• Anas Ad

أَحْمَد السِّسْتم | أو قصَّة الرَّجُلِ الذي لَم يُفكّر

قصّة قصيرة لـ: أنس الأسعد

i.

بدأ أحمد السستم كتابةَ استقالتِه في مكتبِه المُلحق ببناءِ الماليّة الضخم، لملمَ الأوراقَ التي خلّفها المراجعون على طاولةٍ في ردهةٍ تُمهّدُ لمكتبه، قصقصَ أظافيره بالمقص، بعد أن أربكَ طولُهم إمساكَه بالقلم، وراح يدزّ القلامة في الصوبيا فيسمعَ صوتَ تكسّرها، أو يتهيَّأ له ذلك السماع، وبين الأظفر والآخر ينظر إلى الباب المغلق، ليتأكّد أنّه مغلق حقّاً فالردهة من خلفه تجرّ صقيعاً كارثياً منتظراً لو فُتحت. صقيعاً أحسّ به، وكركب خطّه بعد أن تخلّص من مشكلة الأظافر الطويلة. أنهى الورقة، وتوجّه فوراً نحو رئيس الدائرة، وهو متأكّد أنّه سيوافق على طلبه، ألقى نظرة أخيرة على مكتبه، دزينات من الأقلام الفارغة، كلُّ قلم يعادل شهراً من الزمن، ثم الخزنة التي أكسبته الأهمية فهو أوّلاً أحمد الخزنة، أمّا اللاحقة السستم فقد اكتسبها تالياً بعد أن أثبت علاقته المتطورة قياساً بأقرانه مع الكمبيوتر، وعند هذا الأخير الراقد كجمل أغبر في زاوية المكتب تبدأ الحكاية.


ii.

حلّ الكمبيوتر ضيفاً غليظاً على السستم في مكتبه، لكن مع طول الممارسة تمكّن أحمد من محاكاة نظام البوابات الالكترونية إنما على مستوى ميكانيكي ضحل وأقل رقمية، فالبوابات الأولى التي فرضتها الدولة قبل ثمانين عاماً كانت توفّر نوعاً من السرعة في الانتقال شبه مذهلة وغير مُصدّقة، لكنّها باهظة الثمن وتحتاج لتحديث مستمر أقصاه تأخرّاً 15 يوماً، عندها ظهرت البوابات الميكانيكية الأقل كلفة بما لا يقاس، لكنها جاءت بمشاكل لم تكن أيضاً في حسبان أحد.


مكّن الكمبيوتر العتيق أحمد من فهم المبدأ الذي تعمل به البوابات الميكانيكية، وبقليل من التفرّغ ودورات الصيانة وجد لنفسه عملاً إضافياً بعد المالية، يقوم من خلاله بإصلاح الشقوق الحائطية التي بدأت تظهر على جدران بيوت المدينة، وهي شقوق خُصّصت للنساء فقط، بعد أن صار الخروج من البوابات الالكترونية أمراً مرتبطاً بالرجال الذين يمتلكون الكمبيوترات الحديثة، والهويّات الرقمية، لكن بعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على هذا القانون المروري أصبح مقبولاً أن ترى رجلاً يخرج من تلك الثقوب متأبّطاً قرصاً مرناً يمرّره على البوابة النسائية فتفتح له.


ظلّت البوابات ضيّقة لفترة طويلة من الزمن قاربت الخمسين إلى الستين عاماً، ضمرت النسوة في هذه السنوات مراعاة لقياس البوابات/الشقوق، لم تكن بوابات الرجال أوسع من حيث الأقيسة بيد أنّها بدت أكثر مراعاةً للتكنولوجي والرقمي، مقابل الملامح الميكانيكية لبوابات النساء. الكثير من الموظفين الذين فُرض عليهم التعامل مع الكمبيوترات القديمة وجدوا فرصة فيها للربط بين المنزل وأماكن العمل، وتجنّب كل الأمكنة البينيّة المفترضة ووسائط النقل أيضاً التي يمكن أن تكون مزدحمة وأقل أريحية، وبذلك أصبحت الشوارع تحمل ملمحين، بعد انضمام الموظفين إلى النساء، فاقتصرت على الذكور من غير الموظفين، أي الذكور القادرين على تحمّل تكاليف التحديثات الذكية للبوابات، التي كانت تُحدَّث بشكل آلي كل نصف شهر، وبالتالي ليس كل ذكور العائلة يستطيعون اختراقها فكنتَ ترى الأخوة يتحاصصون الأجهزة على شكل ورديّات، كل ورديّة من 15 يوماً، ومع الزمن بدا الاكتفاء بذكر واحد للعائلة أضمن من ناحية النزاعات على ملكية لا تقبل التفتيت كأجهزة الكمبيوتر، (إنها كالخصى لا تبدّل ولا تُعار) قال أحمد السستم هذه العبارة ذات مرّة لمجموعة من التقنيين الذين تم فرزهم لإصلاح البوابات الميكانيكية، وأُلْحِقوا بالمالية حيث يأتون لنيل مستحقاتهم من جهة، واكتساب خبرة من أحمد نفسه.


