• Alaa B.H

أول لقاحٍ في العالم: قصةٌ مسكوتٌ عنها

نُشِرَت هذه المراجعة لكتاب غافِن ويتمان "The Great Inoculator: The Untold Story of Daniel Sutton and His Medical Revolution" في دورية لندن ريفيو أوف بوكس (رابط المادة) في المجلد 43 العدد 3.

ستيفن شابِن*

تر: علاء بريك هنيدي

_________________________________


يُعدّ الجدري “Smallpox” قصة النجاح الأعظم في تاريخ الطب. إذْ سبق وأودى هذا المرض بأعداد هائلة من الأرواح –ما يصل إلى نصف مليار شخص في القرن العشرين وحده–، وأصاب آخرين كثُر بالعمى والتشوّه. لقد جسَّد، كما قال توماس ماكَولاي “Thomas Macaulay”، "أفظع آلات الموت"، فيما كان الأطفال وجبته المفضلة. في الماضي، قُدِّرَت فرص إصابتكَ بالمرض بحوالي الثُلث، وفي حال أُصِبتَ به فاحتمالية الموت تقرب من الخُمس، ولَوَاْنَّه ارتفعت هذه النسبة إلى النصف في بعض حالات التفشي. أما اليوم، فقد اختفى الجدري. إذْ أعلنت منظمة الصحة العالمية القضاء عليه في عام 1980، ليكون بذاك المرض البشري المعدي الوحيد الذي جرى القضاء عليه تمامًا. بيد أنَّ الفيروس المسبب له ما زال مُحتفظًا به في مراكز مؤمنة وآمنة: المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في أطلانطا؛ ومركز أبحاث الدولة في علم الفيروسات والتقانة الحيوية في كولتوسوفو –سيبيريا. وحسب علمنا، هذا كل ما تبقى منه. (أشارت تقارير استخباراتية إلى أنَّ العراق إبان حكم صدَّام حسين سبق وامتلك بعضًا منه، وأنَّ كوريا الشمالية تحتفظ بمخزونات منه، وفي عام 2014 عثر باحثٌ في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مصادفةً على صندوقٍ مهمل يحوي على ست عينات من الفيروس، في حين لا يجب أنْ يكون لديهم أيٌ منها).


وقعت آخر حالة طبيعية للجدري في الصومال في عام 1977، وسُجِّلَت آخر حالة وفاة في عام 1978، حين أدى خطأ غير متعمد عند التعامل مع عينات الفيروس في كلية الطب بجامعة برمنغهام إلى مقتل امرأة تعمل هناك. ومع أوائل السبعينيات، انتهى التلقيح الدوري في كل من بريطانيا وأمريكا –وإذا كان سنك مناسبًا للتلقيح، عليك معرفة أنَّ الحماية تميل إلى الانخفاض بعد حوالي عشر سنوات. أما اليوم، يمكن القول بأنَّه ما من تهديد يأتينا من الجدري مثلما أنَّه ما من خطرٍ من الأسلحة النووية –أي افتراض عدم وقوع حوادث سواء غير مقصودة أو عن سابق إصرار وترصد. لكن منذ عهدٍ قريب، تعاملت حكومة الولايات المتحدة مع الإرهاب البيولوجي بجدية لدرجة أجرت تدريبات مفصلة –عملية الشتاء المظلم “Operation Dark Winter”– لمحاكاة استجابة منسقة لهجوم بيولوجي بفيروس الجدري، وأعلن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وجود ما يكفي من اللقاحات في المخزون الوطني الاستراتيجي لتلقيح كل مَن في الولايات المتحدة. جرت هذه العملية في يونيو/حزيران من عام 2001. وحين وقعت أحداث 11 سبتمبر/أيلول، جرى رفع جاهزية فرق الاستجابة الفيدرالية للجدري تحسبًا. يعتقد بعض الخبراء أنَّ إرهاب الجدري "من المحتمل أنْ يكون الإرهاب الأخطر": إذْ أوجد القضاء على المرض وانتهاء التلقيح أشخاصًا تتسم "مناعتهم بالتراخي" –مثل مناعة السكان الأصليين لأمريكا ممن تلقَّوا ممتنين في عام 1763 بطانيات تحمل الفيروس هديّةً بتدبير من الجنرال البريطاني جيفري أمهِرست “Jeffrey Amherst”.


في القرن الثامن عشر، كان متعارفًا بين الناس أنَّ حالبات البقر عادةً ما تُصاب بجدري البقر الأخف “Cowpox”، لكنهن نادرًا ما يُصَبْن بالجدري. وكان طبيبُ منطقةِ غلوسترشير "إدوارد جينر Edward Jenner" على علمٍ بذلك أيضًا، لتأتي نهاية الجدري مع عام 1796 حين طعَّم طفلًا يبلغ ثماني سنوات بقيح "صديد" من قرحةٍ على يد إحدى حالبات البقر. وعلى مدار الأشهر التالية، عرَّض جينر الطفلَ لفيروس الجدري، فلم يحدث له أي شيء: بدا أنَّه محمي. ليُسمَّى هذا الإجراء بـ"التلقيح" –اشتقاقًا من الاسم اللاتيني لجدري البقر، Variolae Vaccinae، أي الجدري الآتي من البقرة (Vacca). وكان لوي باستور مَن قرر، بعد سنوات عديدة وإكرامًا لذكرى جينر، لزوم تسمية كل أنواع التطعيم “inoculation” "تلقيحًا" “Vaccination”، برغم أنَّ لا علاقة لها بالأبقار.


