• Anas Ad

أُفنُون التَّغلبي[i]: إِلهٌ صَغيٌر يَرْثِي/يقتُلُ نفسَه

تم التحديث: يوليو 11

المادّة صَنْعة: أنس الأسعد

I.


يَبدُو رثاءُ الذّات في الشّعر العربي منتعشاً كلّما ابتعدْنا عن الزّمنِ الجَاهلي التّأسيسيّ. فالشّاعرُ المثقّف القابض على قلقِه، وخيباتِه ودنوّ أجله لم يكن ابنَ البادية المَهموم بالثّارات والمُعتاد على اطّراحِ حروبها، بقدر ما كان أوّلاً: ابناً للمدينة، والأمصار الحَضَريّة المفتوحة. هنا أوّلُ من يخطر في البال، مالك بنُ الرّيب[ii] بعد أن نالتْ منه إحدى أفاعِي خراسان، فقال قصيدتَه الجَهيرة، التي يَصحُّ أن توصفَ بــ"أمِّ البَاب"؛ لصيتِها الذَّائع، وسنكتفي بالمَطلعِ منها:


أَلا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً بجنبِ الغَضا أُزجي القِلاصَ النّواجِيا


لكنّ تدقيقاً في لحظة ابن الرّيب، والزّمن الذي عاش فيه، فإنّنا لا نجدهُ بعيداً كثيراً عن الزّمن الجاهلي؛ كونه عاش في زمن معاوية. بالتّالي لا يمكنُ القطع بينه وبين ما قبل الإسلام، بجدرانٍ صمّاء لا ينفذُ منها الشّعرُ إلا بصعوبة. إنّما يُمكن القولُ عن الإسلام منذ نشأته الأولى وصولاً إلى حدود النّصف القرن الهجري الأول، إنّه حالةٌ بعد جاهلية، غضٌّ في تمدّنه، سطحيّ في عُمرانه. (بناءً على ما تفطّن له ابن خلدون من مصطلحات). وعليه فإنّ رثاء الذّات عند ابنِ الرّيب يبني على نفسه لا ليقولَ أنا جديدٌ وذاكَ قديم، على طريقة أبي نواس، الذي سيأتي بعده بما يقربُ المئةَ عام. زمن الرّشيد وابنيه. بل إنّ ابنَ الرّيب يؤسّسُ على نفسه دون أن يعي أيّ خطوط أو تقسيمات، يؤسّسُ على الذّهنية "الفطرية"، ولو أنّي لا أحب استخدام هذه الصّفة لابتذالها إسلاموياً في يومنا هذا. تلك الذّهنية إذن لا تقاطع بينه وبين الجاهليين، وكأنه وكأنهم من دائرتين مختلفين، إنّما تجعله جاهليّاً في ذاته. هذا ولم نقُل شيئاً عن أسبقياته الجنائية التي تدعمُ ملفّه بالانتسابِ إلى الجاهليين ونقصدُ هنا صعلكته.


ثانياً: بقدر ما كان الرّاثي نفسَه، فارساً أسيراً يهدِّئُ نزفَ جراحه الجسدية والنّفسية بالرّوميات كأبي فراس الحمداني، أو بالأدق أيضاً، ما بعد الرّوميات حيث يتجلّى رثاءُ النّفس بشكل أظهر عنده؛ إذ لم تعد مُسبّباتُ الجراحِ روميّةً بل عائلية. وذلك في بائيّته الاحتضارية الشّهيرة بأبياتها الخمسة، عندما راحَ يخاطبُ ابنتَهُ، بُعيدَ طعناتٍ نجلاء سدّدها له ابنُ أخته أبو المعالي بن سيف الدّولة (معكوس دايدالوس ـــ بيردكس، أنظُر المقالة السّابقة)

قولي إذا ناديتني وعييتِ عن ردِّ الجوابِ:

زينُ الشّباب أبو فرا سٍ لمْ يُمتَّع بالشّباب[iii]


وكما فتّشنا عن مَردٍّ جاهلي لصدى رثاءِ ابنِ الرّيب، فوجدناه قائماً في الرّاثي نفسِه، يصحّ أيضاً أنْ نفتّشَ لأبي فراسٍ عن مردّ جاهليٍّ. لكنّ أبا فراس عاش في القرن الرّابع الهجري، والحالة الجاهلية سواء بالتّقسيم المدرسي (الدّيني) للعصور، أو على صعيد الذّهنية، تلاشت على عكس المثال الأوّل، وبالتّالي لا يصح أن نعيدَ أبا فراس إلى نفسه، بل يجبُ أن نبحث له عن تقاطع ما. عندها ليس أدلّ جاهليّاً ولا أشهر من قصيدة عبد يغوث الحارثي، أسير يوم الكُلاب الثاني أوّلاً، وقتيله ثانيا:


