التي لا تخطو بعيدًا عن خطوِ المُعلّم غوليالمو. عندها تتوالى سُبْحةُ الجَرائم على خطٍّ سرديٍّ مُشوِّق تكادُ تَتَفصّدُ من إثرِهِ عُروقُ الرُّعب والمُخاطَرة. على خطٍّ موازٍ آخر، تنسَربُ الخُطّة التَّاريخيَّة للرِّوايَة لإيضاح الصِّراع على الإصلاحات الدينية وتَبنِّيهَا داخل أروقَة الكَنيسة أو الدَّير الذي قَصَده، المُعلّم ومُريدُه لحلِّ لُغز الجريمة.

تَفتَحُ، هذه الموازيات السَّردية، العَمَلَ على أُفُقٍ مَعرفيٍّ واسعٍ استثمرَ به إيكو أيّما استثمار، خاصّةً أنّ مَكتبةَ الدَّير هي مسرح الأحداث، لتَتَعشَّقَ الحواراتُ على وَقعِ ذلك الزّمانَ الحَدِّي وتجاذُباتِه بين النَّهضة وأفكارها التنويرية، مقابل القرون الوسطى وخرافاتها، والمكان الذي لا تلطُمُه أمواج المتوسط إلّا لتوصِلَ إليه حِكمةَ الشّرق، من مَكتَبات بغداد ودور حِكمَة القاهرة، وخِزَانات أدب طرابلس. لذلك فإنّ أحد المَلامح الجَليَّة في «اسم الوَردة»، هو الـتَّأثيرات الحضارية في النَّقلة الثقافيّة المُتَحقِّقة مع عصر النَّهضة، ومكانة إيطاليا السَّباقة بتلقّي تلك التَّأثيرات، هل قُلنا إنّ العاصي عادَ ليَصُبّ في التيبر من جديد؟ عليهِ، وبالعودة إلى الموازَيَات السَّرديّة نجدُها تقترب من بعضها أكثر، حتّى تستحيلَ إلى جَدَليَّةٍ على يدي نسّاجٍ ماهرٍ مثل إيكو، وليست مُجرّدَ كينونة أوربيَّة لا تَنظُر إلَّا في ذاتها. كلُّ هذا الزَّخَم في المضمون والجريمة لمَّا تُحلَّ بعد! بل أُتْبِعَت بجرائمَ أخرى مع وصولِ البَطَلين إلى الدّير، الأمر الذي يَضعُ القارئ أمام عِطافاتٍ تَنقله تشويقًا من قيمةٍ إلى أُخرى.

كما إيطاليا القَلقة، فإنَّ الدَّيرَ صورةٌ مُكَثَّفة عنها، فإذا أخذتْها أمواجُ الصِّراع ما بين سُلْطةِ الكَنيسة والغيبيّات والخرافات، ستأخذه بالمُقابلِ جريمةٌ مُلغزَة. وإذا عصفَت بها أفكارُ المُهرطقين والمَارقين الذينَ وصَلَتهُم كتابات المُعلِّم الأوّل أرسطو من خلال الرُّشديّة، نسبةً لابن رشد ذلك الأندلسيّ المُعذّب فكرُه في أرضٍ المُقدَّسات التي لا تُمَس، كذلك يعصفُ بالدّير في المقابل ترويعٌ وتخويف. في الإطار العامّ وبعيدًا عن شدِّ الأعصاب، والحِيَل البُولِيسيّة، يَشفُّ هذا الارتباط بينَ الصُّورة الكبيرة- إيطاليا ومن خلفِها أوربّا بأسْرِها، وبين الصُّورة المُصغَّرة- الدّير، عن نوعٍ من التَّدليل على طابَع يقتربُ من الإرهاب الفِكريِّ الذي راح يصبغُ تلك الجرائم إلى حدٍّ ما. هنا يستثيرُ الفيلسوف إيكو الانحيازات الفكريّة إلى أقصاها، عنده هو بوصفهِ مُشْتغلًا في الحقل الفكري والفلسفي، وعندَ قارئه العادي الذي سيظلُّ إيكو يُشغِلُه بالحَبكات والعُقَد، بطريقة لا انفَصام لنسجِ عُراها. ومثلُ ذلك الارتباط الشَّفيف، يتموقعُ غوليالمو القِسّ، بشكلٍ واضحٍ، منتَصِرًا للتَّنوير مع كُلٍّ خطوة يخطوها باتجاه الإجابة عن سؤال: منِ الجاني؟

لو انتقلنا إلى العَتبَات النَّصيّة التي حَدَّدتِ العَمل، فإنَّ العُنوان هو أوّلُ ما يُطالعُنا من حيث اعتمادِه الغَرابة وكَسرِ الدَّهشة في إطلالته على القارئ. في كتابه الأدب والميتافيزيقا يتحدّثُ الكاتب المغربي عبد السّلام بنعبد العالي عن الفضاء المألوف مقابل الفضاء الغريب، حيثُ الشّرط الأساسي لتقويض الميتافيزيقا وللسّرد هو الانتقال من الأُلفة إلى الغرابة. وأكثر ما ينطَبِق هذا الشّرط على مقولة إيكو بعد أن أصدرَ كُتَيِّبًا عنونَه بـ«حاشية على اسم الوردة» نَقلها عن الفرنسية أحمد الويزي، يتحدَّثُ به عن قصّة اختيار العنوان من بين عشرة عناوين، بعد أنْ شطّبَ منها كلَّ ما هو صريحٌ ومباشر مثل «دير الجريمة»، قبل أن يَركُن إلى بيتٍ شِعريٍّ مأخوذ من مؤلَّفٍ قديمٍ بعنوان «عن احتقار العالم» لراهبٍ بيندكتي يُدعى برنار دي موراليكس، جاءَ في تضاعيفه «وردةُ البارحة كانت بالفعل وردة، أمَّا وقد ذبُلَت اليوم، فإنّه لم يتبقَّ منها غير اسم الوردة» كذلك اختَتَمَ إيكو روايته بسطر يقول «كانتِ الوردة اسماً، ونحنُ لا نُمسِكُ إلّا الأسماء» بيدَ أنّ هذه الومضة بين الاثنين لم تأتِ بوصفها خواتيم، بقدر ما صارت فاتحات لنَصٍّ مُشَرَّع.