تلخصت طريقة جينر في إعطاء المرء جدري البقر لوقايته من الجدري، وحالما ثبت أمانها وفعاليتها، اعتُبِرت هذه العملية صفقة رابحة. فأقر البرلمان التلقيح المجاني في عام 1840 وجعله إلزاميًا في 1853. من الناحية التاريخية، عادةً ما تبدأ القصة التقليدية لانتصار العلوم الطبية على المرض المُفزِع من عند جينر. بيد أنَّ جينر كان حلقة ضمن سلسلة تاريخية طويلة من الممارسات الطبية ذات الصلة. كان التلقيح نمطًا من التطعيم، جدير بالذكر أنَّ كلمة التطعيم تنتمي إلى ميدان البستنة –التطعيم “grafting”بالبراعم أو القلَم لإكثار النبات. قبل التلقيح، هدفَ التطعيم إلى إعطاء المرء بعضًا من مادة تحمل فيروس الجدري، عُرِفَت هذه الممارسة باسم "التجدير" “variolation”. يأخذ المُجدِّر (أو المُطَعِّم: مصطلحان كانا قبل جينر مترادفين) مقدارًا صغيرًا من قيح شخصٍ مُصاب بالجدري ويُدخِلها تحت جلد شخصٍ آخر. بعد 12 يومًا تقريبًا، يظهر على هذا الشخص أعراض الحمى وآلام الرأس والظهر –وربما الغثيان. بعدها بأيام، يظهر على الجلد وحول الفم بثور صديدية مدورة أشبه بحبات البازيلاء، لكنها تظل أقل بالمقارنة مع مَن تعرض للإصابة بطريقة طبيعية أو "عرَضية". تنتشر هذه البثور على جلد المريض، لكنها والحمدلله تختفي بعد عدة أسابيع، بدون أي أثر أو ربما مُخلِّفَةً بضع ندوبٍ صغيرة.


هكذا، أُصِبتَ بالجدري، لكن إذا نجحت العملية كما يُفترضُ لها، لن تعاني مما كان يُسمى آنذاك الشكل "المتمادي" أو "الخبيث" من المرض، حيث تغطي البثور الصديدية والقروح السطحية جلدك بالكامل، مع انتشار بثور[1] في المريء والكبد والطحال، ولن تُعاني من تسمم الدم أو فشل الأعضاء؛ ولن تموت موتًا مؤلمًا –كان هذا أمرًا وارد الحدوث لو أُصِبتَ بالجدري العادي. يمكن لبعض الحالات المروعة، على الأخص، أنْ تقتل المُصاب خلال بضعة أيام أو حتى خلال ساعات بعد ظهور الأعراض، وقد ذُكِر في أواسط القرن الثامن عشر أنَّ جسد أحد الضحايا قد تعفن بسرعة وبشكلٍ كامل لدرجة أنَّ "أطرافه سقطت أثناء رفعه إلى التابوت". هكذا، تمثَّل العقد مع المُطَعِّم بقبول شكلٍ خفيف من المرض وفرصةً أقل في الموت، مقابل مستقبلٍ يتحصَّن فيه المرء ضد المرضَ الذي يحدث بشكلٍ طبيعي ويحمل معه فرصةً كبيرة في الموت أو التشوّه.


لكن كيف يمكن لأي كان التفكير بهكذا عملية، مع ما فيها من تحدٍ للمنطق الشائع؟ الرواية الرسمية هنا تنطوي على العلوم الطبية البريطانية والاستشراق. تبدأ القصة في عام 1717 حين حطت الشاعرة والناقدة الليدي ماري ورتلي مونتاغو “Lady Mary Wortley Montague” وزوجها رحالهما في القسطنطينية، ليكون زوجها سفير بريطانيا لدى الباب العالي. خلال تواجدها في السلطنة، طرقَ سمعها أنَّ مُسنَّاتٍ يونانيات في المدينة كن يُجرين ما سُمِّيَ بـ"التطعيم". حيث وافق الأتراك بالآلاف على الإصابة المتعمدة بقيح الجدري. جرى الأمر بسرعة، وأحيانًا في مناخٍ احتفالي. أعقب ذلك فترة نقاهة قصيرة، يخضع فيها المريض لحمية نباتية. عُدَّت العملية فعَّالة في تحصين المرء ضد الإصابة المستقبلية. ما زال وجه الليدي ماري المشوَّه يشهد على جولتها الأخيرة مع الجدري المتمادي (كتبت لاحقًا "تلاشت وسامتي!")، زِد على هذا وفاة شقيقها بالمرض نفسه منذ فترة قريبة. هكذا، كانت ترتاب في المعرفة والممارسة الطبية البريطانية، لكنها على العكس تقبَّلت الثقافة العثمانية ولم تمانع قبول شهادةٍ طبية محلية دون تشكيك.