ألا لاتلوماني كفى اللّومَ ما بيا فما لكما في اللّوم خيرٌ ولا ليا فيا راكباً إما عرضتَ فبلِّغَن نداماي من نجرانَ ألّا تلاقيا وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميّة كأنْ لم ترَيْ قبلي أسيراً يَمانيا[iv]


ثالثاً: بقدر ما كانَ الرّاثي نفسَه، أميراً بونابرتياً سُلِب منه ما سُلِب، ونُفِي سياسياً كالمعتمد بن عبّاد، صاحب إشبيليّة، الذي أُعيد بالجَبْرِ المُرابطي إلى أغمات؛ رقعة الصحراء تلك التي لم يألفها من قبل:


فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا فساءك العيدُ في أغماتَ مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس ما يملكن قطميرا[v]


أو قوله في قصيدةٍ أشهر، وحسبنا منها المَطلع:

قبرَ الغريب سقاكَ الرائحُ الغادي حقّاً ظفرتَ بأشلاء ابن عبّاد[vi]



ولو أنّ بعضاً من أصداء النّفي وأثره على النّفس المرثيّة عند المعتمد يتردّدُ ويتقاطع مع أثقل أساس من أساسات الجَاهلية، والشّعر العربي بأسره، وأقصد امرَأ القيس، الضّلّيل الذي قضى شريداً طريداً، بحلّته المسمومة وجِلدِه المتقطّع:


أجارتَنا إنّ المزارَ قريب وإنّي مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ

أجارتَنا إنّا غريبانِ ها هنا وكُلّ غريبٍ للغريب نسيبُ[vii]


II.


بعد هذه المقدّمات الاستقصائية في ماهيّة رثاء النّفس، والتّي بعضها من الشهرة فلا يحتاجُ طولَ شرح، ووصولِنا إلى امرئ القيس، يمكنُ لنا أنْ نُذيّلَها بختامٍ وشيك نعبرُ من خلاله إلى موضوعنا الأساس، ألا وهو إلهُ التحوّلات، الصّغيرُ الذي لا يُمكنُ قبضُه: أُفنون التّغلبي. فكيف لامرئ القيس أن يوطّئ لأُفنون؟


بدايةً علينا أن نستذكرَ معاً الموقف الشّكي لعميد الأدب العربي طه حُسين من امرئ القيس والجاهليين بأسرهم، في كتابه المنهج "في الشّعر الجاهلي"، ونضعَ هذا الموقف مقدّمةً كبرى لما سنذهبُ إليه. فامرؤ القيس الكِندي، وإنْ كانَ ربّاً من أرباب الجاهليّة، فهوَ عند العميد قد يكون عبدالرّحمن بن الأشعث الكندي ليس إلاّ[viii]. ذلك الثائر الأرستقراطي الذي حاولَ مُلكاً، عن حقيقة هذه المرة، ومات شريداً إنما في زمن عبدالملك بن مروان الأموي الأكثر وضوحاً وجلاءً من زمن جاهليّ مُغرقٍ بالانتحال. بيد أنّ مسألة الشك في ذاتها ليست هي موضوعنا، لكنّنا سنستعين بها في فهم التحوّل الذي خضع له الشّاعر أفنون التّغلبي، وهنا يأتي دورُ المقدّمة الصغرى: الميثولوجيا، كما يشتغل عليها في يومنا الرّاهن، الشاعر والباحث زكريا مُحمد، والذي لا يُسلِمُ عنُق امرئ القيس لمنهجيّة الشّك وكفى، فيستحيل هيكلاً لا روح فيه، بل يستعينُ عليه بضخّ السّحر في عروقه. وهذا برأيي يساعدُ أكثر في فهم كيف نبتت على أطراف مركزيّة امرئ القيس كلّ تلك الإحالات والتفاسير؟ حتّى وهو مشكوك بكينونته! ومع قراءة زكريّا محمد لأفنون، سنكتشف أنّ تلك المركزيّة لا تُصدِّر ما عندها من ميثولوجيا على سائر الشّعرا