بقدر ما أخذ أصحاب كلّ بوابة يبتعدون عن الالتقاء مع بعض، وتكوين عالم مكاني خاصّ لكلّ منهم، بيد أنّ القائمين على البوابات بنوعيها الالكتروني والميكانيكي، هم جهة واحدة، المؤسسة العامّة للبوابات الالكترونية (م ع ب ك) وهي المؤسسة التي تنظّم الحركة المرورية بين البيوت وأماكن التشغيل بما يضمن السلامة الأسرية والأخلاقية من جهة، ورعاية الفصل بين الأجيال التقنية للمخترعات، بما يتراعى مع الإمكانات المادية للمواطنين. خلال الثمانين عاماً من نشوئها توسّعت المؤسسة وشملت العديد من الهيئات التي كانت خارجها أو موازية لها في البداية، كالمؤسسة العامة لسكك الحديد، المجلس الأعلى لتطوير الكباري والجسور، وزارة النقل والاتصالات والرّي والمالية والبحوث العلميّة، كلها أدمجت على التدريج بجسد واحد حمل اسماً جامعاً مانعاً (م ع ب ك). لكن القسمة التي أُخِذَتْ بها هذه المؤسسة كانت تشتغل على مستويين، فلديك المستوى الأول: المكتب الشمالي أو فرع المختبرات الذي شّكلته نواةٌ أساسية من خريجي النانو تكنولوجي الأوائل قبل ثمانين عاماً واضعين الأساس المروري الأوّل لفكرة البوابات، ومنه انبثق المجلس الوزاري لاحقاً الذي ظلّت بيده ملفات أساسية كالمستحقات المالية، والتحكيم العلمي لأعضاء القيادة، وأمور أخرى على علاقة بالكفاءة، وسبُل تطوير البوابات بطريقة نصف شهرية، المدة التي لم تتغيّر أبداً طيلة الثمانين عاماً بالرغم من اختلاف الشخصيات داخل هذا المجلس. أمّا المستوى الثاني: فالمكتب العام، وبه أنيطت أمور الضم والتوسعة وقد نشأ بعد عشرين عاماً من إنشاء المكتب الشمالي، وكانت شروط الكفاءة العلمية أقل مراعاة فيه، لكن مع توسّعه على حساب الأوّل تمّ إقرار مشروع سُمّي ب”النفاذ العلمي” يتم عبره النظر في طلبات الضم ومدى قرب الأجهزة الإدارية المنضمّة إلى فروع المؤسسة، والنظر في الطعون المقدّمة من تلك الأجهزة في حال عدم إقرار ضمّها. مع ذلك خُلقت مكاتب بينية لا هنا ولا هناك، فالمالية حيث أحمد السستم اليوم، كانت مؤسسة محكومة مباشرة من المجلس الوزاري وفرع المختبرات، قبل أن يتم الاستغناء عنها مع اعتماد عملة البتكوين وأُلحقت بالمكتب العام ثم صدر قرار دمجها منذ ثلاثين سنة بالإرشادية الميكانيكية، الأمر الذي أتاح لجيل أحمد السستم أن يتقن مهارتين (مصرفية وميكانيكية) لكن دون أن يكون له كشخص أهمية تعادل أهمية الأشخاص الذين مرّوا على المالية “أيام العز” أي ما قبل الدمج. كما أنّه ظلّ يجهل اللغة البرمجية التي تمكّنه من الترقي الوظيفي والانتقال من المكتب العام إلى الشمالي.