اِفترضَ معظمُ الناس أنَّ أطفالهم سيصابون في نهاية المطاف بالجدري، وسبق أنْ فَقَدَ العديد من هؤلاء الناس أقارب وأصدقاء بسبب هذا المرض. فلم يكن غريبًا بالنسبة لليدي ماري بحسابات العائد والمخاطرة أنْ تجد الأمر معقولًا، فطلبت من جرَّاح اسكتلندي يعمل في السفارة أنْ يساعد سيدةً يونانية خبيرة على تطعيم ابنها البالغ خمسة أعوام. بيد أنَّ الطبيب، الذي كان متوترًا ورافضًا استخدام المرأة لمَخِيطِها المُثَلَّم والصَدِئ، تولَّى القيام بالمهمة، فأداها بنجاح. لم تتفشَّ البقع بكثرة على جسد الصبي، ولم تظهر أي ندوب، وسرعان ما عاد سليمًا معافى. فكتبت الليدي ماري إلى أصدقائها حول ما حدث، ليغدو التطعيم حديث المدينة حتى من قبل عودتها إلى لندن في 1719.


في الواقع، حين وصلت ممارسات الأتراك إزاء الجدري إلى الأطباء البريطانيين، لم يكن التطعيم أمرًا جديدًا ولا ابن بيت العلم الغربي. ففي الصين، اعتادوا لقرونٍ على نفث مادة الجدري المجففة والمطحونة في الأنف، كذا اعتاد العرب على إدخال القيح تحت الجلد. أما في شمال أفريقيا والصحراء الكبرى، كان التطعيم ممارسة واسعة الانتشار. وفي بوسطن أيضًا، اعتُمِد التطعيم خلال تفشي الجدري في عام 1721، روَّج له آنذاك الوزير البيوريتاني كوطون ماذِر “Cotton Mather”، الذي علم عن هذه الممارسة من عبدٍ اشتراه من فترة قريبة –"عبدي الأسود أونِسيمِوس Onesimus، وهو تابعٌ فَطِن". لقد طعَّمَ أونِسيمِوس نفسه وأخبر ماذِر أنَّ هذه الممارسة شائعة في موطنه الأفريقي –ربما فيما يُعرَف اليوم بغانا. "مَن امتلك الشجاعة لاستخدامه" أخبره العبد، "زال عنه الخوف من العدوى". أما في الهند، طبَّق البراهمة التطعيم لمئات السنين، وربما أكثر. فيما هناك تقارير عن التطعيم تعود إلى القرن السابع عشر في الدنمارك وسويسرا وبولندا. بالعودة إلى القسطنطينية، لم يصلها التطعيم إلا قبل عقود من زيارة الليدي ماري، حيث جلبه تجار الشركس والجورجيين، هؤلاء بدورهم تعلموا هذه الممارسة إما من مصادر شرقية أو أفريقية. وفي نفس السياق، شاعت ممارسة التطعيم في بدايات القرن السابع عشر بوصفها ممارسة طبية شعبية في بيمبروكشاير “Pembrokeshire”، حيث عُرِفَت شعبيًا بـ"شراء البثور".


مع عودة الليدي ماري إلى لندن ودعوتها إلى التطعيم، انتقلت الكرة إلى ملعب نخبة أطباء لندن. بيد أنَّهم ارتابوا في الأصل الشرقي لهذه العملية. تساءل أحدهم: "كيف يمكن لتجربة تُمارِسُها بضعة نسوةٍ جواهل وسَط أناسٍ أميين لا يحكمهم الفكر، أنْ تعتمدها أكثر الأمم رقيًا بمثل هذه السرعة وعلى أساس اختبارٍ غير كافٍ؟". لذا، شرعوا في تغريب التطعيم، فحسَّنوا (كما ظنوا) تقنيات شَرْط الجلد وإدخال القيح فيه، مستوعبين الممارسة الجديدة ضمن الرؤى الخلطية عن الجسم والأفكار الغربية الموجودة سابقًا عن المرض. فبدلًا من شَرط النسوة اليونانيات لسطح الجلد، استهدف الأطباء اللندنيون إلى شق جرحٍ عميق في الجلد وإدخال جرعة أكبر من القيح، ليتأكدوا من أنَّ كميةً كافية نفذَت وفتحت طريقًا للمادة السامة للإفلات أثناء التئام الجرح.


