• Alaa B.H

آدم هنية: مقاربة التكوّن الطبقي في بلدان الخليج العربي

ترجمة: علاء بريك هنيدي

بالنظر إلى التطورات الأخيرة (دعنا نضيف هنا: المتوقعة) على الساحة الخليجية، فإنَّه من المناسب قراءتها بعيدًا عن الصور النمطية المتداولة حول الخليج العربي ومشايخه. لذا، تُقدِّم المُتَلَمِّس مقتبسًا من كتاب الباحث آدم هنية المعنون "الرأسمالية والطبقة في بلدان الخليج العربي"الصادر بالإنكليزية عن منشورات بالِغرايف مكميلان Palgrave Macmillan في العام 2011. إذْ يساعد الكتاب الذي نقتبس منه هنا على تكوين فهم شامل وواقعي للاقتصاد السياسي الخليجي وميكانيزمات عمله. إضافةً لما سبق، فإنَّ الكتاب يوضح موقع رأس المال الخليجي ضمن الاقتصاد العالمي ودوره ضمنه، زِد على ذلك أنَّ الكاتب لا يغفل عن موقع ودور رأس المال الخليجي في المنطقة/الإقليم.

____________________________

المحتويات

قائمة الجداول

الاستهلال

1- مقاربة التكوّن الطبقي في بلدان الخليج العربي

2- الاقتصاد السياسي لما بعد الحرب: الرأسمالية وتشكُّل الخليج

3- تطور الرأسمالية في مجلس التعاون الخليجي

4- نحو اقتصادٍ عالمي واحد: 1991 إلى 2008

5- تكوّن رأس المال الخليجي

6- رأس المال الخليجي والشرق الأوسط

7- مسارات مستقبلية

الملحق (أ) تكتلات رأس المال الخليجي

الملحق (ب) ملكية البنوك الكبرى في مجلس التعاون الخليجي

الملاحظات

المراجع

مسرد


الفصل الأول

مقاربة التكوّن الطبقي في دول الخليج العربي


الشارع إياه

غالباً ما يُستخدَم لتصوير التغيُّرات الأخيرة في دول الخليج العربي زوجٌ من الصور الفوتوغرافية تقارنان لقطة عمرها 20 عاماً للطريق الرئيسي في دبي، شارع الشيخ زايد، مع نفس الصورة للطريق ذاته اليوم. تكشف الصورتَيْن تحولاً ملحوظاً وقعَ في غضون عقدين قصيرين فقط. إذْ تُظهِرُ اللقطة الأقدم عدداً من المباني المعزولة، يحيط بها مساحات شاسعة من الصحراء، وطريقاً ترابياً. في حين تُظهِر الصورة الحديثة مشهداً آخّاذاً لأضواء متلألئة وناطحات سحاب شاهقة. وغالباً ما يُستعَان بتشبيهات الخيال العلمي لوصف هذا المشهد –حيث تتحدى أطول المباني في العالم بإلتواءاتها وتزاحمها في الأفق المنطقَ المعماري. قُدِّرَت أعداد الرافعات العاملة في دبي قبل تراجع طفرة البناء –أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008– بحسب إشاعة كثيراً ما يلوكها الناس (على الرغم ممّا فيها من مبالغة) بأنَّها تساوي ربع عددها في العالم بأكمله.

واكبت طفرة التنمية الهائلة في دبي طفرات مماثلة عبر الخليج. فجميع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو كتلة إقليمية يتألف من الملكيات الست الغنية بالنفط –البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة– قد تحوَّلت خلال العقد الماضي إلى شبكة من الطرق السريعة، وناطحات السحاب، والمشاريع الخيالية. وكانت خلال الجزء الأكبر من العقد الأول من القرن العشرين أكبر سوقٍ في العالم لـ "المشاريع الضخمة" –مشاريع كبرى في البناء والصناعة اجتذبت الشركات الهندسية الرائدة من جميع أنحاء العالم. إذْ يقع في دول المجلس، أو هو قيد الإنشاء، أطول مبنى في العالم وأكبر مركز تجاري وأكبر مجمعات للألمنيوم والبلاستيك والسيراميك والبتروكيماويات. وإذا ما استثنينا، جدلاً، الصين الساحلية، فما من منطقة أخرى على هذا الكوكب شهدت مثل هذا التحول المذهل خلال فترة زمنية قصيرة للغاية كهذه.