راحت المؤسسة تتّسع وتبتلع كل المؤسسات والوزارات الصغيرة، حتى استقلت بمجلسها الوزاري ولم يبقَ سوى وزارة الدفاع التي ظلّت عصيّة على الابتلاع، لكنّها أنشأت بالمقابل مجلسها الخاص المكوّن من خمسة وزراء للدفاع، وصارت بدورها تنافس الـ(م ع ب ك) على التهام جسد الدولة. لكنّ الدفاع كانت تفشل دائماً أمام الـ(م ع ب ك) إذ ليس لديها قوة مثلها ولا قانوناً للنفاذ العلمي اعتبر اليد الضاربة، فعندما يقرر المجلس الوزاري وضع اليد على مؤسسة جديدة في البلد كان يرفع بوجه هذه المؤسسة “النفاذ العلمي” وقلّما حكم القانون بعدم الضم، أو عدم نفاذ خبرات المؤسسة المراد ضمها ومن هنا أخذ القانون اسمه “النفاذ”، على العكس تماماً ففي البداية يتمّ إظهار أي مؤسسة على أنها في صلب تطوير (م ع ب ك) فيصدر قرار قسمتها مباشرة بين المكتبين الشمالي والعام وهي آلية كُتب عنها الكثير في الصحافة، واعتُبرت آلية مراوِغة لسحب اللب والتخلص من القشرة، أكثر من أن تكون حقاً مراعاة للكفاءة العلمية، فوزارة الري عندما تمّ ضمها جرى التخلص من كل مؤسسات الصرف الصحي والثروة الحراجية وإلقائها على عاهل المكتب العام، أمّا مشاريع أعالي البحار، والجزر الصناعية، والتحلية النووية المستدامة فألحقت مباشرة بالمكتب الشمالي، أي بالمركز. آخر المؤسسات التي صمدت بوجه تمدد (م ع ب ك) كانت الأوقاف والشؤون الدينية العليا، وهنا جاء التحوّل في حياة أحمد السستم.

حلوان ــ زُحل| المصدر: أرشيف الملجس الأعلى لتطوير الكباري وسكك الحديد

iii.

وقع المجلس الوزاري لـ(م ع ب ك) في مشكلة تسويغية عندما وصل إلى الأوقاف هل سيتركها لمجلس وزارات الدفاع تستفيد منها أم سيدخلها تدريجياً إلى فرّامة “النفاذ العلمي” وتنحلّ المشكلة تكنوقراطياً مثلها كمثل المؤسسات التي استعصت طيلة الثمانين عاماً على الضم، ثمّ أقسرت قسراً، أو فُرِمَت كما صهلَ باستخفاف أحد المستشارين في المجلس مقللاً من أهمية المشكلة، وناظراً لها بعين الحسم، فالصراع بين مجلسنا ومجلس وزارات الدفاع هو صراع بين أول واااااااا…. ثاني، كالصراع بين الأهلي والزمالك (بدت الضواحك منه، مقلوعة) وليس صراعاً بين أنداد، لو أردنا ابتلاع الدفاع لفعلناها من أربعين سنة، وبالنفاذ العلمي ستتم القسمة كالتالي وكالمعتاد: شؤون العملات الرقمية والتقانة الرفيعة هي من حقّ المكتب الشمالي أو باسمه العلمي يا سيدي “فرع المختبرات” ههه، أمّا الأمور التنظيمية والميكانيكية فتحت تصرّف المكتب العام.


أنهى المستشار حديثه، ونظر بقية أعضاء المجلس إلى بعضهم مدركين كم المغالطات التي تفوّه بها من يعتبرونه قيادياً وواجهة إعلامية للمجلس، إذ تكشّف عن جهل وقلّة اطلاع بطبيعة الأوقاف الإدارية، فهي لم تدخل في إطار الأتمتة الرقمية التي فرضت على كل الدوائر الحكومية، بل تُرِك لها استقلالية خاصّة لدرجة لم يراعَ فيها تطبيق القانون المروري المتمثّل بالبوابات سواء كانت الكترونية أم ميكانيكية، وبخصوص الموظفين هناك فإنهم يتحركون بزمن آخر، زمن الوقود الأحفوري والسيارات البترولية، فعن أيّ نفاذ علمي يتكلم المستشار؟ عدا عن المشكلة الأعوص وهي تحوّل الأوقاف لمكبٍّ للمتقاعدين والمستقيلين من وظائفهم أو الذين رفضت المحكمة نقوضاتهم للانضمام لـ(م ع ب ك). وبالتالي لو تمّ انضمام الأوقاف أخيراً فهي مسؤولية المكتب العام فقط، وكل ما على المكتب الشمالي فعله هو المباركة والتقاط الصور الأنيقة، هذا كان رأي بقية المجتمعين من قيادات المجلس ومستشاريهم.

iv.

استقالة السستم لم تكن الوحيدة، هي إقالة فُرضت من فوق أكثر منها رغبة حرّة تحملُ استنكاراً ما، كلُّ من اكتشف له صلة بصيانة البوابات الميكانيكية خارج ما يفرضه المجلس الوزاري، اعتبر رجعياً ومساهماً بتكريس القوانين المتخلّفة في البلد، فالصيانة كانت تحتاج لرخصة مزاولة مشروطة بمواعيد معيّنة لا تتجاوز الخمسة أعوام، المدّة التي تعدّاها السستم بأشهر، فعوقب بالإقالة مباشرة، والحرمان من شهاداته العلمية، والإحالة لمجلس تأديبي كان يحكم بالأغلب على أسراب المقالين بالعمل لمدّة عامين لصالح الأوقاف، وهذه عقوبة زمنية طويلة، ترجع بالموظّف إلى المواقيت الأحفورية والتحركات اللابيئية التي يترتّب عليها احتقار في السلّم الاجتماعي.