لكن "التحسين" البريطاني الرئيسي تمثَّل بترك الطريقة العثمانية السريعة والسهلة واستحداث نظامٍ دقيق يستغرق وقتًا طويلًا هدفه تحضير جسم المريض للتطعيم عبر موازنة أخلاطه وضبط درجة حرارته وتنقية دمه. على هذا الأساس، حُظِر على المريض شرب المشروبات القوية؛ وأُعطِيَ مميعات دم ومُليِّنات؛ فيما استمرت بعض اشتراطات هذا النظام لأسابيع عقب التطعيم. كان الهدف وراء ذلك "تهيئة جسم المريض" لأخذ التطعيم بحيث يمكن للمادة الفيروسية إنجاز مهمتها بدون خطورة. إلى جانب ما سبق، كان هناك توجيهات معنوية: نُصِح المرضى بأنْ يكونوا هادئين ومسترخين ومنشرحي الصدر –وألَّا يخافوا. فيما عُدَّ في بعض الأحيان مَن يُظهِر سلوكًا "عدوانيًا" و"نَزِقًا" و"طائشًا" فردًا غير مناسبٍ للتطعيم. قاس المُطعِّمون البريطانيون الأوائل المؤشرات الحيوية الجسدية والذهنية للمرضى: وتأتي النتائج جيدة في حال كان الفرد في صحة جيدة؛ إذْ قد تسوء الأمور حال جرى التطعيم وحالة الجسم والذهن غير متوازنة أو رائقة. بذا، تحظى عملية اختيار الأشخاص المنوي تطعيمهم وعملية تحضيرهم بالأهمية نفسها التي لعملية التطعيم ذاتها.


على كل حال، واجه التطعيم مقاومة كبيرة: من جهة، آمنَ المعترضون الدينيون بأنَّ إصابة المرء بالمرض هي بمشيئة الله وحده؛ فيما خشي البعض من خطر الوفاة العرَضية؛ بينما رَضِيَ البعض الآخر إلى حدٍ ما عما يحمله التطعيم من خطرٍ محدود، لكنهم أبَوا المخاطرة بحياة طفلٍ على مسؤوليتهم. واختلفت المواقف بين المدن –حيث مال العديد من الناس لأخذ موقفٍ قدري إزاء الجدري المتفشي. أما في الريف، رافق التفشي المتقطع للمرض ردات فعلٍ مذعورة. لكن الليدي ماري وزملاءها بذلوا الكثير لجعل التطعيم أمرًا شائعًا. ففي لندن، عزمَتْ على تطعيم ابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات، وشهدت نخبة الأطباء هذه العملية. وفي عام 1722، حصلت كارولين أنسباخ، أميرة ويلز آنذاك، على إذن من جورج الأول لتطعيم أولادها، ومرَّ هذا أيضًا بأمان وشوهِد أصولًا. هكذا، قَبِلت الأرستقراطية بهذه الممارسة، تبعها طبقة مُلَّاك العقارات والبرجوازية الثرية، فكانوا يشترون التطعيمات لأبنائهم ولأنفسهم في حال لم يُصابوا بالمرض وهم صغار. بدا التطعيم آمنًا بما يكفي، رغم وقوع بعض الحوادث البارزة: توفي ابن إيرل[2] سندرلاند عقب تطعيمه، كذلك توفي خادم إيرل باثورست –وهو "مرافقٌ شاب قوي البنية".


أما أولئك ممن كانت حياتهم مهمة فقد أرادوا تطميناتٍ بشأن الأمان والفعالية، لذا شمل التطعيم في البداية مَن حياتهم ليست بتلك الأهمية –أي الفقراء والضعفاء–، لا بوصفهم مستفيدين، بل أفرادًا يمكن إدخالهم في تجارب عن جهل أو بالإكراه، لتحديد ما إذا كان التطعيم كفيلاً بإنقاذ "أرواح الخاصَّة". فمثلًا، عُثِر في سجن نيوغايت على ست متطوعين على استعداد لأخذ التطعيم مقابل أنْ تُخفَّف عنهم عقوبة الإعدام أو النفي. جرت هذه التجربة كما ينبغي واعتُبِرَت ناجحة. عقب ذلك، ولطمأنة أمير وأميرة ويلز على وجه الخصوص، جُمِع ستة فئران تجارب، هذه المرة كانوا من الأيتام: جرى تطعيمهم وأُتيحوا للجمهور ليطَّلع عليهم داخل منزل في سوهو. مرَّت هذه التجربة على خير أيضًا، غير أنّ لدى "الخاصَّة" إضافةً إلى ما سبق إغراءات أخرى للسير في هذا الطريق.


سرعان ما ألهبت الاعتبارات الاقتصادية البحتة الطلبَ على التطعيم. "ثروتي وجهي"، هذا ما تقوله حالبة البقر (في أغنية من أغاني الأطفال)، ووجهٌ مجدور يخفِّض القيمة في سوق الزواج. لذا، فالأفضل شراء بضع بثور الآن بدلًا من المخاطرة بتشويه الوجه لاحقًا. في سوق العبيد الأمريكي، رُبِطَ الجدري بالقيمة النقدية. إذْ سيكلِّف العبد المُطعَّم أو الذي نجى من المرض أكثر. وفي سوق العمالة المنزلية البريطاني، جرى احتساب التطعيم ضد الجدري وتاريخ المرء مع الجدري ضمن المؤهلات: فعندئذٍ سيكون بوسعك العمل بأمان مع أطفال رب عملك. نَبِه مسؤولو الأبرشية إلى أنَّ إصابة الفقراء بالجدري تشكِّل خطرًا على الأغنياء، وعاقبتها وخيمة على صحة البورجوازية وتوافر اليد العاملة. هنا، غلفت أخلاقيات الكويكر والإيثار العام دوافعَ تأمين التطعيم المجاني للطبقات العاملة، تحت الغلاف كانت المصلحة الذاتية الاقتصادية.