فما الذي يكمن وراء هذا التطور الدراماتيكي في الخليج؟ الإجابة البديهية هي، بطبيعة الحال، الاستخدام الحكيم لعائدات النفط –خاصةً في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط من عام 2000 إلى عام 2008. في ذروة ارتفاع الأسعار هذا، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي (GDP) إلى أكثر من تريليون دولار، أي أقل بقليل من 2 في المائة من الإجمالي العالمي البالغ حوالي 61 تريليون دولار. وفي عام 2008، احتلَ اقتصاد مجلس التعاون الخليجي المركز الرابع عشر على مستوى اقتصادات العالم (بحجم مماثل لحجم أستراليا تقريباً)، وسجَّلَ إجمالي الناتج المحلي بالنسبة للفرد ثلاثة أضعاف متوسطه العالمي. ومع أنَّ ثروة الهيدروكربون تُعَدُّ، بشكل واضح، أساسيةً في التحول الاقتصادي خلال العقود الأخيرة، إلّا أنَّ هذا الكتاب يصف جانباً مختلفاً لتطور دول مجلس التعاون الخليجي. ويجادل بأنَّ ما يراه زوارها من طفرةٍ يغذيها النفط ليس الصورة الكاملة، بل هو أشبه بالسراب. فالخرسانة والصلب هما تجسيدان ماديان لتحولٍ أعمق بكثير –لتحولٍ أساسي في الاقتصاد السياسي للخليج. فقد أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي عقدةَ وصلٍ رئيسية للرأسمالية العالمية، وهو الموقف الذي أدى إلى حدوث تغييرات في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية طبعت المنطقة لعقود عدة. سيكون تطور الرأسمالية الخليجية هذا –روابطها مع السوق العالمية وتطور الاقتصاد السياسي المحلي– محورَ التركيز التحليلي للفصول التالية.

الحجة الأساسية في هذا الكتاب أنَّه من أجل فهم هذه التغيُّرات بشكل كامل، من الضروري فهم ورسم خريطة لعملية تكوّن الطبقة الرأسمالية في الخليج. لقد انبثقت الطبقة الرأسمالية الخليجية بسرعة وبأسلوب "البيوت الدفيئة" –فمن مجموعاتٍ تجارية ذات طابعٍ عائلي تدعمها الدولة في الستينيات والسبعينيات إلى هيمنة عدد قليل من تكتلات الشركات العملاقة "conglomerates" اليوم. أمّا الأكثر أهمية –والسمة الرئيسية للاقتصاد السياسي في المنطقة التي درسها هذا الكتاب– فهو التدويل "internationalization" الواضح للرأسمالية الخليجية على مدار العقد الماضي. إذْ تنظر التكتلات الخليجية العملاقة الآن إلى أنشطتها الربحية على مستوى دول المجلس بدلاً من اقتصارها على الدول الأعضاء منفردةً. حيث يمتلكونَ حصصاً في مجموعة واسعة من الخدمات الصناعية والمالية والتجارية الموجودة في جميع أنحاء المنطقة. تشتمل أنماط التراكم المتبلورة في دول مجلس التعاون الخليجي على مجموعة جديدة من العلاقات الاجتماعية المُدوَّلة وبذا فإنَّها تمثل عملية تكوّنٍ طبقي –توصف من الآن فصاعداً باسم رأس المال الخليجي "Khaleeji Capital". تُترجم الكلمة العربية "خليجي" حرفياً إلى "Gulf" ولكنها تتجاوز المعنى الجغرافي لتعني هويةً مشتركة لعموم الخليج العربي تميز شعوب المنطقة هذه عن بقية الشرق الأوسط. وعلى طول صفحات هذا الكتاب، يُستخدم مصطلح رأس المال الخليجي لوصف هؤلاء الرأسماليين الذين يرتكز تراكم ثرواتهم بشكل شامل ومتسق في تدويل رأس المال عبر فضاء مجلس التعاون الخليجي. ولا يعني رأس المال الخليجي بأي حال من الأحوال فقدان الهوية "الوطنية"، بل هو توجه ونظرة للتراكم على نطاق عموم دول المجلس. كما يوضِح هذا الكتاب، فإنَّ رأس المال الخليجي مبني على أساس هرمي حول المحور السعودي-الإماراتي، مع رؤوس أموال ترتبط فرعياً بهذا المركز. وهو يمثِّل تطور فضاءٍ جديد يعكس تحولاً في العلاقات الاجتماعية التي يقوم عليها التراكم في الخليج –أي عملية تكوّنٍ طبقي تقع ضمن تدويل رأس المال وتجري عبره. ترتبط عملية التكوّن الطبقي هذه ارتباطاً وثيقاً بالتطور السريع لاقتصادات الخليج والتحول المادي لمدنه. إنَّها القصة الحقيقية التي لم تروَ عن الخليج –الحقيقة الواقعية وراء الصورة– وهي تعلق أهمية كبيرة على فهم الشرق الأوسط المعاصر والسوق العالمية ككل.

تَلَمَّس من هنا

[اكتب واِرمِ في النهر، سنلتقط ونقرأ]

جميع الحقوق محفوظة لموقع المُتَلَمِّس© 2020