إذا كان المكتب العام يعيش زمناً، دون زمن المكتب الشمالي ومواطنيه، فإنّ الأوقاف كانت تعيش تردّياً زمنياً دون الاثنين، فمنذ أن تمّ دمج الديانتين المسيحية والإسلامية في هذه المؤسسة، والاستغناء علناً عن النص الرسمي لدين الدولة، أخذت دوائر الأوقاف بالضمور واقتصرت على ثلاث فقط، دائرة تعنى بالمؤذّنين والصلاة الوسطى (حيث اعترف المسيحيون بهذه الصلاة ويؤدونها في الجوامع مع المسلمين، مرّة واحدة من عصر كلّ يوم) وهي الدائرة الوحيدة ذات الطابع الطقوسي التعبّدي، ثم دائرة الإقالات العمومية وهي مجموعة الموظفين المكسّرة رتبهم ويقضون عقوبات جنائية أمثال أحمد السستم، أمّا الدائرة الثالثة والأخيرة فهي دائرة الربط، وهي أرفع الدوائر واقتصرت رئاستها الفخرية على المسلمين أيضاً. كانت الدائرة الثالثة تراقب شكلياً الدائرتين الأولى والثانية، فالأولى أو ما بات يُعرف بدائرة “المرجئة” المؤمنين بحديث: (يَدرسُ الإسلامُ كما يدرسُ وَشْيُ الثّوب) اقتصرت طقوسهم على قول: أدركنا آباءنا على لا إله إلا الله والصلاة الوسطى “المشتركة” وأداتهم التعبيرية عن ذلك كانت المآذن، التي تنتشر وتفرّخ بالتناسب طرداً مع أعداد المُقالين، ويصرّ الجميع على مراعاة ما تبقّى من هذه الطقوس. أمّا الدائرة الثانية فقلّة قليلة من المحسوبين عليها كانوا ينخرطون في أمور “الصلاة الوسطى” التي اقتصرت على المجاميع الغفيرة للأولى، والإمامة التي من اختصاص الدائرة الثالثة. ولمّا كانت إقالة أحمد من المالية قد فُرضت عليه، فإنّ طول مكوثه في الجامع حيث يقضي محكوميته قد جعله على احتكاك مباشر بالمرجئة والمسيحيين، عندها أخذ القرار الحاسم في حياته بأن ينخرط في نشاطات الدائرة الأولى، ويصبح مؤذّناً.


v.

انقشع أول الفجر، تقدّم أحمد خطوة من مايكرفون الجامع، تسمع لإقلاعه طقّة تشبه انفلات السدادة الفلينية من زجاجات النبيذ المنسي، ومع أوّل تكبيرة كان يُعلن النهوض القسري للجماعة المؤمنة، كانت المآذن تملك زمام تخطيط العمارات من حولها، تنطلق من الجامع وإليه تعود الأزقّة، تنتقل إلى آخر في نهاية الشارع لتصطدف بمثله في وسطه وأوّله، مكبّرات صوت ضخمة وعالية على شكل تيجان، صيحة واحدة إبان الشروق كانت كفيلة ليتقشّر النومُ، ويتكسّر المنام كقًلامة في صوبيا. يقطع أحمد الزقاق الحالك بين بيته ومكان عمله، يغلق بوابة منزله الحديدية الضخمة بمزاليج صدئة دوناً عن زوجتيه اللتين تصليان في المنزل. يتقشّر الجوّ أكثر مع دخول المصلين المسجد، يكرّر أحمد الذهاب والجيئة بين بيته وعمله خمس مرّات يومياً، ويستقلّ سيارته الخاصّة إلى مركز المدينة مرّة واحدة في الشهر ليستلمَ راتبه من الأوقاف. يتقشّر الواقع أكثر عن حدود مكانية مخصصة تعزل النساء عن الرجال، وإيمان المسيحيين عن إيمان المسلمين، ليبقى المايكرفون الإسرافيلي هو سيّد المكان، سيّد الصيحات والتقشّر والوظائف.


كان هذا أحمد، وهذه وظيفته العاديّة لأكثر من عشر سنوات وروتينه اليومي، الذي لم يبدّله تبديلاً، وكنتُ أنا مجرّد رجل أقحم نفسه في حلبة بدينة من مكبّرات الضجيج، تمنّى أن تضطرّه مرّة لتشنيف الأذن صوبَ المقام، لا أن تدفعه للتفكير في وظيفة المؤذّن.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020