ما الذي تسبب بالجدري؟ ما هي أنماط توزُّعِه؟ ما هي معدلات انتشاره ووفياته الحقيقية؟ اختلفت إجابات الأطباء والفلاسفة على هذه الأسئلة، وكان العديد منهم مستاءً من جودة المعلومات والنظرية المتاحة لهم. طرح التطعيم مزيدًا من المخاوف. هل يُعَّدُ فعالًا، وكيف يمكن تقويم فعاليته؟ هل يوفر حماية مدى الحياة؟ ما مدى خطورته؟ أبوسع الشخص المُطعَّم نقل العدوى للآخرين، إذا نعم، فكيف يجري ذلك ومدى سهولته؟ هل المرض الذي يسببه التطعيم يأتي من فيروس الجدري "الحقيقي" أم من شيء آخر؟ لكن خلال منتصف القرن الثامن عشر، جنحت المشاعر تجاه إقرار التطعيم وعدِّه آمنًا: افترضَ بعضٌ أنَّ احتمالية موت المرء بسبب التطعيم تبلغ 1.6%، فيما احتمالية موته من الجدري الطبيعي تتراوح بين 12-14%. (كانت الأرقام والانتقادات والطعونات تلقى من كل جانب مثلما تُلقَى الطائرات الورقية في صفٍ دراسي مشاغب، وكان من الصعب التوصل إلى اتفاق). كما لم يوجَد اتفاق حول كيفية عمل التطعيم: اعترف العديد من الممارسين بأنَّهم لا يملكون أدنى فكرة عن ذلك. لكن انخراط أطباء وفلاسفة الجمعية الملكية في هذه المناقشات –وأبحاثهم حول ما سيُعرَف لاحقًا بـ"إحصائيات" توزع المرض–، كان له عواقب على التغيير العلمي. ففي الروايات التاريخية لعلم الأوبئة والإحصاء البيولوجي، يُرَجَّح أنَّ هذين العلمين قد نَشآ مع نقاشات التطعيم البريطانية في القرن الثامن عشر.


بدأ التطعيم الغربي في لندن وبوسطن، لكن بسبب ما تنطوي عليه آنذاك تهيئة المريض والرعاية اللاحقة من نظام مطوَّل، فقد ظلَّ لعدة عقود في أيدي تجار الطب ممن يقدمون خدماتهم لميسوري الحال. غير أنَّ توحيد التطعيم وتوسيع نطاقه ودوريته كان شأنًا من شؤون الإقليم تحت قيادة جراح سافُك “Suffolk” المدعو روبرت ساتُن “Robert Sutton”، وعلى الأخص قيادة ابنه دانيال (1735-1819)، الثاني من أبنائه الستة. امتلكت عائلة ساتُن شركةً عائلية: شملت الأبناء وبعض الأقارب. وكانت هذه العائلة مَن جعل التطعيم ضد الجدري صناعة وتجارةً مربحة. وفي كتاب غافِن ويتمان الجديد[3]“Gavin Weightman”، يستأثر دانيال بدور البطولة. نشدَ هذا الكتاب استرجاع "قصةٍ مسكوتٍ عنها"، واستعادة سمعة بطلٍ منسي لإخراجه وممارسة التطعيم من تحت ظلال إنجازات جينر اللاحقة. وهذا الكتاب صغير يتسم بالتكرار والغموض في بعض الأحيان، بيد أنَّه جيد من عدة نواحٍ: إذْ يعرض التطعيم بوصفه شيئًا يتجاوز تصويره كسلفٍ متخلف لطريقة جينر؛ ويُخبِر ضمنًا قصةً هامة ومثيرة للاهتمام بشأن إدارة المخاطر وتصوّرها؛ ويعامل التطعيم على أنَّه قفزة فارقة في تاريخ الأعمال التجارية، فمعه بدأت تُسخِّر لغاياتها الدعاية والإعلانات في الصحف الإقليمية.


أسس روبرت ساتُن شركة العائلة، لكن دانيال تشاجر معه، فبدأ العمل بمفرده أوائل ستينيات القرن الثامن عشر. فافتتح مكانًا في قرية قريبة من تشلمسفورد “Chelmsford” في مقاطعة إسكس “Essex”، حيث طعَّم عشرات الآلاف من مرضى المنطقة، جاذبًا التجارة من لندن. ولم يقتصر عمله على قريته، بل جابَ ومعداته الريف القريب. وما صار يُعرف بـ"الطريقة الساتُنية" إنما هو بالأساس منجزه. جرى الترويج لهذه الطريقة على نطاقٍ واسع بصفتها تحقق نجاحًا مذهلًا. ذات مرةٍ، اعترف ساتُن بأنَّ العائلة خسرت خمسة مرضى من أصل 40 ألفًا؛ وفي أخرى، طالته شائعات تزعم أنَّه قتل بعضًا من مرضاه، عرضَ مكافأةً قدرها مئة جنيه "لمَن يمكنه إثبات أنَّه خسِر مريضًا واحدًا بفعل التطعيم، أو أنَّ واحدًا من مرضاه أُصيبَ بالجدري مرة ثانية، أو أنَّ بنية أيّ شخص قد تأذت بفعل طريقته الخاصة والناجحة". كان ذلك ادعاءً جريئًا، لكن بحلول سبعينيات القرن الثامن عشر صار من المتعارف عليه أنَّ التطعيم الساتُني [نسبةً إلى ساتُن –م] فعَّال وآمن. وقد روَّج ساتُن لنفسه على نحوٍ جيد: لقد كان "دكتور البثور".


أصبح الناس مع الوقت أكثر ثقة بالتطعيم، وأكثر تمييزًا عند البحث عن ماركة مرموقة، وأكثر تقبلًا للمخاطر المحدودة والتي لا يمكن تجنبها. كان التطعيم الساتُني، أقله في بعض الأشكال، مباشرًا واضحًا: في يوم استثنائي حافل، أفاد ساتُن أنَّه طعَّم 700 فرد. لقد اختُصِرَ زمن النظام التحضيري المفصل: ما زال هناك حمية خفيفة –خضار مع الابتعاد عن المشروبات القوية–، لكنها لم تعد بالصرامة المعتادة. عادت الطريقة العثمانية في شَرْط الجلد؛ ولم يَعُد يقيَّد المرضى بمنازلهم، بل شُجِّعوا على الخروج في الهواء البارد. كان هناك مُسهِّلات خاصة، لكن يبدو أنَّ ساتُن أوصى بجرعاتٍ أقل من غيره. وكان هناك اختلاف بالعروض: بالنسبة للزبائن الخاصين، قدَّم ساتُن عنايةً أشبه بعناية المنتجعات الصحية وذلك في أماكن إقامة مخصصة لهذا الأمر. وبالمثل تدرَّجت أتعابه، إذ تراوحت في الغالب بين ثلاثة وعشرة جنيهات، أما مع خدمةٍ خاصة –ثلاثة إلى أربعة أسابيع من الإطعام والإسكان– ستصل إلى عشرين جنيهًا. بدأت مجالس الأبرشيات في طلب مناقصات لتطعيم الفقراء في مناطقهم. فعرض العديد من المطعِّمين تلبية الطلب الجديد، بمن فيهم ساتُن، غير أنَّهم لم يكونوا متحمسين للعمل الخيري.


شكَّل تقاسم السوق ونظام التسعير عوامل نجاح أعمال ساتُن، بل وتحكمه بالمعروض. فيما استطاعت جماعة ساتُن تلبية حجمٍ كبير من الطلب الإقليمي. زد على ذلك أنَّ ساتُن وضع نظامًا لحق الامتياز، "خوَّلَ" بموجبه ترويج أكثر من خمسين شريكًا في بريطانيا وخارجها لاستخدامهم "النظام الساتُني" –بشرط دفع رسومٍ لقاء مُركَّبات ساتُن المُسَهِّلة، والحصول على حصة من العائد، مع تعهدهم بعدم إفشاء أسرار المهنة. اصطبغ التحكم بأهمية خاصة، لأنَّه يمكن لأيّ كان من الناحية العملية العمل مُطعِّمًا. فأفراد عائلة ساتُن أنفسهم أصبحوا جرَّاحين بفعل التدريب المهني، فيما كان الصيادلة والكهنة والحِرَفيين والمزارعين يمارسون التطعيم، وأحيانًا كان الآباء يطعِّمون أبناءهم. من جهة أخرى، زادت أرباح الصحافة الإقليمية زيادةً ملحوظة مع إعلان الممارسين عن مهاراتهم في التطعيم وأسعارهم التشجيعية. في هذه الأجواء، سعى دانيال إلى تسيّد السوق وتحييد منافسيه –بمن فيهم والد زوجته وشقيقه الأصغر–، مُبيِّنًا أنَّ الطريقة الساتُنية تستند إلى مجموعة خاصة من الأسرار لا يعلمها سواه وشركاه. لذا، جَهد منافسوه لكشف هذه الأسرار، وفي بعض الأحايين كانوا ينقَّضون على مرضاه ليسألوهم عن تجربتهم.


ظن البعض أنَّ السر في مصدر قيح التطعيم. أيأخذه ساتُن من مصابين معينين؟ (بعض المختصين اليوم يشيرون إلى أنَّه ربما اختار المادة من الحالات الأقل شدة، بذا ينقل سلالة فيروسية تسبب أعراض أخف، لكن ثمَّة دليل على رواية معاكسة). هل كانت طريقته في شَرط الجلد العاملَ الحاسم؟ (مرة أخرى، يظن بعض علماء الفيروسات أنَّ نمو فيروس الجدري على الطبقات الجلدية الخارجية يخفف من قوته المرضية، بينما أفاد آخرون بأنَّ أي إدخالٍ للفيروس عبر الجلد يعطي إيعازًا لاشتغال الجهاز المناعي بصورةٍ أسرع بالمقارنة مع طريقة الاستنشاق). أتلقَّى مرضاه حميةً من نوع خاص يجهلونها هم؟ وهل كانت الرعاية اللاحقة اليقظة شديدة الأهمية، وهل كان سيتغير مصير ضحايا الجدري، ممن أُصيبوا بشكلٍ طبيعي، إذا ما تلقوا رعاية تشبهها؟ ما مدى أهمية خروجهم في الجو البارد عقب التطعيم؟ اقتنع بعض منافسيه بأنَّ سر نجاحه يقع في تركيباته الدقيقة لجرعات المُسَهِّلات الكيميائية، على الأخص تلك التي تحتوي على الزئبق (كان شائعًا في طب القرن الثامن عشر، أما اليوم فيُعتبَرُ مادةً سامة). فيما شك البعض الآخر من المنافسين، مثلهم مثل بعض باحثي اليوم، بأنَّ العامل الأساسي في ضمان مدخولٍ جيد كان انتقاء الأفراد موفوري الصحة. مع ذلك، ظلت أعمال ساتُن على خير ما يرام، ما دامت الأسرار في الخزائن المغلقة.


مع تراكم الأموال، نقل ساتُن أعماله من إسكس إلى لندن، فأسس شركةً له في جادة كينغستون غور “Kensington Gore” بين جدران منزلٍ يسمى، كما هو متوقع، منزل ساتُن. بحلول عام 1764، بلغ دخله السنوي 63 ألف جنيه –حوالي 1.2 مليون دولار بأرقام اليوم–، وبعد أن بنى ثروته، سعى لكسب الشهرة. وبوصفه شخصيةً نكرة[4] مختالة وعنجهية، فقد ضغط على أصحاب القرار لمنحه وسام نبالة العائلة "لتنصيبي في المكانة المستحقة، التي تطلعت إليها على الدوام". وبعد حملة طويلة ومُكلِفة، نجح ساتُن أخيرًا، ونادرًا ما فوت فرصة التباهي بمكانته النبيلة. فكان شعاره المُختار (إكرامًا لِذكرى أسكيليباديس) لدعايته للطريقة الساتُنية: "آمن؛ سريع؛ ومُفرِح" –“ tuto, celeriter, et jucunde”.


في عام 1796، قرر ساتُن البالغ آنذاك 61 عامًا كسرَ الأقفال وإخراج أسرار طريقته إلى النور. لم يقم بذلك حقًا: فكتاب تاريخ الحالات و"النظرية" الذي زَعُم فيه أنَّه يروي القصة كاملة عُنوِنَ بـ"المُطَعِّم" –بألف ولام التعريف للتدليل على الأصالة والفرادة، شغل أكثر صفحاته الاحتفاء بالذات لا كشف الأسرار. على أي حال، مع مرور الوقت كان كل المُطَعِّمين يتبعون "الطريقة الساتُنية"، أو يظنون ذلك أو يزعمونه. تمثلت طريقتهم بـ: شَرْط سطح الجلد، وعدم إدخال كميات كبيرة من المادة الفيروسية، إلى جانب حمية تحضيرية سريعة، وأي مُسَهِّلاتٍ زئبقية أو أنتيمونية اعتقدوا أنَّ ساتُن يستخدمها. لم تستمر أعمال ساتُن كما كانت؛ فمن جهة أولى رأى الزبائن أنَّه لم يعد هناك داعٍ للدفع لقاء منتجٍ أصلي غالٍ حين يمكن الحصول على نفس النتيجة تقريبًا بسعرٍ أقل. من جهة ثانية برزت بعض التيارات المعارضة، رافقها بروز قلقٍ سياسي يرى أنَّه حتى لو لم يشكِّل التجدير خطرًا على المرضى، إلَّا أنَّه في غياب التجدير الشامل –وهذا مستحيل عمليًا– سيُهَدَّدُ الآخرون بالعدوى.


بيد أنَّه في آخر الأمر انتصر تلقيح إدوارد جينر على التجدير –ثمَّة نُصبٌ لجينر في حدائق كينسنغتون، فيما لا يوجد أي نُصبٍ لساتُن في أي مكان–، لكن ويتمان يشير عن صواب إلى أنَّ انتصاره لم يكن سريعًا ولم يخلُ من معارضة. عرض جينر عمليةً جديدة لا يُعطى فيها المريض فيروس الجدري، ولا تعرِّضه لمخاطر المرض، ولا تستلزم أي تهيئة أو رعاية لاحقة، وتَعِد بحماية طويلة المدى، ولا تجعل من المريض مصدر عدوى خطير، بذا تُلغى إجراءات "العزل الذاتي" اللاحقة أو الحجر الصحي. غير أنَّ العديد من البريطانيين ظلوا يفضِّلون التجدير ويقاومون التلقيح. عاش ساتُن لأكثر من عشرين عامًا بعد اكتشاف جينر، لم يختفِ التجدير وقتها، وظل يلبّي طلب زبائنه لفترةٍ من الزمن. في القرن التاسع عشر، كانت الشكوك حول التلقيح في بريطانيا كثيرة؛ أثارتها مسألة الأمان والسلامة، لكن هناك ما هو أكثر من الأمان والسلامة. يرتبط جزء من القصة بالاعتياد: جرت مقاومة التجدير بادئ الأمر بسبب أصله الشرقي، لكن سرعان ما جرى توطينه. في حين كان التلقيح شيئًا جديدًا، لم يطوِّع الاعتياد بعدُ مخاطره المتصوَّرة.


رغم ذلك، فقبل وجود ما يُعرَف بعلم المناعة، كانت الحدود بين الجسدي وغير الجسدي مشحونة ثقافيًا. يصيبك التجدير بحالة مخففة من الجدري الرهيب، لكن المرض نفسه كان مألوفًا في ظروف القرن الثامن عشر. في حين أنَّ جدري البقر أتى من الماشية، بذا فالتلقيح عنى إدخالَ مادةٍ إلى جسدك مصدرها كائنٌ غريب. حظيت هذه الاعتبارات بأهمية معينة عند البعض. سخر [الرسام جيمس] غيلراي “J. Gillray” من التلقيح، حيث رسمَ في أحد كاريكاتيراته أعضاء بقرةٍ تنمو في أجساد من تلقحوا للتو، غير إنَّ القلق من تحول المرء إلى بقرة كان شائعًا بين الناس ولم يأخذه أحد على محمل المزاح. طفت مخاوف من أنَّ التلقيح سينقل أمراضَ أخرى بخلاف جدري البقر، إلى جانب مخاوف من توفير مادة اللقاح لا من "البقرة إلى الإنسان"، بل من "إنسان إلى إنسان" (إعطاء شخصٍ ما مواد فيروسية من شخصٍ آخر)، مما قد ينقل الأمراض الأخرى دون القدرة على السيطرة عليها، بما فيها الأمراض التناسلية. لكن على مدار القرن التاسع عشر، ظل الخوف الماسك بتلابيب المشككين باللقاح متمحورًا حول الخوف من التحولِ إلى بقرة. وخلال تفشي الجدري في مقاطعة جينر، غلوسترشاير، إبان العقد الأخير من القرن التاسع عشر قاوم بعض الأهالي فكرة التلقيح، رافضين "إدخال الوحش... إلى جسد أطفالهم"[5].


هكذا، لم يكن اعتراض أول "مستنكفٍ ضميري" اعتراضاً على الحرب، بل على التلقيح الإلزامي. وفي حين خضع سجناء نيوغايت وأيتام لندن وآلاف فقراء الأبرشيات إلى التجدير، غير أنَّ الممارسة غدت بالنسبة للجزء الأكبر اختيارًا في سوق الطب خلال القرن الثامن عشر. لم يمض وقت طويل على اكتشاف جينر حتى جرى الحديث عن التلقيح الإلزامي، وفي النهاية نصَّ عليه القانون –بدايةً، حَظَرَ التجدير ولاحقًا سنَّ الإلزام بالتلقيح. تراكمت الأدلة على تفوق التلقيح من ناحية الأمان والفعالية، لكن العلم لم يُسَلِّم بسهولة، وحتى مع غدوِّ الإلزام معقولًا من الناحية الطبية، كانت هناك قيود تطال قدرته على تحديد معقوليته من الناحية السياسية والأخلاقية. كان العلم المنخرط في نقاشات التجدير والتلقيح إبان القرن الثامن عشر والتاسع عشر يزن صحة المجتمع مقابل المخاطر على الأفراد. وتعلقت الأبعاد السياسية والأخلاقية لهذه المناقشات بالعلاقة بين الصالح العام ورغبة الأفراد في السيطرة على أجسادهم. لم يكن أمام إدارة الصحة العامة مجال للإفلات من هذه التوترات، ولم يكن هناك طريق واضح يقود من الأدلة العلمية إلى الفعل الصائب. وفي اقتصاد السوق، ليس من السهل إنكار نعمة الخيار الفردي. في بدايات المناقشات البرلمانية حول الوقاية من الجدري، اعترض أحد المتحدثين على مقترح حَظْر التجدير قائلًا: "لم تزل حرية ارتكاب الخطأ ميزةً يحظى بها المواطنون الإنكليز الأحرار".

_______________________________


*ستيفن شابِن: الأستاذ الفخري لتاريخ العلم في جامعة هارفرد، وله من المؤلفات “The Scientific Life” و”A Social History of Truth”.


-الهوامش:

1 - تختلف هذه البثور عن البثور الصديدية في أنَّها لا تحتوي على صديد "قيح"، بل على مادة مصلية. (م)

2 - إحدى الرُتَب في طبقة النبلاء. (م)

3 - هذه المادة بالأساس مراجعة لهذا الكتاب الصادر حديثًا عن منشورات جامعة ييل تحت عنوان "المُطَعِّم العظيم" “The Great Inoculator”. (م)

4 - بالأساس شخصية بُوترية “Pooteresque”: إحالة إلى "شارلز بُوتر" بطل رواية "مذكرات نكرة" لجورج وويدون غروسميث. (م)

5 - أقتبس هذه الجملة من كتاب ناديا دورباخ حسبما ترِد في مراجعة سوزان بيدرسون: Nadja Durbach’s Bodily Matters: The Anti-Vaccination Movement in England, 1853-1907, reviewed by Susan Pedersen in the LRB of 1 September 2005.